كيف يعيد رواد الأعمال إنتاج المعرفة الاقتصادية المحلية؟
الأربعاء / 21 / رمضان / 1447 هـ - 10:01 - الأربعاء 11 مارس 2026 10:01
محمد بن أحمد الشيزاوي -
برز التركيز على الاستفادة من مفاهيم «الابتكار الاقتصادي» لإعادة توطين «الأفكار الاقتصادية» وتكييفها مع السياقات المحلية بشكل أكبر مع التحديات التي باتت تفرضها العولمة وتطور سلاسل الإمداد وانتشار استخدامات الذكاء الاصطناعي، وفي هذا الإطار يلعب رواد الأعمال دورا محوريا في تحويل المعرفة الاقتصادية من نظرية عامة إلى ممارسات تطبيقية مرنة تُعيد تشكيل النشاط الاقتصادي وفق البيئة المحلية والتاريخ والتراث الضارب في القِدم، وتسهم بذلك في تأسيس أنشطة اقتصادية أكثر ارتباطا بالبيئة المحلية وتتيح لرواد الأعمال بناء علاماتهم التجارية ونشرها في الأحياء الصغيرة والمدن الكبرى لتكون منافسا حقيقيا للعديد من العلامات التجارية العالمية.
وعادة ما ينظر الاقتصاديون إلى مصطلح «الابتكار الاقتصادي» على أنه محرك مهم للتطور الاقتصادي الحديث وأحد أبرز الخيارات المتاحة لتحسين الإنتاجية نظرا لدوره في تحويل الأفكار الجديدة إلى قيمة حقيقية في الإنتاج والاستثمار، وفي التجارة والصناعة والسياحة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية الأخرى، ومع النمو الاقتصادي العالمي وانفتاح المجتمعات على ثقافات عديدة من مختلف الأمم والشعوب اتجه رواد الأعمال لتوظيف الأفكار والمعرفة التي يكتسبونها -من خلال اطلاعهم على ثقافات الشعوب الأخرى- في أنشطتهم الاقتصادية مع الأخذ بعين الاعتبار تصميم حلول تنبع من احتياجات المجتمع وتطلعاته وتستند إلى موارده وثقافته وتقاليده العريقة.
وعند تتبع العديد من الأنشطة الاقتصادية الحديثة، التي استلهم رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أفكارها من واقع المجتمع الذي تعيش فيه والبيئة المحلية سنجد كمّا هائلا من المشاريع الاقتصادية التي أعادت إنتاج تراثها وعرضته للعالم من زاوية حديثة وأضافت بذلك قيمة عالية للعديد من المنتجات والخدمات وأسهمت في الاستفادة من منتجات عديدة لم يكن لها رواج قبل ذلك لتدعم -من خلال هذا العمل- الحرفيين التقليديين وترفع القيمة الاقتصادية لمنتجاتهم، وهو ما انعكس إيجابا على مختلف الأطراف بما في ذلك أصحابُ الأعمال والحرفيون التقليديون الذي أصبحوا أكثر تمسكا بحرفهم التقليدية، وأدى اجتماعيا إلى إطلاع الأجيال الجديدة على تراثهم وإعادة تقديمه لهم بثوب جديد يتوافق مع العصر الحديث وتطلعات المستقبل.
ولعل التطورات الحديثة والنمو الاقتصادي والعمراني وازدياد أعداد السكان ونشأة مدن كبرى مكتظة بالسكان والمباني الشاهقة أدت إلى أن يبحث سكان المدن -على وجه الخصوص- عن بيئات هادئة توفر لهم أجواء مريحة بعيدا عن زحام المدن وطوابير السيارات والمشاة، وهو ما حفّز رواد الأعمال على ابتكار أفكار جديدة تواكب هذا التحول، وخلال زيارة لي إلى أحد المخيمات السياحية في ولاية بدية أخبرنا أحد المرشدين السياحيين أن هناك أعدادا من السياح الأوروبيين يرغبون في الابتعاد عن «ترف» المدينة للسكن في مخيمات تتيح لهم الاستمتاع أكثر فأكثر بالقمر وأضواء النجوم ولا حاجة لهم في هذا الجو إلى الهاتف أو إلى التلفاز فضلا عن وسائل التواصل التي تجعلهم في حالة استنفار دائم
وخلال زيارة أخرى إلى مدينة مراكش المغربية رأيت الكثير من السياح الأجانب يجلسون على مائدة عشاء تم إعدادها لهم في أجواء تُعيدهم مئات السنين إلى الوراء عندما كانت هذه المساكن مرتبطة بالحياة الحَضَرية التاريخية، وقد أدى تحويل «الرياض»، من فضاء سكني خاص إلى وحدة ضيافة سياحية عالية القيمة، إلى تسليط الضوء على أهمية الابتكار الاقتصادي في إعادة توظيف أصل تقليدي في وظيفة اقتصادية سياحية جديدة، وتحويل التراث المعماري من مجرد مبنى جامد إلى أصل إنتاجي نشط مليء بالحياة وفي الوقت نفسه يحقق قيمة اقتصادية وإيرادات للشركة المستثمرة وللاقتصاد بشكل عام.
وفي سلطنة عُمان شهدنا في السنوات الأخيرة مزيدا من الاهتمام بالأفكار الاقتصادية التي تُعيد استلهام التاريخ والحضارة العمانية وتحويل نمط العيش التقليدي إلى تجربة سياحية فريدة من نوعها، ولعل «حارة العقر» بولاية نزوى أحد أبرز النماذج التي يمكن الحديث عنها في هذا الإطار، إذ ركّز مشروع تطوير الحارة على رفع قيمتها الاقتصادية عبر تحويلها -بعد إعادة ترميمها- إلى مزار سياحي يقدم تجربة تراثية وثقافية بارزة تُعيد الزوار إلى تلك الحقبة الزمنية للحارات العمانية والبيوت المبنية بالطين والممرات الضيقة التي تربط مختلف أرجاء الحارة ويلعب فيها أطفال الحارة ويلتقي عبرها الكبار ذاهبين أو عائدين من أعمالهم، كما شهدنا خلال السنوات الأخيرة مزيدا من الاهتمام من قبل القطاع الخاص للاستفادة من التاريخ العماني العريق وإعادة تعريف الجيل الجديد به وهو ما أدى -بحسب إحصائيات وزارة التراث والسياحة- إلى ارتفاع عدد المواقع التراثية المستثمرة من قبل القطاع الخاص، وشهدت السنوات الأخيرة مزيدا من الاهتمام بتطوير تجربة المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي من وحي البيئة العمانية خاصة تلك المشاريع التي أُقيمت في قلاع أو حصون تاريخية أو في البيوت التاريخية والمزارع والمرتفعات الجبلية لتغري الزوار بإعادة استكشاف المكان وفي الوقت نفسه تحويله إلى قيمة اقتصادية عالية تُسهم في التنويع الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
ولعله من الملاحظ أن المحرك الأساسي لنمو هذه المشاريع وزيادة الإقبال عليها أنها ابتعدت عن استيراد نماذج اقتصادية خارجية بل عملت على توظيف الأفكار الاقتصادية لخدمة بيئتها المحلية وإعادة استكشاف ما يمكن أن تقدمه للمستهلكين عبر العديد من الأعمال الخزفية والنسيجية، وعبر إعادة بناء مفهوم الإقامة في الحارات القديمة، أو تقديم مشروبات متنوعة في المقاهي التي تم تكييفها لتقدم تجربة مميزة وجديدة من نوعها تربط المستهلك بالتراث والبيئة المحلية، وقد لاحظنا في السنوات الأخيرة نمو المشاريع التي تعتمد على علامة تجارية عمانية وهو ما يؤكد قدرة المجتمع على تحويل موارده وثقافته ومعرفته واحتياجاته إلى قيمة اقتصادية بما ينسجم مع مفهوم الابتكار الاقتصادي؛ حيث يتم الاتجاه إلى ابتكار نماذج محلية بدلا من استنساخ نماذج خارجية.
وهكذا نجد أن الأفكار في عصر الابتكار الاقتصادي والعولمة أصبحت لها قيمة اقتصادية وأصبحت أحد مصادر الثروة ويمكننا اعتبارها صناعة اقتصادية تقيس إمكانيات الدول وقدرتها على النمو والتفوق الاقتصادي، وبمعنى آخر: الاقتصاد الذي تنمو فيه الأفكار الإيجابية التي تستطيع تحويل التحديات إلى فرص وتُعيد الاهتمام بالتراث والتاريخ وتوظيفهما اقتصاديا يعتبر اقتصادا متجددا وقادرا على تحقيق تطلعات الدول والشعوب، غير أنه من المهم أيضا تمكين رواد الأعمال من بناء نماذج أعمال محلية عبر الدعم والإرشاد والتوجيه والتمويل.
وفي النهاية ستظل الأفكار محركا أساسيا لنمو العديد من القطاعات الاقتصادية، وستظل هي المعين الذي يستقي منه رواد الأعمال توجهاتهم ومشاريعهم؛ غير أن المهم كيف نستفيد من الأفكار ونحولها إلى مشاريع قادرة على النمو، وكيف نجعل هذا المنتج قادرا على الاستمرار والنجاح، فالفكرة قد لا تصمد في كثير من الأحيان إن لم تجد من يعتني بها ويجعلها تتجاوب مع شغف المجتمع وتطلعات الأفراد، وكما قال الجاحظ قديما: «المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ (...) وفي صحة الطبع وجودة السبك فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير»، وبالمفهوم الاقتصادي فإن المشاريع هي كذلك تأتي من أفكار كثيرة ينتجها الأفراد الذين يسعون إلى توظيف أفكارهم في مشاريع ضمن بيئاتهم المحلية، غير أن بعض المشاريع لا تلقى سبيلها إلى النجاح وهو ما يستوجب من رواد الأعمال بناء حلقة متصلة من: إنتاج الأفكار إلى بنائها وتنفيذها، ثم تسويقها بما يجعل مشاريعهم قادرة على النمو والنجاح، وأن تكون لدى الأفكار المولّدة والمشاريع المنفذة العواملُ التي تمكنها من المنافسة، ونعتقد أن اقتراب هذه المشاريع من بيئتها الأصلية يمنحها تنافسية أكبر ويؤهلها لتحقيق النجاح الذي يتطلع إليه رواد الأعمال.
محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية