تشديد أخلاقيات العمل لن ينقذ الاقتصادات المتقدمة
الأربعاء / 21 / رمضان / 1447 هـ - 10:00 - الأربعاء 11 مارس 2026 10:00
جون دو -
عاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس من زيارته الأخيرة إلى الصين وهو في حالة من القلق الواضح فبعد جولة في شركة يونيتري روبوتيكس في مدينة هانغتشو حيث شاهد روبوتات رباعية الأرجل تؤدي حركات قتالية أقر بأن ألمانيا «لم تعد ببساطة منتجة بما يكفي» محذرا من أن الازدهار لا يمكن الحفاظ عليه مع «توازن بين العمل والحياة وأسبوع عمل من أربعة أيام»، وأضاف أن الألمان سيضطرون ببساطة إلى بذل المزيد من الجهد.
كان ميرتس محق في دق ناقوس الخطر، فقد انكمش الاقتصاد الألماني لعامين متتاليين في 2023 و2024، كما تراجع الإنتاج الصناعي بشكل حاد، ويقدّر اتحاد الصناعات الألمانية أن البلاد تحتاج إلى استثمارات إضافية بقيمة 1.4 تريليون يورو (1.6 تريليون دولار) بحلول عام 2030 لمجرد الحفاظ على قدرتها التنافسية عالميا، والأسوأ من ذلك أن أكثر من ثلث الشركات الصناعية الألمانية تفكر في نقل إنتاجها إلى الخارج، ولا يمكن لأحد أن ينكر أن أكبر اقتصاد في أوروبا يواجه مشكلات هيكلية عميقة.
لكن وصفة ميرتس أي العمل لساعات أطول تعكس تشخيصا خاطئا للمشكلة فمع أن تصريحاته قد تعكس جزئيا صراعا داخل الائتلاف الحاكم حول سياسات الرفاه وسوق العمل، حيث تخدم الدعوة إلى تعزيز أخلاقيات العمل هدفا سياسيا، فإن الخلط بين ساعات العمل والإنتاجية يبتعد عن جوهر المسألة، فألمانيا من بين الدول التي تسجل أقل عدد من ساعات العمل السنوية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومع ذلك يبقى الناتج لكل ساعة عمل فيها من بين الأعلى في العالم، إذ يعادل نحو ثلاثة إلى أربعة أضعاف نظيره في الصين، ومنذ أن صاغ الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت سولو نظريته الأساسية للنمو في خمسينيات القرن الماضي، يدرك الاقتصاديون أن الاقتصادات المتقدمة لا تنمو من خلال زيادة مدخلات العمل، بل من خلال تعميق رأس المال، أي زيادة رأس المال لكل عامل، والتقدم التكنولوجي، ونمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج.
ما شاهده ميرتس في هانغتشو لم يكن نتيجة لزيادة ساعات العمل، بل كان ثمرة استثمارات ضخمة وموجهة، فالصين لم تتحول إلى قوة تكنولوجية لأن شعبها يعمل حتى ساعات متأخرة من الليل، بل لأن الدولة استثمرت بشكل استراتيجي في القدرات الإنتاجية، وعملت عمدا على بناء منظومات صناعية متكاملة ما زالت أوروبا تكافح حتى لفهمها، وخلال السنوات الخمس الماضية نما إنفاق الصين على البحث والتطوير بمعدل يقارب ضعف نموه في الولايات المتحدة، ليصل إلى 2.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، متجاوزا للمرة الأولى متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
لكن الأرقام الإجمالية لا تروي القصة كاملة، فما يفسر «الصدمة المعرفية» التي يشعر بها الزوار الغربيون هو طبيعة منظومات الإنتاج في الصين على المستوى الجزئي، ووفقا لنظرية العناقيد الاقتصادية التي طرحها الاقتصادي مايكل بورتر، عملت الصين على إنشاء تجمعات جغرافية لشركات مترابطة تحقق مكاسب إنتاجية من خلال تبادل المعرفة والمنافسة المكثفة.
فعلى سبيل المثال يضم حي هواكيانغبي في شنتشن أكثر من مئة شركة لتصنيع لوحات الدوائر المطبوعة، وورش القوالب، وموزعي المكونات، ومبرمجي البرمجيات المدمجة، وذلك ضمن مساحة لا تتجاوز 1.45 كيلومتر مربع، وقد ذكر رائد أعمال تقني أوروبي يدعى «مهدي» مؤخرا على منصة إكس أنه تمكن من إنجاز أربع نسخ أولية لنموذج منتج في هواكيانغبي خلال أسبوع واحد وبكلفة تقل عن ألف دولار، في حين أن زميلا له في أوروبا أنفق 12 ألف دولار على تعديل واحد وانتظر شهرين للحصول عليه، مثل هذه القصص شائعة، وجميعها تشير إلى النمط نفسه، وهو شبكة عميقة من الذكاء الموزع حيث تتدفق المعرفة أفقيا عبر شبكة عالمية وتتراكم يوميا في مراكز الإنتاج الصينية من خلال آلاف التفاعلات المتزامنة.
النتائج تتحدث عن نفسها، فقد انتقلت شركة «بي واي دي» الصينية من شركة شبه مجهولة إلى بيع 4.6 مليون مركبة عالميا في عام 2025، وحتى في ظل العقوبات الصارمة تمكنت شركة «هواوي» من إنتاج شريحة إلكترونية بتقنية سبعة نانومتر، والآن تعمل مدن مثل خفي وتشنغدو وووهان على تكرار نموذج شنتشن على نطاق واسع.
في المقابل تعود حالة الركود في ألمانيا إلى أسباب هيكلية موثقة جيدا، إذ يعزو صندوق النقد الدولي المشكلة إلى شيخوخة السكان ونقص الاستثمار المزمن وكثرة الإجراءات البيروقراطية، كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة منذ توقف إمدادات الغاز الروسي أدى إلى تسريع تراجع القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مع وجود نحو 20 في المئة من القيمة الصناعية المضافة معرضة للخطر، كما تدهورت البنية التحتية الرقمية والمادية بعد سنوات من التقشف المالي المرتبط بما يعرف بـ«قاعدة كبح الديون» التي تحد من العجز الهيكلي عند 0.35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين كان قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة المعروف باسم «ميتيلشتاند» أبطأ من منافسيه في شرق آسيا في تبني الأتمتة.
ولا علاقة لأي من ذلك بأخلاقيات العمل لدى الألمان، بل إن اتفاق الائتلاف الحكومي الذي يقوده ميرتس يعترف بالحاجة إلى إصلاح كبير لقاعدة كبح الديون وإنشاء صندوق للبنية الأساسية بقيمة مئات المليارات من اليورو، وهذه خطوات في الاتجاه الصحيح، غير أن الإنفاق على البنية الأساسية وحده لن يسد فجوة المنظومات الإنتاجية، فالسؤال الأصعب الذي تتجاهله لهجة ميرتس الداعية إلى مزيد من العمل هو كيفية إعادة بناء البنية الإنتاجية لاقتصاد متقدم في عالم تغيرت فيه حدود المنافسة.
لحسن الحظ لا تعاني علوم الاقتصاد من نقص في الأفكار، فعلى سبيل المثال قدمت ماريانا مازوكاتو من كلية لندن الجامعية طرحا متكاملا حول السياسات الصناعية القائمة على المهام، حيث لا يقتصر دور الدولة على التنظيم بل يمتد إلى تشكيل الأسواق، كما دعا داني رودريك من جامعة هارفارد إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الصناعية يقوم على التعاون المدمج بين الحكومة وقطاع الأعمال مع إتاحة مساحة للتجريب.
وبالمثل يقدم برنامج تسريع ريادة الأعمال الإقليمية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نموذجا عمليا لتنسيق عمل الجهات الحكومية والجامعات والشركات ورؤوس الأموال المخاطرة ورواد الأعمال في بناء منظومات ابتكار قائمة على المعرفة، كما أن معاهد فراونهوفر في ألمانيا نفسها تمثل نموذجا لربط البحث العلمي بالتطبيقات الصناعية على نطاق واسع.
المقومات الأساسية إذن ليست غائبة، لكن ما ينقص هو الإرادة السياسية لتسمية المشكلة بصراحة، فهي مسألة تتعلق بتصميم المؤسسات لا بمشكلة في المواقف أو خلل ثقافي، وعلى صناع السياسات أن يركزوا على صياغة حلول تتناسب مع السياق المؤسسي الخاص ببلدانهم بدلا من الاكتفاء بالشعارات.
وألمانيا ليست وحدها في ذلك، فمعضلة الإنتاجية تطارد تقريبا جميع الاقتصادات المتقدمة، من بريطانيا التي تعاني ركودا بعد بريكست، إلى فرنسا القلقة من تراجع التصنيع، وصولا إلى الولايات المتحدة التي تواجه بدورها تراجعا في قطاعها الصناعي، وغريزة ميرتس في البحث عن إجابات في الصين صحيحة، لكنه عاد بإجابة خاطئة.
وكما قال مهدي، فإن مطالبة الألمان بالعمل أكثر تشبه مطالبة حصان بالركض أسرع في وقت بنى فيه الطرف الآخر بالفعل محرك الاحتراق الداخلي، فزيادة ساعات العمل ضمن منظومة معطلة لن تقود إلا إلى الوصول بشكل أسرع قليلا إلى الوجهة الخاطئة.
جون دو أستاذة الاقتصاد في جامعة أستون ومتخصص في التجارة الدولية والإنتاجية وسلاسل القيمة العالمية.
خدمة «بروجيكت سندكيت»