هل تستطيع أمريكا تحمل تكاليف حرب ترامب؟
الاثنين / 19 / رمضان / 1447 هـ - 23:49 - الاثنين 9 مارس 2026 23:49
حتى وقت قريب، كان أحد أكثر المعتقدات رسوخًا داخل حركة «ماغا» (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) أن دماء الأمريكيين وثرواتهم لا ينبغي أن تُهدر في الخارج بينما يعاني الأمريكيون ـ ويعاني الحلم الأمريكي نفسه ـ في الداخل. لكن زعيم هذه الحركة اليوم، الرئيس دونالد ترامب، اندفع رأسًا إلى حرب مكلفة ضد إيران.
إن الحملة الأمريكية/ الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية لا بد أن تُحدث ثقبًا كبيرًا في ميزانية الولايات المتحدة، في وقت تسير فيه المالية العامة للبلاد أصلًا على مسار غير قابل للاستدامة.
كما أنها لا بد أن تدفع أسعار النفط والغاز العالمية إلى مزيد من الارتفاع، في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة بالفعل من مشكلة في القدرة على تحمّل التكاليف. ولا يبشّر أيٌّ من هذين الأمرين بخير بالنسبة للتضخم أو التوظيف في الولايات المتحدة، خصوصًا وأن الآفاق تبدو قاتمة أصلًا بعد صدور تقرير شهري عن الوظائف جاء أسوأ من المتوقع.
وحتى قبل اندلاع الحرب مع إيران، كان ترامب قد ألمح إلى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى توسّع كبير في ميزانية الدفاع، مقترحًا زيادتها بنحو 500 مليار دولار سنويًا فوق مستواها الحالي البالغ تريليون دولار. والآن، بعدما أصبحت الولايات المتحدة منخرطة في حرب شاملة قد تمتد إلى أجل غير معلوم وتُعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للعالم، يبدو أن حجة ترامب لزيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي قد أصبحت أكثر قوة.
بطبيعة الحال، لا يزال من المبكر تقدير التكاليف المباشرة للحرب، إذ لا أحد يعلم كم ستستمر أو مدى شدتها. لكن ما نعرفه هو أنها تكلف حاليًا نحو مليار دولار يوميًا. ولذلك فإن فاتورة الصراع الذي يتوقع ترامب أن يستمر شهرًا قد تقترب من 50 مليار دولار، مع استمرار التكاليف في الارتفاع كلما طال أمد الحرب.
وإلى جانب التكاليف المباشرة لاستبدال الذخائر والمعدات الأمريكية، ستوجد أسباب أخرى تدفع إلى زيادة ميزانية الدفاع. فبادئ ذي بدء، قد يحتاج البنتاجون إلى الاستعداد لسيناريو يتم فيه زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله، ولا سيما إذا مضت إدارة ترامب قدمًا في تسليح الأكراد الإيرانيين، وهو ما من شأنه أن يستفز تركيا وربما يثير حركات انفصالية أخرى داخل إيران.
وثانيًا، ومع انصراف انتباه الولايات المتحدة إلى هذه الحرب، قد ترى كل من روسيا والصين فرصة للضغط من أجل مطالبها في أوكرانيا وتايوان على التوالي، الأمر الذي قد يستدعي إنفاقًا عسكريًا أمريكيًا أكبر للحفاظ على قوة الردع.
وكما كان الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل ميلتون فريدمان مولعًا بالقول، لا يوجد شيء اسمه وجبة مجانية. وربما لا ينطبق هذا القول في أي مجال بقدر ما ينطبق على التدخلات العسكرية، فقد أظهرت الحروب في فيتنام والعراق وأفغانستان أن الولايات المتحدة ليست بارعة في الاختيار بين «المدافع والزبدة»؛ فهي تبدو دائمًا راغبة في الجمع بين الاثنين، رغم أن السعي إلى ذلك قد يولّد ضغوطًا تضخمية.
ويُعد هذا القلق ذا أهمية خاصة اليوم. فبحسب مكتب الميزانية بالكونجرس، يُتوقع أن تسجل الولايات المتحدة عجزًا في الموازنة يتجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما لا نهاية في الأفق المنظور. وهذا يعني أنها تسير على طريق تجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي التي بلغتها في نهاية الحرب العالمية الثانية.
قد لا تُبدي إدارة ترامب اهتمامًا بتدهور المالية العامة الأمريكية، لكن أسواق السندات بالتأكيد تفعل ذلك؛ فعادةً، عندما تتصاعد التوترات الجيوسياسية، يندفع المستثمرون الدوليون نحو أمان سندات الخزانة الأمريكية.
غير أنه، وفي مؤشر آخر على أن المستثمرين الأجانب ربما بدأوا يفقدون شهيتهم تجاه الدين الأمريكي، أخذت عوائد السندات في الارتفاع منذ اندلاع الحرب مع إيران.
وفي ظل قيام الحكومة الأمريكية بتمويل عجز في الموازنة يبلغ تريليوني دولار، إلى جانب إعادة تمويل نحو 9 تريليونات دولار من السندات المستحقة هذا العام، فإن تراجع شهية المستثمرين الأجانب لشراء ديونها هو آخر ما تحتاج إليه. كما أن الولايات المتحدة ليست في وضع يسمح لها بتحمل صدمة في أسعار الطاقة. ومع ذلك، يبدو أن هذا ما ينتظرها.
ففي معركته من أجل البقاء، يحاول النظام الإيراني تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وفي الرابع من مارس، قدّر بنك غولدمان ساكس أن إغلاق هذا الممر المائي الحيوي لمدة خمسة أسابيع قد يدفع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل. وفي الواقع، يبدو أن هذا الحد قد جرى تجاوزه بالفعل.
وعلى الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي أصبح أقل اعتمادًا بكثير على واردات النفط مما كان عليه خلال موجات ارتفاع أسعار الطاقة السابقة، فإنه بالتأكيد لن يكون بمنأى عن تضاعف سعر النفط تقريبًا منذ بداية العام. ويقدّر صندوق النقد الدولي أنه «إذا حافظت أسعار الطاقة على زيادة قدرها 10% فقط على مدى عام واحد، فإن ذلك سيضيف نحو 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم ويبطئ النمو الاقتصادي عالميًا بما يتراوح بين 0.1 و0.2%».
ومن شأن مثل هذه الآثار التضخمية الركودية أن تزيد تعقيد وضع الموازنة الصعب أصلًا، من خلال تقليص الإيرادات الضريبية.
وقد قال الاستراتيجي السياسي جيمس كارفيل قولته الشهيرة إن الاقتصاد هو كل شيء عندما يتعلق الأمر بالفوز في الانتخابات. وإذا كان ما يزال على حق، فإن حربًا مطولة مع إيران قد تعني متاعب حقيقية لجمهوريي ترامب في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وإذا واجهت الولايات المتحدة بالفعل مزيجًا من أزمة في سوق السندات، وارتفاع في التضخم، وتباطؤ اقتصادي، فقد يندم ترامب وحزبه على تخليهم عن أجندة «أمريكا أولًا».
ديزموند لاكمان زميل بارز في معهد أمريكان إنتربرايز، ومسؤول سابق لإدارة تطوير السياسات بصندوق النقد الدولي.
خدمة بروجيكت سنديكيت