إيران مستعدة لحرب استنزاف طويلة
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
الاثنين / 19 / رمضان / 1447 هـ - 21:20 - الاثنين 9 مارس 2026 21:20
شنت إسرائيل غارة جوية ضخمة الأسبوع الماضي يُقال إنها مدعومة بتتبع استخباراتي أمريكي، ودمرت مجمعًا يضم المرشد الإيراني علي خامنئي والعديد من أقرب مساعديه. وكانت هذه الضربة بمثابة الشرارة الأولى في الحرب الأمريكية الإسرائيلية المرتقبة ضد إيران على الرغم من أن الأخيرة كانت قد قدمت للتو مقترحًا مهمًا خلال مفاوضات جنيف.
بينما قدمت إدارة ترامب هذا الهجوم كإجراء وقائي يبقى الهدف منه غامضًا؛ فقد أكدت الاستخبارات الأمريكية عدم وجود أي مؤشر على هجوم وشيك من إيران، وفي الواقع؛ هذه حرب أخرى من اختيار الولايات المتحدة.
وقدّم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تفسيرًا أورويليًا للضربة «الوقائية» سريعًا معترفًا ضمنيًا بأن بلاده زُجّت في الصراع من قبل إسرائيل. قال روبيو: إن الولايات المتحدة هاجمت إيران؛ لأنها كانت تعلم أن إسرائيل تخطط لذلك، وأن واشنطن لم تكن مستعدة لتحمل الرد الإيراني الحتمي على الولايات المتحدة.
لكن لماذا كان أعلى مرجع ديني وسياسي إيراني، والذي كان على قائمة أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، يقيم في مقر إقامته المعتاد في مثل هذه اللحظة الحرجة؟ أمرٌ يثير حيرة العديد من المراقبين.
بحسب مصادري؛ أعرب الزعيم المسن والمريض عن رغبته في عدم تغيير عاداته. يبدو إذن أن هذا كان خيارًا متعمدًا من خامنئي للاستشهاد إن كان هذا قدره مع أنه ليس من الواضح ما إذا كان مساعدوه الذين لقوا حتفهم معه قد اتخذوا الخيار نفسه. وبعد مرور أسبوع على الحرب من الخطورة بمكان تقييم نتائجها النهائية، لكن من الممكن إجراء بعض التحليلات الأولية. لم يكن بوسع إيران فعل أي شيء لتجنب هذه الحرب سوى الاستسلام الكامل لمطالب الولايات المتحدة وإسرائيل. لم تكن خطيئة إيران الأصلية برنامجها النووي العسكري المزعوم، وهو أمر تنفيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا صواريخها الباليستية ووكلاءها الإقليميين، بل إن الخطيئة الأصلية لطالما كانت رفض إيران التخلي عن القضية الفلسطينية.
يبدو أن المفاوضات التي جرت في الأسابيع الأخيرة كانت مجرد ستار للهجوم الوشيك، كما رأينا قبل حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي. لكن هذه المرة كانت القيادة الإيرانية على دراية تامة بهذا السلوك المخادع، وكانت مستعدة لصراع طويل ذي تداعيات إقليمية خطيرة.
أخبرتني مصادر موثوقة أن خامنئي كان يتوقع رحيله عن هذه الدنيا، واختار ثلاثة أسماء لرجال دين مؤهلين لخلافته -ويبدو أن ابنه مجتبى لم يكن من بينهم- ولا يزال مصيرهم مجهولاً. قامت إسرائيل والولايات المتحدة دون دخر جهد بتدمير مقر مجلس الخبراء المكلف بانتخاب مرشد أعلى جديد.
ومع ذلك؛ مهما كثرت مزاعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرنانة حول إمكانية إنهاء النظام الإيراني سريعاً فإن ما تبقى منه حال دون تحقيق هذا الهدف.
لقد أدى اغتيال خامنئي إلى محو جميع الخطوط الحمراء لإيران؛ فأي دولة إقليمية تستضيف قواعد عسكرية أمريكية تُعتبر الآن هدفًا مشروعًا، ويمثل هذا تحولًا جذريًا بالنسبة لأنظمة الحكم الملكية في الخليج. فقد انتهت استراتيجيتها السابقة المتمثلة في التزام الحياد مع استضافة قواعد أمريكية كانت تُستخدم لشن هجمات على إيران وتجنب غضب طهران.
أما بالنسبة لتغيير النظام في إيران فمن السهل الادعاء بذلك، لكن تحقيقه أصعب بكثير؛ فالأهداف الأمريكية الإسرائيلية غير واضحة ومتغيرة باستمرار بينما تبقى الأهداف الإيرانية ثابتة، وهي البقاء والصمود. وإذا استمر الملالي في حكم إيران مستقبلًا فلن تتمكن إسرائيل والولايات المتحدة من إعلان النصر مع أنهما قد تفعلان ذلك على أي حال كما حدث في غزة.
وبعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في يونيو الماضي أعلن كل من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو النصر الكامل. زعم نتنياهو أن الضربات دمرت البرامج النووية والصاروخية الباليستية الإيرانية قائلاً: «في اللحظة الحاسمة نهضنا كالأسد ووقفنا شامخين، وهزّ زئيرنا طهران».
علّق المعلق الإسرائيلي جدعون ليفي لاحقًا: «سرعان ما تبيّن أن زئير الأسد ليس إلا صرير فأر. أما «النصر التاريخي فقد دام كعمر فراشة».
تباهى ترامب بـ«القضاء» على البرنامج النووي الإيراني. لو كان الأمر كذلك فلماذا سارع مبعوثوه إلى مفاوضات فاشلة مرة أخرى بعد بضعة أشهر فقط؟ هل كان ذلك مجرد ستار دخاني كما ذُكر سابقًا؟
من الغريب إعلان النصر الكامل على إيران كل ثمانية أشهر. وبالمثل من غير المعقول أن يُعلن نتنياهو بهذه الوتيرة المتكررة القضاء على التهديدات الوجودية التي تواجه بلاده. عاجلاً أم آجلاً ستتضح المفاهيم المختلفة التي تحملها الولايات المتحدة وإسرائيل حول ما يستلزمه النصر على إيران. في واشنطن تغيرت أهداف الحرب بشكل متكرر لدرجة تحول دون أي تحليل ذي مغزى.
بينما لا يمثل «المعارضة» السياسية الداخلية مشكلة لنتنياهو يواجه ترامب وضعاً مختلفاً. يتزايد الاضطراب وخيبة الأمل والسخط داخل صفوف حركة ماغا، وقد تؤثر التداعيات الاقتصادية للحرب على أسعار الطاقة والتضخم وأسواق الأسهم سلباً على ترامب في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وقد تواجه إسرائيل يوماً ما رد فعل عنيفاً من واشنطن لجرّها إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط. في الوقت الراهن يكمن أفضل أمل لإنهاء الحرب سريعاً في استنزاف مخزونات الأسلحة.
يبقى من سينفد أولاً مجهولاً. هناك تقارير تفيد بأن إيران بدأت الآن باستخدام صواريخها فرط الصوتية، وقد يكون عددها ودقتها عاملاً حاسماً آخر.
ويبدو أن حسابات إيران مبنية على ندمها على قبولها وقف الصراع في يونيو الماضي، لتتعرض لهجوم جديد بعد ثمانية أشهر فقط. في هذا السياق، لا يبدو أن هناك مجالاً لوقف إطلاق النار.
لا ترغب الجمهورية الإسلامية في أن تُخدع مرة أخرى، ويبدو أن استراتيجيتها في حرب الاستنزاف ستؤدي على الأرجح إلى ارتفاع التكاليف الاقتصادية لهذه الحرب بشكل متزايد، وهو واقع لا يُطاق بالنسبة لشعوب العالم، في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز، وتوقف حركة الشحن في مضيق هرمز، وتقلبات حادة في أسواق الأسهم.
ومع ذلك؛ بدأت تظهر بالفعل أولى الآثار المأساوية الكوميدية للصراع. فقد أصدر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إعفاءً مؤقتاً يسمح لمصافي التكرير الهندية بشراء النفط الروسي؛ أي أنه خفف العقوبات المفروضة على روسيا. في الوقت نفسه قد تبدأ دول الخليج بمراجعة استثماراتها الخارجية في محاولة لتخفيف الضغط المالي الحالي، وهي خطوة قد تؤثر بشكل كبير على الولايات المتحدة بينما قد يؤثر نقص النفط والغاز بشكل كبير على إمدادات الطاقة لفصل الشتاء المقبل. من حسن حظنا جميعًا أن هذه الحرب اندلعت مع اقتراب نهاية فصل الشتاء الحالي. باختصار؛ تهدف إيران إلى إلحاق «الموت البطيء» بالدول الأخرى.
لم تعد هناك خطوط حمراء تحدد رد طهران بعد اغتيال خامنئي، بل هناك أيضًا استراتيجية محسوبة وبطيئة ودقيقة لاستغلال نقاط ضعف واشنطن وحلفائها؛ بهدف إحداث شرخ متبادل بينهم. من جهة أخرى اعتادت إيران وشعبها على الحرمان على مدى السنوات السبع والأربعين الماضية.
وكما لوحظ في مواقف مماثلة قد يكون الغرب هو من يراقب، لكن إيران تملك الوقت.
بالطبع؛ هذه لعبة محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة النتائج. ستتحسن فرص إيران إذا انضمت روسيا والصين إلى هذه الاستراتيجية. يبقى مدى استعدادهم ورغبتهم في ذلك غير واضح، وقد تُلقي زيارة ترامب المرتقبة إلى بكين في نهاية الشهر مزيدًا من الضوء على هذا الأمر.
لكن السؤال الحقيقي يبقى مطروحًا: هل يستطيع الشرق الأوسط - وبقية العالم - الاستمرار في تحمل هذا القدر من عدم الاستقرار الأمني والتقلبات الاقتصادية في هذه الأثناء؟
ماركو كارنيلوس دبلوماسي إيطالي سابق شغل منصب منسق عملية السلام في الشرق الأوسط، والمبعوث الخاص لسوريا لدى الحكومة الإيطالية حتى نوفمبر 2017، كان سفير إيطاليا لدى العراق
الترجمة عن موقع ميدل إيست آي