أمريكا اختارت الحرب وعليها اختيار كيفية إنهائها
ترجمة: قاسم مكي
الاثنين / 19 / رمضان / 1447 هـ - 21:18 - الاثنين 9 مارس 2026 21:18
الحروب غالبا نوعان؛ فهي إما ضرورية أو اختيارية. حروب الضرورة تتعلق بالمصالح الوطنية الأكثر حيوية وتتطلب استخدام القوة العسكرية بعد النظر في خيارات السياسات الأخرى (بما في ذلك عدم القيام بأي شيء) واعتبارها غير كافية. بالمقابل؛ الحروب الاختيارية تتعلق بمصالح أقل أهمية من ذلك، وتخاض على الرغم من إمكانية استخدام السياسات الأخرى (بما في ذلك الدبلوماسية والعقوبات والعمليات السرية والردع).
من بين حروب الضرورة ردُّ أوكرانيا على العدوان الروسي في عام 2022. أيضا كل من تدخّل الولايات المتحدة عقب غزو كوريا الشمالية لكوريا الجنوبية في عام 1950 وردُّ واشنطن على غزو العراق للكويت في عام 1990 كانا ضروريَّين. ويمكن تصنيف إطاحة طالبان في أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ضمن فئة حرب الضرورة؛ نظرا إلى احتمال سماح طالبان بخروج إرهاب في المستقبل من أفغانستان.
الحروب الاختيارية ليست خاطئة في حد ذاتها، لكنها تفرض ضغوطا قوية على القادة؛ لكي يُظهروا عمليًا النتائج التي تبرر قراراتهم والتكاليف الحتمية لها. حرب فيتنام وحرب أمريكا عام 2003 في العراق كانتا اختياريتين. وكذلك غزو روسيا لأوكرانيا. أما الحرب الحالية ضد طهران فحرب اختيارية «نموذجية».
كانت لدى أمريكا خيارات مجدية أخرى أهمها الدبلوماسية، خصوصا في غياب حجة مقنعة بوجود تهديد وشيك يستلزم التعامل معه عسكريا.
التباين حادُّ وينطوي على دلالة بين استعداد واشنطن الذي يوشك أن يكون غير محدود للتوصل إلى تسوية وتحلِّيها بالصبر حين يتعلق الأمر بإقناع روسيا بإنهاء عدوانها على أوكرانيا والتخلي عن مطالبها غير الواقعية وبين افتقارها إلى الصبر مع إيران في الفترة التي سبقت هذه الحرب.
إلى ذلك عرضُ أوكرانيا بالمساعدة «الدفاعية» ضد المسيرات الإيرانية وما قِيل عن تقديم روسيا معلومات استخبارية لإيران أمران ليس من شأنهما سوى جعل ازدواج المعايير أكثر سوءا (يقصد الكاتب بذلك أن واشنطن تتعامل بلطف مع روسيا التي ذكرت الأخبار أنها تقف إلى جانب إيران استخباراتيا وبخشونة مع أوكرانيا التي تزود أمريكا بالمسيرات الدفاعية - المترجم).
الجدل محتدم حول ما إذا كانت إدارة ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل على صواب في شن هذه الحرب عندما فعلتا ذلك. وهو سيستمر، بل يجب أن يستمر لفترة طويلة بعد أن تسكت المدافع، لكن السؤال الآن هو: متى وكيف يجب إنهاء هذه الحرب؟
حجة أمريكا لمواصلة الحرب هي تقليص المزيد من قدرات إيران العسكرية والمجيء بقيادة أقل راديكالية. المشكلة هي أن الجهود العسكرية تواجه واقعَ تراجعِ مردودِها وعرقلة ظهور قيادة (إيرانية) متماسكة وراغبة وقادرة على إنهاء القتال. فاحتمال أن يقود تغيير النظام في طهران إلى «إيران ديموقراطية» ضعيف.
في الأثناء تتزايد التكاليف للولايات المتحدة وللرئيس دونالد ترامب والتي تتمثل في الجنود القتلى والهجمات على بلدان المنطقة والنقص في الأنظمة الدفاعية وارتفاع تكاليف الطاقة والهبوط في أسواق الأسهم وتراجع نِسَب التأييد في استطلاعات الرأي العام. هذا إذا لم نذكر إضعاف قدرة واشنطن على التعامل مع التهديد الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادي والخطر الروسي على أوكرانيا وأوروبا.
يوم الجمعة دعا ترامب إلى استسلام غير مشروط من طهران، وأن يكون له دور في اختيار زعيمها القادم، لكن على الولايات المتحدة بدلا من ذلك التفكير بواقعية في شروط إنهاء الحرب بصرف النظر عن النتيجة السياسية المترتبة عنها في إيران.
للمفارقة؛ ربما سيتطلب القيام بذلك العودة إلى العديد من القضايا التي نظر فيها مسؤولو الولايات المتحدة ورفضوها قبل بداية الحرب مثل: ما هو حجم البرنامج النووي الإيراني التي هي على استعداد للسماح به؟ وما القيود (إذا كانت ثمة قيود) التي يجب فرضها على الصواريخ الباليستية الإيرانية ودعم الوكلاء وغير ذلك؟ وأيضا ما التخفيف من العقوبات الاقتصادية (إذا كان هنالك تخفيف) الذي ينبغي تقديمه كحافز؟
أولئك الذين يستخفّون بمثل هذه الأسئلة بحاجة إلى أن يضعوا في بالهم أن عواقب تجاهلها ستكون استمرارَ الحرب مع كل ما يمكن أن يترتب عنها.
على الولايات المتحدة أيضا أن تكون مستعدة للضغط على إسرائيل لوقف الحرب، وهذا شيء ربما ستقاومه. فهي تسعى وراء ما تعتقد أنها فرصة لحل «مشكلة إيران» إلى الأبد. ترامب في الواقع يحظى بشعبية جارفة في إسرائيل، ولا يملك نتنياهو أن يخسره في الشهور السابقة لانتخابات حاسمة هناك.
أخيرا سيكون لدى القادة الجدد في إيران (أيَّا كانوا) أيضا أسبابٌ لإنهاء الحرب والحفاظ على ما تبقى من قدرات عسكرية واقتصاد وتقوية السلطة السياسية وضمان سلامة البلاد، لكن ربما تتريَّث إيران إلى أن تطلب الولايات المتحدة السلام بأمل الحصول على صفقة أفضل.
وسيلزم الإيرانيين كذلك الإجابة على نفس الأسئلة، مَثَلهم في ذلك مثَل الولايات المتحدة، بخصوص سياساتهم الأمنية والعقوبات وإعلان ما سيحتاجونه للسماح للناقلات بالشروع في الإبحار دون قيد مرة أخرى عبر مضيق هرمز وبطريقة تعتبرها شركات التأمين آمنة. إذا بدا كل هذا مألوفا ينبغي أن يكون كذلك؛ ففي نهاية المطاف سيتوجب على كلا الطرفين العودة إلى القضايا التي قادت إلى الحرب في المقام الأول. والسؤال هو متى؟
يحتاج إشعال الحرب إلى طرف واحد فقط، لكن في هذه الحالة يحتاج إنهاؤها إلى موافقة ثلاثة أطراف.
ريتشارد هاس الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ومؤلف كتاب «حرب الضرورة وحرب الاختيار»
الترجمة عن الفاينانشال تايمز