روضة الصائم

سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

 

- ما قولكم في إمام كفيف يصلي بالناس وهو يستخدم جهاز برايل في قراءته في الصلاة، غير حافظ للآيات، ويستخدم جهاز برايل في التراويح؟
هذا فرع من مسألة شهيرة وهي مسألة أن يقرأ الإمام من المصحف، لكنه أشد منه؛ لأن القارئ من المصحف ينظر في صفحات كتاب الله عز وجل فيقرأ، أما هذا فإنه محتاج إلى أن يحرك أصابعه، ويقلب الصفحات؛ لأن المصحف بلغة برايل تكون مجلداته كبيرة جدًا. فالمجلد الواحد يكاد لا يشتمل إلا على جزء واحد؛ فهذا من باب أولى يمنع منه بالنسبة للكفيف أن يؤم الناس وهو يقرأ بالقرآن بلغة برايل، هذا يمنع منه.
أما أصل المسألة -وهي مسألة أن يقرأ الإمام من المصحف- فالأئمة مختلفون فيها: بين من يرى فساد الصلاة وهم الأحناف، وهو الذي يفهم أيضًا من فعل أصحابنا الإباضية، وبين من يرى الكراهة وهم المالكية، وشددوا أكثر في الفرض وقالوا بالكراهة في النفل أيضًا، وبين من يسوغ ويرى الجواز وهم الشافعية وكثير من الحنابلة، وعليه الفتوى عندهم اليوم.
إذا بحثنا في الأدلة فإننا لن نجد من كتاب الله عز وجل أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يشفع للقول بجواز القراءة من المصحف أثناء الصلاة، وإنما هناك بعض أفعال من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومنهم السيدة عائشة رضي الله عنها، فإن مولى لها اسمه ذكوان كان يؤمها يقرأ من المصحف في التراويح في القيام، فقالوا: لو لم يكن جائزًا لما فعلته السيدة عائشة. وروي من طريق الزهري قال: كان خيارنا يقرؤون من المصحف. فغاية ما يمكن أن يستند إليه هو فعل بعض الصحابة.
ولكن الله تبارك وتعالى أمرنا أن نقرأ من القرآن، قال: فاقرؤوا ما تيسر من القرآن، وذلك ينصرف إلى القراءة مما تحفظه القلوب، وهكذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهدي أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، هدي الخلفاء الراشدين والأئمة في زمانهم وفي تاريخ الإسلام.
ويضاف إلى ذلك أن القراءة من المصحف كالآخذ من الملقن؛ لأنه تلقين، فلو كان هناك ملقن يلقن الإمام لفسدت الصلاة، فهذا أيضًا من أدلة المانعين. ويضاف كذلك النظر في المآلات؛ فلو رخص للأئمة أن يقرؤوا من المصاحف لهجروا حفظ كتاب الله عز وجل، وقد حصل هذا للأسف في بعض المجتمعات التي كانت مشهورة بكثرة الحفاظ، فإذا بهم يتراخون عن الحفظ، وينتقلون إلى القراءة من المصحف في إمامتهم للناس في التراويح والقيام والتهجد، فهذا مآل ينبغي أن يسد، وأن تسد هذه الذريعة؛ حتى لا يهجر الناس الحفظ.
وقد يقال: إن ذلك رخص به زمن جائحة كورونا، كانت هناك رخصة مراعاة لأحوال الجائحة؛ لأن الناس كانوا يصلون في بيوتهم، وأرباب الأسر لا يحفظون القرآن، ويرغبون في تنويع القراءة لأهل البيت، فكانت رخصة توسعًا وأخذًا بأقوال المجيزين واستنادًا إلى الآثار المروية، أما وقد من الله عز وجل بارتفاع الجائحة فلا ينبغي التوسع في مثل هذه الرخص.
فنرجع فنقول: إن قراءة الكفيف بلغة برايل أشد من هذه المسألة؛ لأنها اشتغال أكثر، وفيها معالجة وانصراف وتتبع، ولذلك فغيره أولى بالإمامة، والله تعالى أعلم.
-سمعنا مقطعًا للشيخ كهلان عن زكاة الذهب اعتمادًا على عيار 24 كعيار الزكاة، والأحوط الأخذ بالشائع عندنا، وهو عيار 21، فهل من يأخذ بالأحوط يضرب 85 في قيمة عيار 21 لذلك اليوم؟
نعم، ولكن للبيان: لم يرد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمييز بين ذهب وذهب، ومن غير المتوقع أن يكون الذهب على عهده عليه الصلاة والسلام -وهو يُجلب من أماكن شتى- أن يكون على صفة واحدة ولون واحد ونقاء واحد وجودة واحدة، هذا بعيد، ومع ذلك لم يفرق الشارع بين ذهب وذهب، عده كله ذهبًا، وألزم فيه الزكاة بحسب الشروط المعروفة من بلوغ النصاب وتمام الملك وحولان الحول.
ثم بدأ يظهر من بعد ما يتعلق بمعايير الذهب أو عيارات الذهب، فإن كانت كاشفة عن نقاوة الذهب باختلاف أنواعه فإن الشرع دل على أن الزكاة إنما هي في الذهب، وليست في الشوائب التي تكون معه، فإن كانت هذه العيارات مبنية على تفاوت في النقاء، وأن يكون الذهب أكثر خلوصًا من الشوائب، فالزكاة فيما كان خالصًا من الشوائب، وأما الشوائب من معادن أخرى أو أتربة أو غير ذلك من مواد فإنه لا زكاة فيها.
فإذا وجدت الوسيلة لتبيّن هذا الأمر فلا يمكن أن يعترض أحد ويقول بأن نعامل الذهب معاملة واحدة، هذا سائغ، لكن مع تبين وانكشاف أن الذهب اليوم أنواع، وأن هذه الأنواع محددة معلومة وأسعارها متفاوتة نظرًا لجودة الذهب وخلوص مادة الذهب فيه، فإذا لهذه العيارات اعتبار.
فوجود ما هو أكمل وهو عيار 24 قيراطًا يدل على أنه الذهب الأنقى إلى الآن، لا نعرف إن كان سيكتشف ما هو أكثر نقاء منه أو لا. فالأصل إذًا أن تكون المعايرة به؛ بالذهب 24. ومع ذلك من عد ما عنده من ذهب عده ذهبًا وزكاه فلا حرج عليه، هذا أخذ بالأحوط، وهذا ما ندعو إليه في الغالب، والله تعالى أعلم.
-من يقرأ القرآن في نفسه دون تحريك شفتيه، ويمر بآية سجدة هل يسجد؟ وهل للجنب والحائض أن يراجعوا محفوظهم بهذه الطريقة؟
التكييف ليس بقراءة على الصحيح، وعلى هذا فلا تسري عليه أحكام القراءة، فلا يلزمه سجود التلاوة؛ لأنه لم يقرأ، وعلى هذا فلا تمنع منه الحائض ولا الجنب؛ لأنه ليس بقراءة، وإنما هو استذكار بالقلب. أما القراءة فهي تحريك اللسان والشفتين، فإن كانت جهرية فإخراج الصوت، وإن كانت سرية فالإسرار مع تحريك اللسان والشفتين؛ ولهذا قالوا: إن من أتى بالقراءة في صلاته تكييفًا لم يجزئه، بل لا بد أن يحرك لسانه وشفتيه.
وأما كيفية سجود التلاوة فإن الأصل أن يضع المصحف على مكان مرتفع إن كان يقرأ من مصحف، فإن كان على مرفع فليضعه عليه، أو يضعه على شيء مرتفع كعلبة مناديل أو كتب أو يسنده إلى الجدار. فإن لم يتأت له ما يرفع عليه المصحف فلا مانع من أن يضعه على الأرض ويسجد، وليس هذا بقاصد إهانة المصحف، وإنما لم يجد مكانًا آخر، أو يناوله لمن بجانبه إن وجد قارئًا أو ذاكرًا، ثم يسجد هو؛ لأن عليه أن يسجد على أعضائه السبعة: الوجه، والكفين، والركبتين، والقدمين؛ حتى تكون سجدته صحيحة، والله تعالى أعلم.