روضة الصائم

محبرة ابن جعفر

ذخائر المحبرة العمانية (20)

 

العلامة أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي، نسبة إلى إزكي حيث سكن. من أسرة عريقة في العلم والفقه، يذكر أن والده جعفر من رجال العلم، وكان أخوه سعيد بن جعفر من علماء القرن الثالث الهجري، وهو والد العلامة أبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر الأزكوي.
لا نعرف تحديدا تاريخ ولادته ولا وفاته، ويقدر الباحث فهد السعيدي سنة ولادته ما بين 210هـ و215هـ.، نشأ ابن جعفر في بلدته إزكي حتى عرف بالأزكوي، لكنه تنقل في أيام عمره إلى عدة مدن، كالبصرة وصحار ونزوى، فتتلمذ على مجموعة من علماء النصف الأول من القرن الثالث، ففي البصرة تتلمذ على يد الإمام أبي صفرة عبد الملك بن صفرة البصري العراقي، كما أدرك لفترة قصيرة شيخ المسلمين في زمانه أبا علي موسى بن علي الأزكوي (ت 231هـ)، وإن لم يأخذ عنه كثيرا، كما أخذ العلم على يد أبي مروان سليمان بن الحكم بن بشير النزوي (ت قبل 260هـ) الذي تولى الولاية والقضاء على صحار، أما أعظم أساتذته فهو أبو عبدالله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي (ت260هـ) شيخ المسلمين في زمانه، ومن أساتذته أبو زياد الوضاح بن عقبة (حي 237هـ).
عمل ابن جعفر قاضيا، فعيّن قاضيا على صحار في زمن الإمام الصلت بن مالك. والمشهور في كتب التاريخ أن ابن جعفر كان أصمَّ، ويرى بعض الباحثين أن الصمم أصابه بعدما كبر في السن، غير أن ذلك لم يمنعه من الوصول إلى مكانة علمية سامقة بين علماء زمانه، فكان واحدا من الثلاثة الذين يشار إليهم بالبنان في عصرهم، يقول الإمام أبو سعيد الكدمي: 'لا نعلم أن أحدا من أهل عمان في ذلك الزمان، كان تقدم في العلم أبا جابر محمد بن جعفر وأبا عبدالله نبهان بن عثمان وأبا المؤثر.' 'وكان هؤلاء الثلاثة من عمان يضرب بهم المثل أن أمور أهل عمان، رجعت في ذلك العصر إلى أصم وأعرج وأعمى، وكان أبو جابر محمد بن جعفر فيما قيل أنه أصم، وكان أبو عبدالله نبهان بن عثمان أعرج، وكان أبو المؤثر الصلت بن خميس أعمى.' ووصف بأنه إمام المسلمين.
وعاصر ابن جعفر أحداث عمان الكبرى في نهاية القرن الثالث، حيث وقعت فتنة عزل الإمام الصلت بن مالك التي شقت صف الإمامة وأحدثت حروبا دامية في عمان. حين قام قاضي المسلمين وصاحب الحل والعقد موسى بن موسى بن علي الأزكوي بعزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي في عام 272هـ ومبايعة راشد بن النضر، ثم عزله وتولية الإمام عزان بن تميم الخروصي عام 277هـ . وهذه الأحداث أدت إلى وقوع حروب داخلية سفكت فيها الدماء وأثارت الأحقاد في القلوب، مما حدا بالفريق الخاسر المنكوب بأن يستعين بالدولة العباسية في عام 280هـ، لتقع عمان تحت سيطرة القائد العباسي محمد بن ثور، الذي عاث فسادا في البلاد والعباد، فظلت عمان تحت سيطرة بني العباس تحت إمارة بني سامة (282هـ - 317هـ) وتكلم ابن جعفر في جامعه عن كيفية التعامل مع الجبابرة حيث يقول: 'وقد نظرنا فيما يبتلى به الناس من جور الجبابرة ...' إلا أننا نجد ابن جعفر يتخذ موقفا بعيدا عن التشنج العاطفي، فلم يؤثر عنه مشاركة فاعلة في الأحداث، كما تبنى 'مواقف معتدلة في مقاتلة الخارجين على الإمام' فكان يتولى موسى بن موسى والإمام راشد بن النظر، وهو ما جعل العلامة أبو المؤثر يوجه له رسالة حادة يعيب عليه موقفه هذا ويراه تخاذلا عن نصرة الحق وأهله.
تتلمذ على يد ابن جعفر العديد من الطلاب النجباء، منهم ابنه -أبو علي الأزهر بن محمد بن جعفر الذي ترك سيرة تمثّل نصيحة لأهل الدين حول فتنة عزل الإمام الصلت بن مالك، وله أجوبة منثورة في كتب الأثر. ومنهم العلامة أبو الحواري محمد بن الحواري الذي ترك عدة آثار منها جامع أبي الحواري وجوابات عديدة وتفسير خمسمائة آية في الحلال والحرام، وتعليقات كثيرة جدا على جامع ابن جعفر.
ذهب العلامة البطاشي إلى أن وفاة ابن جعفر كانت في أواخر القرن الثالث الهجري إلى أوائل القرن الرابع وربما تكون ما بين 290هـ -300 هـ.
(2)
ترك ابن جعفر كتابات رائدة، منها بل أهمها كتابه 'الجامع' بالإضافة إلى عدة قطع نظمية في مسائل فقهية مختلفة منها أبيات في الحج والإحرام توجد في الجامع منها قوله:
وَفِي عَرَفَاتٍ يَرْحَمُ اللهُ تَائِبًا// يقَرّ بِفُحْشٍ مِنْ عَظِيمِ الْمَحَارِمِ
فَإنْ كُنْتَ فِي الْأَحْيَاء عِنْدَ غُرُوبِهَا// فَعُجَّ بِإِلْحَاحٍ عَلَى ذِي المكارِمِ
ومنها أبيات في ضحايا الإبل أبيات في ضحايا البقر، وأبيات في حكم سؤر الأنعام، وأخرى في ضحايا الغنم، وأبيات فيمن تجوز وصيته ولا تجوز له، غيرها في المرض وأبيات فيما يجوز للمرأة أن تأخذ من صداقها الآجل، وأبيات في غير الكفء من الرجال وفيما يرد من النساء.
غير أن جامع ابن جعفر هو أهم آثاره، وبه اكتسب شهرة واسعة بين العلماء الذين جاؤوا من بعده، وهو من مؤلفات القرن الهجري الثالث القليلة النادرة التي وصلتنا كاملة تقريبا، ومخطوطات الجامع التي وصلتنا تقسم الجامع إلى ثلاث قطع: جامع الأديان وجامع الأحكام وجامع الدماء، ويشمل جامع الأديان على 75 بابا تشمل أبواب العلم والولاية والبراءة والطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والأيمان والنذور والاعتكاف. ويشمل جامع الأحكام على 75 بابا تشمل أبواب الشهادة والطرق والضمان ومال اليتيم وقضاء الصدقات والوكالة والتجارة والبيوع والسرقة والغصب والزواج والطلاق. ويشمل جامع الدماء على 41 بابا تشمل أبواب الديات والحدود والمحاربة وغيرها من الأبواب.
لم يذكر ابن جعفر طريقة ترتيبه لجامعه في مقدمته، ولم يذكر له اسما معينا، وأول من أشار إليه بها أي (الجامع) هو ابن بركة في كتابه الجامع. لكن ابن جعفر أوضح طريقته في تأليف الكتاب بعدما انتهى من باب الحج بقوله: 'كل ما في هذا الكتاب منه ما رأيته، ومنه ما حفظته، ومنه ما استحسنته من رأي أصحابنا وغيرهم، فكتبته، وقد أعجبني كل ما فيه.' فهو يجمع ويسرد آراء العلماء التي حفظها عنهم وأغلبهم من أساتذته وشيوخه أو آراء استحسنها من علماء آخرين فيدونها ويرتبها. وكان لهذه الطريقة فائدة عظيمة حيث إنها حفظت أقوال العلماء الأوائل وبما سيعرف لاحقا بكتب الأثر، إلا أن هذه الطريقة في سرد الآراء يعيبها عدم الاهتمام بإيراد الأدلة لكل قول، وتغيب فيها شخصية المؤلف في أحايين كثيرة. لكن ابن جعفر لم يقتصر على جمع الآثار بل اجتهد وأعمل القياس في بعضها يقول: 'وقد نظرنا في هذه الآثار وغيرها، وقسنا على ذلك مما رأينا، وكتبناه له، في هذا الكتاب.'
كما تميز منهج ابن جعفر في جامعه بالثبات في غالب الأبواب، فيبتدئ بمقدمة تتميز بجودة السبك وسهولة العبارة تكون ذات صلة بالباب وممهدة له، وكأن كل باب كتاب منفصل عن غيره، وهذه المقدمة تحتوي في بعض الأحيان على الآيات والأحاديث ذات الصلة بالباب، ثم يبدأ في عرض المسائل بالتفصيل. ويعتمد التأصيل الفقهي عند ابن جعفر على القرآن الكريم، والسنة النبوية على قلة الأحاديث التي استشهد بها. وابن جعفر لديه اهتمام كبير في ذكر أسباب النزول وتفسير الآيات التي يذكرها. كما يتميز أسلوبه 'بسلاسته، وحسن أسلوبه، ووضوح عبارته، وعدم التعقيد والتكرار فيه' ولا ريب في ذلك فابن جعفر أديب شاعر ينساب قلمه بالكلمات انسياب الشعر من قريحته.
ويمثل منهج ابن جعفر تطورا في التأليف الفقهي في القرن الهجري الثالث، فيصور حقيقة التأليف في المرحلة الانتقالية بين فقه تابعي التابعين والمرحلة اللاحقة التي تأسست فيها المدارس الفقهية والمذاهب الاجتهادية' فلا غرو أن توجد منه أكثر من 90 مخطوطة، مما يدل على شهرة الكتاب واهتمام الناس به. وهو أحد الكتب المعتمدة في القضاء والإفتاء في عمان.