العرب والعالم

مجتبى خامنئي.. استمرارية أم تحول؟!

 

'عمان': اختار مجلس خبراء القيادة في إيران مجتبى خامنئي، نجل آية الله علي خامنئي، لخلافة والده الراحل في منصب الزعيم الأعلى. ولم يكن الحدث من جميع جوانبه استجابة إجرائية عاجلة لفراغ مفاجئ في قمة النظام. ما جرى كان، في جوهره، قرارا سياسيا هدفه الأول تثبيت تماسك الدولة في لحظة بالغة الاضطراب. ويبدو أن مجلس خبراء القيادة اتجه إلى تقليل مساحة المفاجآت، وفضّل خيارًا يضمن استمرار القرار وتماسك الأجهزة. ومن هذه الزاوية فإن صعود مجتبى خامنئي قد يبدو أقل تعبيرا عن بداية مرحلة جديدة، وأكثر تعبيرا عن رغبة النظام في حماية نفسه من صدمة التحول السريع في لحظة شديدة الخطورة على إيران.
وهذا المعنى ضروري لفهم شخصية الرجل وموقعه الحقيقي. فمجتبى خامنئي لا يدخل المشهد من باب الزعامة الجماهيرية، ولا من باب الحضور العلني الطويل، ولا من باب التاريخ التنفيذي المعروف داخل مؤسسات الدولة. صورته، كما ترسمها معظم القراءات الجادة، هي صورة شخصية تشكل نفوذها داخل الدائرة الأقرب إلى مركز القرار. رجل صعد من داخل مكتب المرشد، لا من المنابر العامة. وهذا النوع من الصعود يمنح صاحبه معرفة دقيقة ببنية السلطة، لكنه يضعه، في الوقت نفسه، أمام اختبار معقد في كيفية تحويل النفوذ غير المرئي إلى قيادة معترف بها على مستوى الدولة والمجتمع والمؤسسة الدينية معا؟
تأتي أهمية هذا السؤال من أن القوة في إيران لا تُقاس بمنصب واحد، حتى لو كان منصب المرشد. القوة هناك حصيلة توازن دقيق بين الشرعية الدينية، والقبول داخل النخبة السياسية، والقدرة على ضبط الأجهزة، والعلاقة بالحرس الثوري، وحجم النفوذ داخل الاقتصاد الموازي للدولة. وحين يُقرأ صعود مجتبى خامنئي من هذه الزاوية، يتضح أن مصدر قوته الرئيسي لا يكمن في الكاريزما ولا في رصيد شعبي ظاهر، بل في قربه البنيوي من مراكز القرار الصلبة. كان المرشد الجديد، لسنوات، قريبا من الآلية التي تُدار عبرها الدولة الإيرانية في مستوياتها العليا. وهذا قرب يمنحه أفضلية كبيرة في لحظة الانتقال، لأنه لا يحتاج إلى وقت طويل لفهم المؤسسة أو التعرف إلى مفاتيحها.
لكن هذه القوة نفسها تحمل في داخلها مصدر تحد لا يمكن تجاهله. فحين يصعد شخص من داخل الدائرة المغلقة، يكون عليه أن يثبت أنه ليس مجرد امتداد إداري لما قبله، بل صاحب قدرة مستقلة على الحكم. وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه مجتبى خامنئي. إن وصوله السريع إلى قمة النظام قد يضمن للدولة استمرارية فورية، لكنه لا يحسم تلقائيا مسألة الشرعية الأوسع. فإيران لا تُدار بمنطق المؤسسة الأمنية وحدها، إنما بتوازن معقد بين الشرعية الدينية، والرمزية الثورية، ومراكز القوة داخل الدولة. وأي قائد جديد لا بد أن يثبت نفسه داخل هذه الطبقات كلها، لا داخل طبقة واحدة فقط.
من هنا يظهر البعد الأكثر حساسية والمتمثل في العلاقة بالحرس الثوري. وليس من السهل فهم مجتبى خامنئي خارج هذا السياق. فالمؤسسة العسكرية ـ الأمنية في إيران ليست جهازا تابعا للدولة فحسب، بل فاعل مركزي في بنية الحكم، له نفوذ في القرار، والاقتصاد، والسياسة الخارجية، والأمن الداخلي. والقراءات المتداولة عن مجتبى تكاد تتفق على أن صلته بهذه المؤسسة ليست طارئة، بل قديمة وعميقة. وهذا يمنحه سندا قويا في لحظة صعوده، لأن الحرس الثوري هو الجهة الأكثر قدرة على ضمان التماسك والردع والضبط في ظرف استثنائي.
غير أن هذه العلاقة لا تُقرأ على نحو مبسط. فالقرب من الحرس الثوري لا يعني بالضرورة السيطرة عليه. كما أن الدعم الذي يوفره الحرس لا يعني أن المرشد الجديد سيكون مجرد واجهة شكلية. العلاقة الأرجح هي علاقة اعتماد متبادل. مجتبى يحتاج إلى الحرس الثوري كي يرسخ مكانته ويعيد ضبط الأمور التي تفرضها الحرب وتداعياتها، والحرس يحتاج إلى مرشد يمنحه غطاء الاستمرارية الدستورية. المسألة، إذن، ليست صراعا مباشرا بين طرفين منفصلين، بل تفاوض دائم داخل بنية واحدة. والسؤال الآن ليس في من سيلغي من؟ إنما في من سيحدد اتجاه الآخر مع مرور الوقت؟
في المدى القريب، يبدو أن الكفة تميل لمصلحة الحرس الثوري من حيث النفوذ الميداني وقدرة الفعل السريع. أما مجتبى خامنئي، فسيحتاج إلى وقت ليبني مركز ثقل خاصا به داخل المنظومة. وهذا أمر طبيعي في أي انتقال من هذا النوع. فالسلطة الرسمية تُمنح بقرار، لكن السلطة الفعلية تُبنى بالتجربة، وبإدارة الأزمات، وبخلق ولاءات مستقرة داخل مؤسسات الدولة. لذلك يمكن القول إن موقعه في بداية العهد سيكون قويا من حيث الصفة، لكنه ما زال في طور التكوين من حيث الاستقلال السياسي الكامل.
أما في ما يتعلق بالحرب الجارية، فإن أكثر ما يُتوقع من مجتبى خامنئي هو الاستمرار في منطق الصلابة لا الانتقال إلى منطق التسوية السريعة. وشخصية المرشد الجديد تدفع نحو ذلك إضافة إلى أن السياق كله يدفعه نحو ذلك. فالقائد الذي يصل في لحظة حرب، وتحت ضغط خارجي كثيف، وفي ظل تعبئة وطنية وأمنية عالية، يجد نفسه محكوما بمعادلة مختلفة عن معادلة أوقات الاستقرار. المرونة في مثل هذه اللحظات قد تُفسر ضعفا داخل المؤسسة، والتراجع قد يُقرأ على أنه تهديد لتماسك الدولة. لهذا فإن السلوك المتوقع في المرحلة الأولى من عهده سيكون أقرب إلى تثبيت الردع، وتشديد الانضباط الداخلي، والحفاظ على تماسك النخبة الحاكمة، أكثر مما سيكون بحثا عن انعطافة كبرى.
لكن هذا لا يعني أن إيران في عهده ستكون جامدة. التغيير المرجح، إن حدث، قد لا يكون في الاتجاه الذي يتوقعه الخارج عادة، أي في اتجاه الانفتاح السياسي أو إعادة التوازن مع الغرب. التغيير الأرجح قد يكون داخل بنية الحكم نفسها: مزيد من الحضور للأجهزة، ومزيد من الأمننة في إدارة الدولة، وربما تراجع نسبي في التوازن التقليدي بين المؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية لصالح صيغة أكثر اندماجا بينهما. وإذا حدث ذلك، فلن يكون مجتبى خامنئي صانع هذا التحول وحده، بل أحد تعبيراته الرئيسية.
ثمة سؤال مهم أيضا، هل يملك الرجل مشروعا خاصا لإيران، أم أنه عنوان لاستمرار مشروع قائم؟ حتى الآن لا توجد مؤشرات كافية تسمح بالجزم بوجود مشروع مختلف بالمعنى الفكري أو السياسي الواسع. المتاح يوحي بأن أولويته ستكون الحفاظ على كيان الدولة، وحماية بنيتها من التفكك، وتأكيد قدرة النظام على البقاء خلال الحرب وبعدها. وهذا بحد ذاته مشروع سياسي مهم جدا، لكنه مشروع دفاعي أكثر منه مشروع تأسيس. إنه مشروع بقاء، لا مشروع تحول.
ومع ذلك، لا ينبغي الوقوع في قراءة اختزالية تجعل منه مجرد نسخة طبق الأصل من والده. الشخصيات التي تصل إلى السلطة في ظروف استثنائية تتغير غالبا بفعل الموقع نفسه. المنصب يعيد تشكيل صاحبه، كما تعيد الأزمة تشكيل خياراته. لذلك فالأكثر دقة هو القول إن مجتبى خامنئي يدخل المنصب حاملا ميراثا ثقيلا، لكنه لم يحدد بعد بصورة نهائية كيف سيستخدمه. سيحتاج إلى أن يثبت للمؤسسة الدينية أنه أهل للمنصب. وسيحتاج إلى أن يثبت للأجهزة أنه قادر على القيادة لا على الوراثة فقط. وسيحتاج إلى أن يثبت للمجتمع الإيراني أن الدولة ما زالت قادرة على العمل والاستمرار رغم الصدمات.
المعضلة التي سترافقه منذ البداية هي أن عناصر قوته نفسها قد تتحول إلى عناصر ضغط عليه. قربه من الحلقة الصلبة يمنحه سلطة، لكنه يحمّله توقعات عالية. دعمه من مؤسسات القوة يؤمّن له الاستقرار، لكنه يحد من هامش المناورة. صعوده السريع يثبت تماسك النظام، لكنه يضاعف التدقيق في قدرته على اتخاذ القرار المستقل. وهذه معضلة لا تُحسم إلا بالأداء السياسي الفعلي خلال الشهور والسنوات الأولى.
لا يبدو مجتبى خامنئي، وفق المعطيات الأولى، رجل قطيعة، بل رجل استمرارية. ولا يبدو صعوده إعلانا عن إيران جديدة، بل محاولة لحماية إيران الرسمية من لحظة اهتزاز كبرى. وما يُنتظر منه في المدى المنظور هو تثبيت الدولة والحفاظ على الصلابة، لا إعادة صياغة العقد السياسي الإيراني من أساسه.