أعط لتكسب
الاحد / 18 / رمضان / 1447 هـ - 21:50 - الاحد 8 مارس 2026 21:50
يأتي شعار يوم المرأة العالمي هذا العام بعنوان (أعطِ لتكسب) ليعيد للعطاء قيمته ومعناه الحقيقي القائم على العطاء دون توقعات؛ عطاء من أجل ترك أثر، وبناء مجتمعات، وتأسيس أجيال قوية متعافية، واقتصاد قوي ومتفاعل، وشخصية متزنة في زمنٍ يدعو إلى الفردانية، ويركّز على النجاح الشخصي.
نحن نعيش اليوم في عالم يُقاس فيه النجاح غالبًا بما نحصّله لأنفسنا من مناصب، وألقاب، وأرقام تضاف إلى سيرنا الذاتية وأرصدتنا المصرفية. لكن التجربة الإنسانية تثبت كل يوم أن ما يبقى فعلًا ليس ما جمعناه، بل ما منحناه. فالعطاء ليس فعلًا هامشيًا، بل هو فعل بناء يعيد تشكيل البيوت والمجتمعات والاقتصادات من الداخل.
ذلك أنه حين تعطي المرأة من وقتها، أو علمها، أو خبرتها، فهي لا تُنقص من رصيدها، بل توسّعه. فالمعرفة حين تُشارك تتوسع وتترسخ، والدعم حين يُمنح يعود شبكة أمان غير مرئية تشمل الجميع. فامرأة تساند أخرى في بداية طريقها قد لا تدرك أنها بذلك تختصر عليها سنوات من التردد، وتمنحها شجاعة اتخاذ قرار كان مؤجلًا. هكذا تُبنى المجتمعات؛ بفعل صغير صادق يتكرر بهدوء.
والعطاء هنا لا يُقصد به التضحية الصامتة أو الاستنزاف المستمر، بل العطاء الواعي الذي ينطلق من وفرة داخلية؛ أن تعطي لأنك تؤمن بالأثر، لا لأنك تشعر بالذنب. أن تمنحي وأنت متزنة، لا وأنت منهكة. فالشخصية المتعافية هي التي تعرف متى تعطي، وكيف تعطي، ولمن تعطي دون أن تفقد نفسها في الطريق.
وعلى نطاق وطني لا يمكن الحديث عن اقتصاد قوي ومتفاعل دون الحديث عن تمكين المرأة ودعمها، لا بوصفه ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة تنموية. كل فرصة تُمنح لامرأة، وكل مشروع يُدعم، وكل صوت يُسمع، هو استثمار في دورة حياة كاملة تمتد آثارها إلى الأسرة والسوق والمجتمع، وهذا أحد أهم الأعمدة التي قامت عليها «رؤية عمان 2040» بوضع المرأة في قلب الرؤية.
-أعطِ لتكسب- ليست معادلة تجارية بقدر ما هي معادلة إنسانية عميقة. تكسب احترامك لنفسك حين تمنح بصدق، وتكسب شبكة علاقات تقوم على الثقة لا المصلحة، وتكسب أثرًا يبقى حتى بعد أن تتلاشى التفاصيل. فبالعطاء نصنع المعنى، وبالمعنى يتحقق الربح الحقيقي؛ ربح يمتد إلى ما هو أبعد من الفرد إلى مجتمع أكثر توازنًا وإنسانية.
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية