نص في وحدات المسافة من القرن السابع الهجري
الاحد / 18 / رمضان / 1447 هـ - 20:07 - الاحد 8 مارس 2026 20:07
محمد بن عامر العيسري -
يقتضي الاشتغال بالفقه في كثير من المسائل المعرفة والدراية في مباحث من علوم أخرى تطبيقية وبحتة كالفلك والجغرافيا والرياضيات، وإنسانية كاللغة والأدب والاجتماع. ونمثّل لحاجة الفقيه إلى الرياضيات مثلًا بمسائل الزكاة والمواريث، وإلى الفلك بقياس ومعرفة مواقيت العبادات والشعائر، وإلى الجغرافيا لمعرفة حدّ السفر من كل بلد، وغير ذلك من المسائل. وقد استوقفني نص منقول عن الفقيه أبي محمد عثمان بن أبي عبدالله الأصم النزوي (ت: 631هـ)، جاء معنونًا بـ«فصل في الفراسخ والأميال»، وفيه تعريف بجملة من وحدات قياس المسافة المستعملة في العصور الماضية، يتصدّرها «الفرسخ» و«الميل» كما هو عنوان الفصل المنقول، ونصه:
«فصل في الفراسخ والأميال. من بعض الكتب مما وُجِد بخط شيخ الإباضية، والعصابة المرضيّة، أبي محمد عثمان بن أبي عبدالله الأصم -رحمه الله- قال: إن الجون المشرق [كذا] فرسخان، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلث فرسخ، والميل أربعة آلاف ذراع، وكل فرسخ اثني عشر ألف ذراع بذراع الملك الذي هو ثلاثة أشبار، والخطوة ذراع بهذا الذراع، والبريد اثنا عشر ميلًا، والبرق [كذا] ستة أميال، والغلوة خمسمائة ذراع، والفرسخ أربعة وعشرون غلوة، وذراع الدهقان وذراع الملك وذراع الشاه كل هذه الثلاثة واحد وهي ثلاثة أشبار، ستة وثلاثون أصبعًا، كل أصبع ست شعيرات مضمومة إلى بعضها. انقضى ما وجدته، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وصحبه وسلم».
وبالرجوع إلى مفردات النص، نجد أن أول وحدات قياس المسافة: «الجون المشرق» كذا رُسِمت العبارة، ولم أتبيّن اشتقاق «الجون» إذ لم أجده في المعاجم بهذا المعنى، وهل صواب الكلمة الثانية «المشرقي»؟ غير أن أبي محمد عثمان بن عبدالله عرّفه بأنه يساوي فرسخين. أما إذا أردنا ترتيب الوحدات حسب المسافة من الأعلى إلى الأدنى فهي على النحو التالي: البريد يساوي 12 ميلًا، والبرق نصف البريد أي 6 أميال، والجون كذلك فرسخان أي 6 أميال، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل 4000 ذراع، والغلوة 500 ذراع، والذراع 3 أشبار = 36 أصبعًا، والشبر 12 أصبعًا، والأصبع 6 شعيرات، والشعيرة هي أصغر وحدة.
ونجد أن ما ورد في النص من تعريفات وقياسات يطابق بعضه ما نجده عند الجغرافيين المسلمين مثل أبي الريحان البيروني (ت: 440هـ) في كتاب (القانون المسعودي)، والخوارزمي (ت: 387هـ) في (مفاتيح العلوم)، وابن خرداذبة (ت: 280هـ) في (المسالك والممالك)، وياقوت الحموي (ت: 626هـ) في (معجم البلدان). فقد قال أبو الريحان: «الفرسخ ثلاثة أميال»، وقال الخوارزمي: «الفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع»، وقال ابن خرداذبة: «الميل أربعة آلاف ذراع»، وقال ياقوت الحموي: «البريد أربعة فراسخ». وبما أن الفرسخ ثلاثة أميال، فإن أربعة فراسخ تساوي 12 ميلًا، وهو مطابق لما ورد في النص.
وفي النص شيء من المُعرَّب أو الدخيل، فأصل كلمة فرسخ فارسي (فرسنگ) فيما قيل. وفي قوله: «ذراع الدهقان، وذراع الملك، وذراع الشاه» مسحة فارسية إذا علمنا أن الدهقان والشاه مفردات فارسية. قال الزبيدي في تاج العروس: «الدّهقان من عظماء العجم، وهو صاحب الأرض والقرية، وكانوا أهل خراج في بلاد فارس»، ومعلوم أيضًا أن الشاه لفظ معرّب من الفارسية (شاه)، ومعناه الملك أو السلطان.