أعمدة

«الحرب المؤجلة منذ عام 1979»

هذه أطول حرب مؤجلة عرفناها وكبرنا في ظلال وعيدها والتلويح بها بين وقت وآخر، وها قد بدأت. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وتشكل الملامح الأولى لنظامها السياسي؛ بدا واضحًا أن هذا البلد موعود بمواجهة حتمية مع التصور الغربي للمنطقة بصورة عامة، ولإيران على وجه الخصوص، والتي تحولت من إيران الشاه الحليف الأقرب لإسرائيل والغرب في المنطقة إلى إيران الثورة العدو اللدود لأمريكا وربيبتها إسرائيل. وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود ونصف نشأت أجيال كاملة من العرب والإيرانيين على ضفتي الخليج وهي تعيش في ظلال حرب منتظرة وصفت في كثير من الأحيان بأنها مسرحية سياسية؛ لفرط المماطلة في حسمها.

وطيلة عقود من الانتظار خلقت هذه الحرب المؤجلة استقطاباتها التي شكلت جانبًا مهما من انحيازاتنا السياسية وتصوراتنا عن العالم والصراع بين جنوبه وشماله. وهذه ساعة إدراك تؤكد أن ما عاشته المنطقة لسنوات من حروب فرعية وحروب بالوكالة كانت في الواقع جزءًا من مناخ حرب باردة، وقد ارتفعت حرارتها اليوم إلى مستوى المواجهة المباشرة التي تفتح فصلًا جديدًا سيكون عنوانه «حرب الخليج الثالثة».

ها قد بدأت الحرب المؤجلة التي بقيت منذ التسعينيات حلمًا شخصيًا لدى بنيامين نتنياهو، وبسابقة طال انتظارها منذ تأسيس الكيان المحتل، لتكون أول حربٍ يخوضها الإسرائيليون والأمريكيون جنبًا إلى جنب. وكم يفاجئنا «عالمنا المعقلن» الذي تخيلناه لسنين بانفعالاته غير المعقلنة، والتي تذكرنا بأن التاريخ يتصرف في كثير من الأحيان بسلوك شخصي، فيعكس القلق والطموحات والنرجسيات المضطربة لعدد قليل من الأشخاص الذين يجتمعون في غرف مغلقة يقررون فيها مصير شعوب بأكملها.

حرب جديدة أخرى تقودها الولايات المتحدة تحت شعارات «تحضير العالم الثالث»، وتقديم الدروس الخصوصية في الحرية والديمقراطية. ويندهش المرء كيف أن هذا الخطاب البالي والمزيف ما زال صالحًا لتبرير سلسلة واسعة من التدخلات السياسية والعسكرية والعقوبات الاقتصادية ضد بلدان الجنوب العالمي.

ولكن كيف تسهم الولايات المتحدة بسياساتها العقابية ضد دول بعينها في دفع أنظمتها إلى الاستبداد واللجوء إلى الخيارات الأمنية تمهيدًا لتحويلها إلى دول فاشلة؟ في دراسة عن العقوبات الغربية على إيران يشير محمد رضا فرزانيغان ونادر حبيبي الباحثان المختصان في اقتصاد الشرق الأوسط إلى أن الثورة عام 1979 واصلت توسيع صفوف الطبقة الوسطى التي ازدهرت خلال قرن كامل منذ عهد السلالة البهلوية مستفيدة من عائدات النفط. ورغم الأزمات التي واجهتها الثورة بدءًا بالحرب العراقية الإيرانية، إلا أنها «انتشلَت من الفقر ملايين العائلات التي كانت على هامش المجتمع، وأدخلتها إلى عالم جديد من التعليم والفرص». وهي الطبقة ذاتها التي اعتمد عليها محمد خاتمي في حركته الإصلاحية أواخر التسعينيات. غير أن العقوبات الغربية بقيادة الولايات المتحدة قوضت هذه الطبقة تدريجيًا، وأنهكتها إلى مستوى العجز حتى عن المبادرة السياسية.

ما حدث في إيران يُذكر بالعراق خلال تسعينيات القرن الماضي؛ حيث عاش العراقيون وماتوا تحت أقسى العقوبات الاقتصادية في التاريخ الحديث، والتي أدت إلى انهيار مديد في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع العراقي، وما زالت آثاره مستمرةً حتى اليوم. وفي ليبيا -كما في سوريا مع «قانون قيصر»- عمَّقت الضغوط الدولية والعزلة السياسية الأزمات الداخلية، ودفعت الأنظمة إلى الاعتماد أكثر على الأساليب الأمنية من أجل البقاء، وتعزيز نزعتها السلطوية.

بما لا يدع مجالًا للشك والمراء تثبتُ تجاربنا في المنطقة أن الحريات لا يمكن لها أن تزدهر في بلدٍ مكبوت تحت الحاصر، ويعيش في ظل اقتصاد حرب. فلطالما أدت السياسات العقابية المفروضة على سبيل الضغط من أجل الإصلاح السياسي إلى نتائج معاكسة تمامًا. فالعقوبات الاقتصادية الشاملة بدل أن تضعف الأنظمة السياسية المستهدفة أدت دائمًا إلى إضعاف المجتمعات نفسها، وإلى تدمير القاعدة الاجتماعية التي يمكن أن تشكل رافعة للإصلاح. المثال الإيراني يقدم صورة واضحة بعد عقود من العقوبات الاقتصادية القاسية التي أدت إلى تراجع مستويات المعيشة، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة. والضحية الأكبر لهذه السياسات لم يكن النظام المستهدف بقدر ما كانت الطبقة الوسطى التي تمثل مغذيًا أساسيًا للتغيير الاجتماعي والسياسي في أي بلد. فهي الفئة التي تمتلك التعليم والموارد، والقدرة على تنظيم نفسها، والمطالبة بالإصلاحات. وعندما تتعرض هذه الطبقة للانكماش أو الانهيار تحت وطأة الأزمات الاقتصادية فإن المجال العام يضيق معها، وتترك المجتمع أكثر هشاشة حتى في مواجهة سؤال الهوية وتعريف نفسه.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني