رأي عُمان

وهم إعادة تشكيل الشرق الأوسط

 

تبدأ الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط بوعد إعادة ترتيب المنطقة وتخليصها من مصدر الفوضى... وتنتهي بتعميق مآسيها وتأخيرها قرونا عن ركب التقدم. اليوم تُقدَّم إيران بوصفها ذلك المصدر، وتُبنى الحرب حول فرضية بسيطة، إذا أُضعفت طهران أو سقط نظامها، فسيفتح ذلك الطريق لشرق أوسط أكثر استقرارا.

لكن هذه الفكرة لم تثبت صحتها بعد إسقاط صدام حسين وغزو العراق ولا في مرات أخرى جرى فيها اختبارها في المنطقة. المشكلة في هذا التصور أنه يقوم على تعريف خاطئ لجذور أزمة الشرق الأوسط نفسها. هذا التصور جُرّب مرارا: في أفغانستان، ثم في العراق، ثم في ليبيا. وفي كل مرة كان الوعد واحدا ـ إسقاط النظام سيفتح باب الاستقرار ـ وفي كل مرة كانت النتيجة أكثر فوضى مما سبق.

فالرؤية التي تقود كثيرا من التفكير الاستراتيجي في واشنطن تنطلق من فرضية أن اضطرابات المنطقة تدور حول طهران. بينما يدرك معظم سكان الشرق الأوسط أن هذه الاضطرابات أقدم بكثير من الجمهورية الإسلامية، وأعمق بكثير من نفوذها.

بدأت أزمات الشرق الأوسط الحديثة قبل الثورة الإيرانية بوقت طويل، وتمتد جذورها إلى لحظة تشكل النظام الإقليمي نفسه بعد الحرب العالمية الأولى، حين رُسمت خرائط المنطقة في مكاتب القوى الاستعمارية الأوروبية، وقُسمت المجتمعات والدول وفق حسابات القوة لا وفق منطق التاريخ أو الجغرافيا أو الاجتماع السياسي. وما بقي من ذلك الإرث الإمبريالي شكل منظومة كاملة من الاختلالات السياسية والاقتصادية التي ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

لكن إرث الإمبريالية وحده لا يفسر استمرار التوتر في المنطقة حتى اليوم. ثمة سبب أعمق لأزمة الشرق الأوسط المزمنة يتمثل في زراعة إسرائيل في قلب العالم العربي، وحمايتها من قبل القوى العظمى في العالم لتكون خارج قواعد النظام الدولي. منذ تأسيسها، نشأت إسرائيل في سياق صراع لم يُحل، وتحولت مع مرور الوقت إلى مركز توتر دائم في المنطقة، ليس بسبب وجودها وحده، بل بسبب الطريقة التي يُدار بها هذا الوجود أيضا. فهي دولة تتوسع عسكريا، وتفرض وقائع بالقوة، وتتحرك غالبا خارج إطار القانون الدولي، بينما تحظى في الوقت نفسه بحماية سياسية وعسكرية من القوى الكبرى.

لا تنظر أغلب شعوب المنطقة إلى الصراع في الشرق الأوسط من خلال عدسة إيران أولا، رغم سنوات من ترسيخ صورة توسعية لها عبر خطاب سياسي وديني. ولكن من خلال حقيقة أن النظام الدولي نفسه يتعامل مع إسرائيل بمعايير مختلفة عن بقية الدول. هذا الإحساس العميق بازدواجية المعايير هو أحد أهم مصادر الغضب السياسي في المنطقة، وهو ما يغذي الكثير من الحركات الراديكالية التي تحاول واشنطن محاربتها.

من هنا يصبح الافتراض القائل إن إسقاط النظام الإيراني سيعيد الاستقرار إلى الشرق الأوسط افتراضا شديد السذاجة. فحتى لو تغير النظام في طهران، فإن الأسباب البنيوية للصراع ستظل قائمة. النزاعات التي تمزق المنطقة اليوم ـ من غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى ليبيا ـ لا يمكن اختزالها في نفوذ دولة واحدة، مهما كان حجم هذا النفوذ.

والحروب التي تُخاض تحت شعار إعادة تشكيل المنطقة تسفر عن نتائج معاكسة؛ فإضعاف الدول المركزية يخلق فراغات سياسية سرعان ما تتحول إلى ساحات تنافس بين قوى محلية وإقليمية متعددة، وقد أثبتت التجارب الحديثة أن إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من بناء أنظمة مستقرة مكانها.

وهناك مفارقة أخرى لا تقل أهمية؛ فكلما توسعت الحروب التي تُخاض باسم إعادة تشكيل الشرق الأوسط، تعزز الشعور لدى شعوب المنطقة بأن هذه الحروب لا تهدف إلى بناء نظام إقليمي عادل، بل إلى حماية توازنات تخدم إسرائيل. وهذا الشعور أصبح جزءا من الوعي السياسي العام في المنطقة، وهو ما يجعل أي مشروع لإعادة هندسة الشرق الأوسط بالقوة مشروعا فاقدا للشرعية في نظر أبناء المنطقة.

لهذا يبدو الحديث عن «شرق أوسط جديد» في واشنطن أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى تحليل واقعي. فالمشكلة ليست في لاعب واحد يمكن إزالته من المعادلة، بل في بنية إقليمية كاملة تشكلت عبر قرن من الصراعات والاختلالات.

والدرس الذي يتكرر منذ عقود واضح: الشرق الأوسط لا يُعاد تشكيله بالقوة العسكرية، ولا يمكن بناء استقرار حقيقي فيه ما دامت جذور الصراع الأساسية تُترك دون معالجة.

طالما بقيت المنطقة تعيش تحت ثقل ميراث الإمبريالية القديمة، وطالما بقيت إسرائيل تتحرك خارج سياق القانون الدولي، سيظل الحديث عن شرق أوسط مستقر وعدا سياسيا يتكرر في الخطابات... لكنه يتبدد كل مرة عند أول اختبار للواقع.