الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية .. خارطة طريق لتحويل الموارد إلى فرص استثمارية تضع سلطنة عمان مركزا دوليا رائدا بالقطاع
السبت / 17 / رمضان / 1447 هـ - 20:41 - السبت 7 مارس 2026 20:41
استطلاع ـ يوسف بن سالم الحبسي -
في خطوة تعكس طموح سلطنة عُمان لصناعة مستقبل قائم على المعرفة والبحث العلمي، يبرز مشروع إعداد 'الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية' في هيئة البحث العلمي والابتكار بالتشارك مع العديد من الجهات الحكومية والأكاديمية، كجسر عبور نحو مواكبة التطورات الاقتصادية العالمية المستحدثة، إذ لا تقتصر هذه الاستراتيجية على الجوانب العلمية فحسب، بل هي رؤية وطنية شاملة تهدف إلى توظيف الموارد والأنظمة الحيوية للتحقيق المستدام للأهداف الاقتصادية، والغذائية، والصحية، والبيئية، من خلال تكاتف الجهود بين مختلف القطاعات المعنية، حيث تسعى سلطنة عُمان لتحويل مواردها الحيوية الفريدة إلى فرص استثمارية تضعها على خارطة التنافسية الدولية، انسجاماً مع مستهدفات رؤية عُمان2040.
خارطة التنافسية الدولية
وقالت الدكتورة كوثر بنت إبراهيم البلوشية، من هيئة البحث العلمي والابتكار، ومديرة مشروع إعداد الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية: إن مشروع إعداد الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية يهدف إلى وضع سلطنة عُمان على خارطة التنافسية الدولية في هذا القطاع الحيوي .. مؤكدة أن التقنية الحيوية تعد محركاً أساسياً للابتكار الحيوي.
وأوضحت أن التقنية الحيوية هي تطبيق تقني يستخدم الكائنات الحية والأنظمة الحيوية لإنتاج سلع وخدمات تحقق أقصى استفادة صناعية واقتصادية، إذ يشهد العالم نشوء 'الاقتصاد الحيوي'، حيث من المتوقع أن تصل عوائده السنوية عالمياً إلى ما بين (2-4) تريليون دولار أمريكي في الفترة من عام 2030-2040.
وأشارت إلى أن الاستراتيجية تتقاطع بشكل مباشر مع أولويات رؤية عُمان2040، خاصة في محاور الاقتصاد والتنمية، والبيئة المستدامة، والإنسان والمجتمع، كما ترتبط بالخطة الخمسية الحادية عشرة من خلال برامج ومبادرات ذات علاقة بالصناعات التحويلية والتصنيع الحيوي والغذائي .. مشيرة إلى أن المشروع بدأ في أغسطس2023 بتحليل الوضع الراهن، وحالياً في المرحلة الرابعة من تطوير وإعداد الاستراتيجية وآلية حوكمتها .. مؤكدة أن سلطنة عُمان تمتلك نقاط قوة فريدة، منها: التنوع الأحيائي والموقع الجغرافي المتميز، مما يجعل الاستثمار في التقنية الحيوية فرصة ذهبية لتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة، وتحقيق الاستدامة البيئية.
الاستثمار الأكاديمي
وقال الدكتور فهد بن محمود الزدجالي، عميد كلية عمان للعلوم الصحية، وباحث في العلوم الطبية: إن التقنية الحيوية تعد من أهم محركات التنمية الحديثة، وهي ضرورة وطنية تمسّ جوانب متعددة، ولا تقتصر على التعليم والبحث العلمي فحسب، بل تمتد لتشمل الأمن الصحي، والأمن الغذائي، وتنويع مصادر الدخل، إلى جانب دعم التصنيع، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ونقل وتوطين التكنولوجيا.
وأوضح أن العديد من الدول عملت على مواءمة استراتيجياتها الوطنية وفق معطياتها وإمكاناتها ومكانتها في مجال التقنية الحيوية، إدراكًا منها لأهمية هذا القطاع الحيوي، ومن هنا تبرز أهمية حوكمة الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، بما يضمن تكامل الجهود بين مختلف القطاعات والمؤسسات المعنية، وتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية، لبناء اقتصاد قوي ومستدام للمستقبل .. مشيراً إلى أن الاستثمار الأكاديمي في البحث العلمي والابتكار في مجال التقنية الحيوية يُسهم في بناء كوادر وطنية متخصصة، وتطوير مختبرات متقدمة تحليلية وتطبيقية، ويدعم قيام شركات ريادية ناشئة صغيرة ومتوسطة، ويعزز المحتوى المحلي، ويقلل من الاعتماد على المنتجات المستوردة، وعليه، فإن تفعيل وحوكمة الاستراتيجية الوطنية ضمن منظومة واضحة تُحدِّد الأولويات وترسم خارطة طريق عملية، يضمن توجيه الموارد بكفاءة، وتحقيق أثر ملموس ومستدام.
اقتصاد معرفي مستدام
وقال الدكتور عادل بن سالم الهنائي، مشرف التطبيقات الحمراء في مشروع الاستراتيجية الوطنية للتقنيات الحيوية: تمثل التقنية الحيوية الحمراء (التطبيقات الطبية والصحية، بما في ذلك تطوير الأدوية واللقاحات والتشخيصات الطبية والعلاجات المتقدمة) وتعد ركيزة استراتيجية لتحقيق رؤية عُمان 2040، من خلال المساهمة في التنويع الاقتصادي، وبناء اقتصاد معرفي مستدام، وتوفير فرص عمل عالية المهارة للشباب.
وأكد أن هذه التقنية ترتبط بسلطنة عُمان عبر سعيها لتوطين الصناعة الدوائية وتعزيز الأمن الصحي والدوائي، والاستفادة من الموارد الطبيعية العمانية في البحث والتطوير، وتكمن أهميتها في تحسين جودة الرعاية الصحية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وإضافة قطاع صناعي ذي قيمة مضافة عالية.
وأوضح أن البحث العلمي والابتكار يعد أساس تطور هذا القطاع، من خلال مراكز الأبحاث في المؤسسات الأكاديمية (كجامعة السلطان قابوس)، وتشجيع تسجيل براءات الاختراع، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير منتجات وعلاجات مبتكرة، ونتطلع برؤية مستقبلية لجعل سلطنة عُمان مركزًا إقليميًا رائدًا، من خلال إنشاء مجمعات دوائية متكاملة، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتبني تقنيات متقدمة مثل الطب الشخصي والعلاجات الجينية، كما نتطلع إلى الاستفادة من التنوع البيولوجي العُماني لاكتشاف أدوية جديدة، ودمج الذكاء الاصطناعي في الأبحاث، وتطوير أنظمة تشريعية داعمة، وهذه الجهود مجتمعة تصب في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وطويلة الأمد لسلطنة عُمان.
تبني التقنيات الحديثة
وقالت الدكتورة الغالية بنت حميد المعمرية، مديرة مركز بحوث الزراعة النسيجية والتقنية الحيوية بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، ومشرف مرتكز التطبيقات الخضراء بالفريق الفني لمشروع إعداد الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية: بينما تتسارع دول العالم في تبني التقنيات الحديثة لتحقيق الأمن الغذائي والاستدامة البيئية، تتجه سلطنة عُمان بخطى ثابتة نحو الاستفادة من التقنية الحيوية في تعزيز القطاع الزراعي، باعتبارها أداة رئيسية لإحداث نقلة نوعية في الإنتاج الزراعي وتحقيق التنمية المستدامة.
وأضافت: تحت إشراف هيئة البحث العلمي والابتكار، وبالتعاون مع العديد من الجهات المعنية، تعمل سلطنة عمان على إعداد الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، التي تشكل مرتكز التطبيقات الحيوية الخضراء جزءًا رئيسيًا منها، الذي يهدف إلى توظيف التطبيقات الحديثة للتقنية الحيوية في القطاع الزراعي، حيث تتنوع فوائدها بين تحسين الإنتاجية، تعزيز الأمن الغذائي، وتحقيق الاستدامة البيئية .. مضيفة: أن التقنية الحيوية ليست مجرد أداة لتحسين الإنتاج الزراعي، بل هي ركيزة أساسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، والمحافظة على الموارد الوراثية، وتطوير محاصيل قادرة على مواجهة التحديات البيئية مثل الملوحة والحرارة.
وأردفت قائلة: كما تفتح التقنية الحيوية آفاقًا واسعة للاستثمار في قطاعات الأمن الغذائي، وتشمل هذه الاستثمارات إنتاج البذور الهجينة والمحسنة، وتطوير الأسمدة الحيوية الصديقة للبيئة، وإنتاج مبيدات طبيعية مستخلصة من النباتات المحلية كاللبان والنيم وغيرها من النباتات المحلية.
الكائنات الحية الدقيقة
وقالت نادية بنت سعيد العامري، مشرفة التطبيقات البيضاء في مشروع الاستراتيجية الوطنية للتقنيات الحيوية: تعتمد التقنية الحيوية البيضاء على استخدام النظم البيولوجية كالكائنات الحية الدقيقة والإنزيمات في العمليات الصناعية لإنتاج مواد صديقة للبيئة، ما يسهم في خفض الانبعاثات، وتقليل استهلاك الطاقة، وتحسين كفاءة الإنتاج، وتدخل تطبيقاتها في صناعات متعددة مثل الوقود الحيوي، والمواد الكيميائية الخضراء، والبلاستيك القابل للتحلل، والصناعات الدوائية، والمنظفات، والمواد الحيوية المتقدمة، وفي ظل التحولات العالمية نحو اقتصاد منخفض الكربون، تبرز أهمية التقنية الحيوية البيضاء أو التصنيع الحيوي كأحد الركائز الداعمة لتأسيس صناعات تحويلية خضراء ومستدامة، قائمة على البحث والابتكار، بما يتوافق مع التوجهات الاستراتيجية لرؤية عُمان2040 والمتمثلة في التنويع الاقتصادي وتعزيز دور الصناعات القائمة على المعرفة، وبما يدعم تحقيق سلطنة عمان لمستهدفات التنمية المستدامة2030.
وأضافت: مع استمرار نمو الطلب العالمي على المنتجات المستدامة، ووضوح التشريعات البيئية وخاصة فيما يتعلق بالحياد الصفري، فإن التصنيع الحيوي يشكل مجالًا جاذبًا للاستثمار المحلي والأجنبي كما إنه يفتح آفاقًا واعدة لجذب الاستثمارات النوعية والشراكات الاستراتيجية، وتوطين التقنيات المتقدمة، ودعم الابتكار والشركات الناشئة في التصنيع الحيوي، بما ينسجم مع توجهات سلطنة عمان نحو اقتصاد قائم على المعرفة وصناعة مستدامة منخفضة الكربون.
دور البحث العلمي والابتكار
وأضافت: ان البحث العلمي والابتكار يلعب دورًا محوريًا في تطوير التقنية الحيوية، من خلال تحسين الكفاءة الإنتاجية، وخفض التكاليف، وتطوير منتجات مستدامة وصديقة للبيئة، وتؤكد التجارب الدولية أن نجاح التقنية الحيوية يرتبط بمدى تكامل الجامعات ومراكز البحوث مع القطاع الصناعي، ومع تسارع التوجهات العالمية نحو الحياد الكربوني والاقتصاد الدائري، تمتلك سلطنة عُمان مقومات وميزات تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للصناعات الحيوية المستدامة، تتمثل في توفر بيئة الأعمال المواتية والمتمثلة في وجود البنية الأساسية والمناطق الاقتصادية والحرة، والتشريعات والقوانين والسياسات الداعمة للاستثمار، وأكدت أن التقنية الحيوية تمثل أداة تنفيذية عملية لتحقيق أهداف رؤية عُمان2040 والمستهدفات الاستراتيجية للخطة الخمسية الحادية عشرة (2026-2030)، من خلال بناء صناعة نظيفة، ومبتكرة، وقادرة على المنافسة عالميًا، وتعزز من مكانة سلطنة عمان في سلاسل القيمة الصناعية المستقبلية.
التقنية الحيوية أحد المفاتيح الاستراتيجية
وقال سيف بن حمدون الشرجي، مشرف مرتكز الحوكمة بمشروع الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية: أن التقنية الحيوية تمثل أحد المفاتيح الاستراتيجية لتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، خاصة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، فإن التقنية الحيوية ليست خياراً تكميلياً، بل مساراً استراتيجياً يجب أن يكون في صلب أولوياتنا الوطنية، وأرى أن التقنية الحيوية تمثل نقطة التقاء بين الاقتصاد والصحة والبيئة والأمن الغذائي، فهي تخدم القطاع الصحي من خلال تطوير الأدوية الحيوية واللقاحات وتقنيات التشخيص المتقدم، وتسهم في الزراعة عبر تحسين المحاصيل وزيادة قدرتها على مقاومة الظروف المناخية، كما تقدم حلولاً مبتكرة لمعالجة المياه والنفايات ودعم الاستدامة البيئية، وهذا التكامل يجعلها قطاعاً عابراً للقطاعات، وقادراً على خلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وأكد أن أهمية هذا المجال لا تكمن فقط في مردوده الاقتصادي، بل في أثره الاستراتيجي، إذ أن الاستثمار في التقنية الحيوية يعني تقليل الاعتماد على الاستيراد في الأدوية والتقنيات الطبية، وتعزيز أمننا الغذائي والصحي، وخلق وظائف نوعية لأبناء وبنات الوطن في تخصصات عالية المهارة، كما يضع سلطنة عُمان على خريطة الصناعات المتقدمة إقليمياً، كما أن الاستثمار في هذا المجال يجب أن يركز على تطوير البنية البحثية، وتحفيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص، ودعم الشركات الناشئة والابتكار، وبيّن أننا نطمح أن نرى سلطنة عُمان مركزاً إقليمياً للأبحاث المرتبطة بالاقتصاد الحيوي وإنتاج المنتجات الحيوية المتقدمة، ومنصة للابتكار في مجالات الأمن الغذائي والاستدامة، ويمكن التفكير في إنشاء 'وادي للتقنية الحيوية' يحتضن الشركات الناشئة والمراكز البحثية ضمن منظومة متكاملة.