ما ينبغي أن نقوله والإمساك عنه في ظل الحرب
السبت / 17 / رمضان / 1447 هـ - 20:23 - السبت 7 مارس 2026 20:23
ترددتُ كثيرًا وأنا أُجهّز للمقال الأسبوعي فيما يجب أن أطرحه مع تزامن هذه الحرب وقسوتها، وما تشهده من تطورات وتصعيد لم يكن يُحسب له حساب، وما ترتب عليه من أثر طال جميع دول المنطقة، وأهمها دول الخليج التي أُشركت عنوة في هذا الصراع الذي لا ناقة لها فيه ولا جمل، وأُقحِمت فيه عبر العدوان الإسرائيلي ـ الأمريكي الغاشم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية رغم ما كانت تحمله المفاوضات ـ التي ترعاها سلطنة عُمان ـ من آمال وتقدم ملحوظ.
نتج عن هذه الحرب في أول يومها اغتيال عدد من القيادات الإيرانية البارزة أهمها مرشدها علي خامنئي؛ فأصبحت الأوراق مختلطة على نحو كبير، وتكاثرت ردود الفعل بما زاد المشهد تعقيدًا.
وبما أن الصراع تداخل مع هذه الأوراق المختلطة بفقدان الشرعية والمسوغات وأخلاق الحروب، ومع هذه المنطلقات غير المفهومة التي أودت إلى الكثير من الأضرار في المنطقة، وخصوصا دول الخليج، فإنني سأنأى بنفسي عن الدخول في مستنقع التأويل السياسي المبني على الافتراضات، والذي لا أرى فيه جدوى أو فائدة مرجوة خصوصا في ظل ما نشهده من عشوائية غير واضحة المعالم تحدث في المنطقة، وسأركّز بدلا من ذلك على الشقّ الأمني الوطني الداخلي لدينا، وعلى الشقّ الاقتصادي بما فيه اقتصاد الطاقة واقتصاد الغذاء في منطقة الخليج العربي بأكملها المتأثر الأبرز في هذين الشقين.
مع هذه التطورات، علينا أن نراجع الملف الداخلي الذي أراه أولويتنا العليا في الوقت الراهن، وخصوصا أمننا الوطني وما يحمله من تبعات بسبب ما تفرضه هذه الحرب من تعقيدات أدخلتنا في دوامة يصعب الخروج منها إلا بوقف الحرب نفسها، وكما أسلفنا، فإن الموضوع أكثر تعقيدًا مما يمكن أن نصفه، وبالتالي فإن هناك تحديات قادمة، من بينها ما يتعلق بالداخل من حيث الجانب الأمني نظرا للهجمات التي تأتي من الخارج وما يمكن أن يلتصق بها من تأويلات مغلوطة أو عدم انضباط في الوعي الرقمي.
هذا ما جعلنا وعبر المستوى الرسمي نشدد على رفع مستويات الوعي الوطني لدى الجميع، وعلى أهمية التعاون والالتفاف حول المنظومة الأمنية في الداخل العُماني لمواجهة هذه التحديات الدخيلة علينا، والتي ينبغي أن تكون من أهم أولويات تركيزنا الداخلي في ظل هذه الحرب الدائرة، وكذلك على ضرورة وضع الثقة في الجهات المختصة المعنية بالمتابعة والتفاعل الميداني والإعلامي واعتمادها مصدرًا موثوقًا. بهذا الصدد، صدرت توجيهات توعوية من قبل الجهات المختصة ترشد المواطنين والمقيمين إلى أهمية التعاون ورفع مستويات الوعي الوطني، ومن بين هذه الإرشادات: منع تداول الصور أو التقاطها لأي مواقع ذات حساسية، أو لأي أجسام مشبوهة، أو لأي رصد يتعلق بأجسام أو هجمات أو ما شابه ذلك؛ لأن هذه الصور وهذه المشاركات الرقمية التي تنتشر بسرعة كبيرة وتخرج عن الأطر الداخلية يمكن أن تصبح وسيلة يستغلها الأعداء ـ أيا كانوا، سواء أطرافا في الصراع أو ممن يستغلون الفرصة لاكتساب منافع لهم وبلوغ غايات.
عليه، جاءت التوجيهات واضحة بأن كل ما يتعلق بالمشاركات الرقمية والتصوير يُعد من المحظورات الأمنية التي يمكن أن تهدد الاستقرار الوطني وأمن مصالحه وقاطنيه مع وجود خيار الإبلاغ وتوجيهها إلى الجهات الأمنية المعنية وفق آلية أعلن عنها، وأرى أن هذا التوجيه في محله وفي توقيته المناسب. كذلك وُجّهت إرشادات أخرى تتعلق بالكف عن التحليل العسكري أو السياسي غير المتزن، وغير المتصل بالواقع أو غير المستند إلى الخبرة المختصة عبر الوسائل غير الرسمية مثل منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ ينبغي أن يكون هناك وعي سياسي قائم على إدراك أننا في معمعة عسكرية تدور قريبا منا، وأننا ـ بحكم الجغرافيا والتداخلات ـ جزء منها ونتأثر بها بطريقة أو بأخرى. لا ننسى أيضا ما تصاحبه التقنيات الحديثة وأدواتها الذكية مثل المقاطع المرئية المزيفة التي يصعب كشف تزييف بعضها؛ فتكون -مع توسيع نطاق انتشارها- وسيلة في نشر الشائعات المغرضة وزعزعة الاستقرار.
في كل أحوالنا، ومع تنوّع التحديات المحيطة بنا بنزعاتها التقنية والسياسية؛ فمن الحكمة -في مثل هذه الظروف- أن ننأى بأنفسنا عن الاصطفاف في هذا الصراع؛ فنسعى أن نكون طرف خير بالدعوة إلى وقف الحرب وإحلال السلام. هذا ـ في تقديري ـ مطلب ينبغي أن تلتفت إليه جميع حكومات المنطقة العربية، لأنها المتضرر المباشر من هذه الحرب سواء عبر الاستهداف العسكري المباشر واستهداف مواقع الطاقة، أو المرافق الاقتصادية، أو القطاع الاقتصادي بعمومه، وخصوصا مع اقتراب احتمالات نشوء أزمة اقتصادية كبيرة في المنطقة بما في ذلك أزمات الغذاء والدواء وغيرها؛ إذ تشير بعض التقارير إلى أنه في حال استمرار الحرب، فإن هذه الأزمات يمكن أن تتفاقم مع نفاد مخزونات الغذاء والطاقة في المنطقة وتعثّر وصول البضائع والمواد اللازمة؛ لتنعكس سلبا على سكان دول الخليج.
نحن -إذن- أمام خطر كبير قد لا نشعر بآثاره الكاملة الآن، ومن الواجب أن نترفع عن الخوض في المشاحنات السياسية أو الطائفية التي يمكنها أن تنتقل عبر الفضاء الرقمي ومنصاته الخاضعة -في أساسها- تحت رقابة العدو الصهيوني الباحث عن بيانات -بكل أنواعها- تدعم مشروعه الاحتلالي التوسعي، وبدلا من ذلك، علينا أن نكون دعاة خير وسلام، لأن هذه الحرب لن نجني منها نفعا.
هناك من يرى أن سقوط النظام الإيراني احتمال قائم، ورغم أن هذا السيناريو ـ حتى الآن ـ غير واقعي نظرًا لما يظهر من تماسك النظام وقدرته على التفاعل العسكري والسياسي. مع ذلك، فإن حدوث مثل هذا السقوط -إن وقع- يمكن أن يفتح الباب لمرحلة أكثر اضطرابا تمتد آثارها إلى المنطقة بأسرها؛ فيعزز هيمنة الطرف المنتصر المتمثّل في العدو الإسرائيلي الذي لن يأتي إلى المنطقة بالسلام المنشود؛ فيكفي أن نتعلم صنيعه الظالم في الأراضي الفلسطينية والدول المجاورة.
لذلك، فإن المسألة لا تتعلق بإيران وحدها أو بغيرها، وإنما هي أوسع من ذلك بكثير؛ إذ حذّر كثيرٌ من المحللين منذ فترات طويلة من اتساع المشروعات الصهيونية الإقليمية ذات الطابع التوسعي، ومن وجود تصورات جيوسياسية كبرى تمتد آثارها إلى منطقتنا الخليجية، وهنا ينبغي أن نبحث عن سبل عقلانية لوقف هذه الحرب، وأن نبتعد عن الخطابات السياسية التي تجرّنا لنكون طرفًا مباشرًا في صراع لا يخصنا تتجاوز كلفته حدود الاحتمال.
ما زلت أعوّلُ على الدور الخليجي بجميع دوله في اللجوء إلى السبل الدبلوماسية بوقف هذه الحرب متسارعة الاتساع وكبح السعار الصهيوني الذي بدأ بالشرارة الأولى.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني