العرب والعالم

غزة ترتجف على وقع التصعيد الإقليمي والمعاناة تتجدد في رمضان

 

غزة ' عمان ' د.حكمت المصري:
شهدت أسواق قطاع غزة حالة من الازدحام غير المسبوق، عقب اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وما تبعها من إغلاق بعض المعابر من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي. تهافت المواطنون على شراء السلع الأساسية خشية تكرار سيناريو المجاعة والحرمان الذي عاشوه خلال الحروب السابقة. منذ ساعات الصباح الأولى، اكتظت شوارع مدينة غزة بالعربات والمشاة، فيما امتلأت المحلات التجارية بالزبائن الذين حاولوا شراء المواد الأساسية كالسكر، والأرز، والزيت، والحليب، والخبز.
سلام أبو صفر، صاحب محل تجاري في دير البلح، أوضح أن الازدحام الحالي يفوق بكثير أي ذروة تسوق شهدتها الأسواق خلال السنوات الماضية، قائلاً: 'الزبائن يهمسون فيما بينهم، يتبادلون الأخبار، كأن كل كلمة تحمل احتمالًا أن تنتقل الحرب إلى هنا، حتى الذين لا يظهرون خوفهم، يظهر في طريقة قبضهم على النقود. وفي سرعة تحركهم بين الرفوف.' أما عبد الرحيم زعرب، شاب ثلاثيني من رفح، فوصف المشهد بقوله: 'الأسواق مزدحمة أكثر من أي وقت مضى. الكل يشتري كميات إضافية خوفًا من نفاد المواد الغذائية الاساسية، الناس تستحضر ذكريات المجاعة والخوف.'
الخوف بين المعيشة والأطفال
سلمى حسونة، امرأة نازحة في النصيرات، تقول: 'لم أنم الليلة الماضية، تابعت الأخبار باستمرار، وحين وصلت السوق وجدت الطوابير ممتدة لأمتار، شعرت أن الوقت لا يكفي وأنا أرتب السلع في العربة تذكرت أيام المجاعة وكيف فقدت ابني محمود بسبب الجوع والمرض حاولت الحصول على كيس طحين بوزن 25 كيلو فقط.'
أم محمد حجازي، نازحة من مخيم جباليا، قالت: 'أتذكر صمت المخيم حين توقفت الإمدادات، اليوم أكرر المشهد نفسه. أضع كل شيء في حقيبتي وأسأل نفسي: هل سنجد هذه المواد غدًا؟ لماذا نعيش من حرب إلى أخرى؟' أما سعاد محمود من خان يونس، فكانت تركض بين الصيدليات بحثًا عن علاج لوالدها المريض وعلب حليب لطفليها التوأم: 'أطفالي يسألونني: هل ستأتي الحرب إلينا؟، أحاول أن أهدئهم، لكن القلق أصبح جزءًا من يومي بصعوبة وفرت أربع علب حليب.'
القلق على الأسرة والمستقبل
محمد صادق، موظف حكومي، قال: 'لم نعد نثق بالهدوء أو الهدنة، مجرد إعلان حرب يعيد إلينا ذكريات المجاعة، ركضت لأشتري الحليب والمواد الأساسية للأطفال، والخوف يرافقني في كل خطوة.' بحسب تقارير أولية من وزارة الاقتصاد، ارتفعت مبيعات السلع الأساسية بنسبة 60٪ خلال 24 ساعة فقط مقارنة بالأيام السابقة، وهو ما يعكس حالة القلق الجماعي. إغلاق المعابر زاد من المخاوف بشأن تدفق المواد الغذائية والطبية، في ظل اعتماد القطاع شبه الكامل على الاستيراد الخارجي.
التصعيد مفتوح على كل الاحتمالات
في قراءة للمشهد، قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور سفيان صيام إن الوضع 'مفتوح على جميع الاحتمالات”، سواء باتجاه احتواء محدود أو انزلاق إلى مواجهات أوسع. وأشار إلى أن حجم العمليات العسكرية الأخيرة جاء أوسع من المواجهات السابقة، مع مشاركة أمريكية إسرائيلية منذ البداية، وتنفيذ طلعات جوية كبيرة تعكس اتساع نطاق العملية. ورأى أن تأثير التصعيد على غزة مرهون بمدته، موضحًا أن القطاع يعيش ذاكرة المجاعة، وهو ما يفسر حالة التكدس أمام المحال التجارية. لكنه رجّح أن يكون التأثير متذبذبًا ما لم يطل أمد الإغلاق أو تتوسع الحرب.
كما حذّر من سلوك التخزين المفرط الذي قد يفتح الباب أمام بعض التجار لرفع الأسعار، داعيًا إلى تشديد الرقابة على الأسواق لحماية الفئات الأكثر هشاشة.
يبقى السؤال الأكبر الذي يتردد في الشوارع والأسواق:هل ستصل الحرب إلى غزة؟
عبد الرحمن يلخص المشهد بقوله:'الحياة في غزة لم تعد مجرد البقاء على قيد الحياة، بل محاولة البقاء على يقين، وأننا سنستمر رغم كل شيء. لكن هذا الخوف يجعل كل يوم أشبه بمحاولة سحب النفس في عاصفة.' الأسواق المزدحمة اليوم ليست مجرد أماكن للتسوق، بل مرايا حقيقية لمجتمع يعيش بين الخوف والحذر، بين الرغبة في الحياة والتخوف من القادم، ويحاول أن يحمي نفسه من أي صدمة أو نقص محتمل.