مخاوف من تهجير صامت وتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية
السبت / 17 / رمضان / 1447 هـ - 19:16 - السبت 7 مارس 2026 19:16
رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي:
تجد غزة والضفة الغربية نفسها 'محشورة' في مضيق حرب عاصفة شبت في المنطقة، وباتت متشابكة بحكم ارتباط الكيان الإسرائيلي بها، فيما الأوضاع الإقليمية شديدة الخطورة، تضع المنطقة برمتها على فوهة بركان، يخشى ثورانه وتطاير حممه في الاتجاهات المختلفة، ما يصعّب السيطرة عليه.
وفيما تشخص الأنظار، صوب ملامح تصعيد يضع الإقليم على صعيد حرب عاتية، يقف الفلسطينيون أمام ما يشبه 'رسم تشبيهي' فاحم السواد، يحاكي ما واجهوه على مدار حولين كاملين، من حرب دامية في قطاع غزة، أتت على كل شيء، وأهلكت الحرث والنسل.
ويتأثر الفلسطينيون بعمق وقلق، مع أي مواجهة في الإقليم، لا سيما إذا كان الكيان الإسرائيلي طرفاً فيها، وللقلق الفلسطيني هذا ما يبرره، فهو قلق وجودي، خصوصاً وأن الفلسطينيين سبق وأن واجهوا التهجير في خضم حروب إقليمية، كما أن هناك تأثير مباشر على حياتهم الاعتيادية، إذ لا يتوفر لديهم معابر خارجية كي يحصلوا على الغذاء والدواء، وباقي احتياجاتهم، فالكيان الإسرائيلي هو من يسيطر على المعابر، ويتحكم بدخول السلع الغذائية واللوازم الأساسية وغيرها.
المشهد الفلسطيني يبدو بالغ القتامة، وبات يتقلب على صفيح المنطقة الملتهب، ويقف أمام روزنامة حروب متداخلة، كل واحدة منها تحدد اتجاه الريح العاصفة وكرة النار بالنسبة للفلسطينيين، بيد أن أخطر هذه الحروب، تلك الدائرة حالياً بين الكيان الإسرائيلي وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى، بحسبانها كفيلة ببيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود فيما يخص مستقبل الأراضي الفلسطينية، وغزة على وجه الخصوص، التي ما زالت تنتظر النافذة الأخيرة للخروج من عباءة الحرب.
وفي ضوء تداخل السيناريوهات والاحتمالات حول اتساع رقعة الحرب، لا يخفي مراقبون قلقهم من أن تستغل قوات الاحتلال الحرب المشتعلة حالياً، كي تشرع في تنفيذ أهدافها الفعلية، وفي مقدمتها تهجير الفلسطينيين، وضم الضفة الغربية.
فرصة أكبر للتهجير
استناداً إلى المحلل السياسي محمـد دراغمة، فهناك قلق وجودي ينتاب الفلسطينيين، ولأن الاحتلال هو من يسيطر على مصادر الحياة من ماء وغذاء ودواء ووقود وكهرباء، يصبح القلق أكثر شدة، لافتاً إلى أن عملية تهجير الفلسطينيين تجري بالفعل من خلال الخنق الاقتصادي والمالي للشعب والسلطة، وما الحملات العدوانية اليومية على كل القرى والبلدات والأرياف الفلسطينية، التي يمارسها المستوطنون المنفلتون، إلا خير دليل على نوايا التهجير.
ويشرح: 'هناك مخاوف من أن تنقطع المواد الغذائية، أو المياه والكهرباء، وإذا ما طال أمد الحرب، فربما تتعمد إسرائيل قطع مصادر الحياة عن الفلسطينيين كي تدفعهم إلى الهجرة، ومن هنا فالقلق حقيقي، والخنق الاقتصادي المتعمد يرمي إلى تجويع الفلسطينيين، وهذا ما تراهن عليه إسرائيل، في أن يتحول تدريجياً إلى عامل طرد للمواطن من بيته، والحرب الدائرة حالياً، توفر للاحتلال فرصة أكبر لتشديد الخناق على الفلسطينيين المخنوقين أصلاً'.
ويواصل: 'تشظيات الحرب لم تتأخر على الفلسطينيين، فالاحتلال فصل الضفة الغربية عن الكيان الإسرائيلي بشكل كامل، وأغلق مداخل المدن الفلسطينية بالحواجز العسكرية، والقرى والبلدات بالبوابات الحديدية والكتل الإسمنتية، وطرد المصلين من المسجد الأقصى المبارك، وأغلق أبواب الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، فارضاً إجراءات استثنائية'.
بينما يرصد الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، سيناريوهات متشابهة ومتشابكة، غير أن أهمها وقف الحرب بسرعة، لأن تداعياتها ستكون صعبة على المنطقة والعالم، ووخيمة على الفلسطينيين وقضيتهم، مشدداَ: 'هنالك مجموعة من القضايا تحدد مسار ومصير الحرب، وفي مقدمتها إمكانية تحولها إلى إقليمية'.
وتابع: 'من المبكر الحكم على مصير الحرب، لكن الكيان الإسرائيلي يريد الاستمرار بها لفرض أطماعه التوسعية في المنطقة، وفي المقدمة منها غزة والقدس والضفة الغربية، وإسرائيل تستغل الحروب عادة لتمرير مخططاتها المعدة سلفاً'.
ربط أحزمة
في قطاع غزة والضفة الغربية تُربط الأحزمةُ، لا سيما وأن ثمة حرب أخرى تشنها قوات الاحتلال على الفلسطينيين، وربما تتعاظم مع انشغال العالم بالحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، ووفق مراقبين، فالفلسطينيون حاضرون 'عن بُعد' في هذه المواجهة.
وسيكون من الصعب على الفلسطينيين التنبؤ حول مآلات التحولات الجارية في المنطقة والإقليم، لكن الشيء الثابت والمؤكد أن كيان الاحتلال سيواصل حربه عليهم، مخترقاً بذلك اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ومستبيحاً أرجاء الضفة الغربية، خصوصاً وقد حجب دخان الحرب في تل أبيب وطهران، المخاطر التي تلاطمها غزة والقدس والخليل وغيرها.
ويبدو مستبعداً إن لم يكن مستحيلاً، المرور إلى مراحل أخرى من اتفاق التهدئة، في ضوء التوتر الذي يشهده الإقليم، أقله حتى انقشاع الضباب إزاء مسار الحرب التي تشنها أمريكا والكيان الإسرائيلي على إيران، وأياً كان مآلها، فهي مفتاح عودة مسألة غزة إلى خريطة الاهتمامات الدولية.
ولا ينفك كيان الاحتلال يرفع وتيرة اعتداءاته على الشعب الفلسطيني الأعزل، مع كل حرب أو موجة تصعيد في المنطقة، فثمة غبار كثيف يلف غزة والقدس والضفة الغربية، معطوفاً على ما يمارسه جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين من عمليات قتل وهدم وتدمير يومية.
ولا تلوح أي خيارات أمام الفلسطينيين، إذ يتوجب عليهم الإنتظار، وإن على جمر المواجهة، حتى تتضح صورة المشهد العاصف في تل أبيب وطهران، ولا يقل عنها عصفاً في الأوساط السياسية السؤال الأكثر شيوعاً: من يعلو على من.. غبار الحرب أم هدير الدبلوماسية؟.