خلفان البوسعيدي وثمرات بحثه عن نوادر الوثائق
السبت / 17 / رمضان / 1447 هـ - 19:12 - السبت 7 مارس 2026 19:12
محمد بن سليمان الحضرمي -
وجد نفسه منذ نعومة أظفاره وعنفوان شبابه، مدفوعًا بهمَّة عالية، يسلك طريقًا محفوفًا بالوثائق والمخطوطات، حتى صار يتعشَّقُ رائحة المداد وكأنه الزعفران، ويفكك فيها الكلمات، المكتوبة بأقلام الرُّوغ والقَصَب، وثائق ومخطوطات كُتِبَت بحبر عُماني، وصل إليها في لحظة قَدَرِيَّة رائعة، ليوثِّقَها في كتبه، ويؤرِخها في دفاتره، ويستخرج منها سِيَرًا لشخصيات عُمانية، جمعت في زمنها بين الفقه والأدب والقيادة، بعد أن كانت أخبارها مطويَّة في غياهب النسيان، ومن هذا المزيج الرائع صنع الباحث خلفان بن سالم بن علي البوسعيدي كتبه، بعد أن اندمج بهالة الكلمات التي خطتها الأقلام، مُرْتشفًا معاني أدبياتها، المُشبَعة بعطر الأحبار.
وفي هذا الطريق الذي سلكه، وجد نفسه باحثًا عن الوثائق، فلم يرها أوراقًا قديمة، بل حياة تتوارى في داخلها أرواح آباء وأجداد، وإرثًا ثقافيًا تناثر في دروب الحياة، يعود بعضها إلى ما يقرب من أربعة قرون، فبقيت محفوظة في جرار فخاريَّة، أو أضابير ومحافظ جلديَّة و«مناديس» خشبية، ولم تأكلها «الرُّمَّة» خبزًا ناعمًا، ولم تتعفَّن بالرُّطوبة، بل حفظتها أيدٍ أمينة، وكأنها عُهدَةً وميراثًا للأجيال، حتى ظهرت بعد حفظها وكأنَّها خُطَّت في هذا الزمان.
أعرف الأستاذ خلفان البوسعيدي منذ أن كنّا مَعًا، تلاميذ في مدرسة مالك بن فهم بولاية منح، وكان النبوغ يلوح في سَيْماء وجهه، فاختار أن يدرس العلوم الإسلامية، ويدرِّسَها بعد تخرُّجه، لكنه لم يبق أسير المادة التعليمية، بل شَبَّ عن الطوق، وأخذ يُلقي الدروس والمحاضرات، في المحافل الثقافية والدينية والتربوية، وذاع صيته متحدثًا فصيحًا، يسبك الكلمات والخطب عفو الخاطر، ولم يتَوانَ عن المشاركة في الندوات الثقافية، التي تنظمها المؤسسات الرَّسمية والأهلية، ليشارك بأوراق بحثية في شخصيات فقهية أو أدبية، يضيف لها شيئًا من فيض معارفه، ومن ارتشافاته الرَّائعة لتلك الوثائق والمخطوطات، التي تحَصَّل عليها خلال بحثه الدؤوب.
بدأ رحلته في البحث عن الوثائق مع بدايات عمله معلِّمًا، منقادًا لشغفه ومستجيبًا لإحساسه، إلى جمع الوثائق والمخطوطات، وكأنه مأخوذ برائحة الأحبار القديمة، فلا يسمع عن وثيقة في مكتبة إلا ويذهب إليها، يأخذ منها صورة ضوئية، ويحفظها في ملفات حاسوبية، ووجد بغيته في المكتبات الأهلية والمرجعية، كمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي في السيب، والمؤسسات التي تُعْنى بحفظ المخطوطات، كهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، وقام بتصوير آلاف الصفحات، لتكون له رافدًا في عمله الثقافي، وهو الكتابة عن سِيَرِ شخصيات فقهية وأدبية مرموقة في زمانها، غير أن الأقدار لم تسعفها لحفظ تركتها الثقافية، فضاع الكثير من تراثها، وما بقي منه بالكاد يشعل مصابيح البحث، عن نتاجها الثقافي في الفقه والأدب.
ولأن الوثائق التي يحتفظ بها تتباعد أزمنتها، مثلما تختلف أمكنة كتابتها، فإنَّ أقدم وثيقة يحتفظ بها تعود إلى 375 عامًا، طاوية من عمر الحياة نحو أربعة قرون، أو أربعين عقدًا من السنين، ويناهز عدد الوثائق التي جمعها «ربع مليون وثيقة»، يختبئ الزمان في أسطرها، أوراق تتبسَّمُ للحَياة كحُلم قديم، وتبسَّمتْ بين يديه كأمنية سكنت الوجدان، وكأنها كائنات ملائكية لطيفة الملمس، خرجت من أرحام الغياب، وكأنَّ كاتبها فرغ لتوِّه منها، فلم تأخذ السُّنون بتقادمها، شيئًا من وضوح كلماتها وأناقة خطِّها.
من هذه الوثائق الكثيرة، استطاع الباحث خلفان بن سالم البوسعيدي، أن يؤلِّف خمسة كتب مطبوعة، صدرت له حتى الآن، نشرها بتعريف: «جمع وترتيب»، وكتُبٌ أخرى لا تزال قيد الإصدار، ككتابه «الهِباتُ والمِنَح في تاريخ ولاية مَنَح»، من المؤمل أن يصدر في سبعة أجزاء، وكتاب: «اللؤلؤ المنثور أَدَم عبر العُصُور»، وبحوث منشورة في الكتب الصادرة عن «المنتدى الأدبي»، وأسهم في كتاب صدر بعنوان: «المدارس التعليمية العُمانية من القرن الأول الهجري إلى العصر الحديث»، مع مجموعة من الباحثين، مضيفًا بَصْمَتَهُ البحثيَّة في كتاب رأى نور النشر.
ابتدأ قِطاف حصاده الفكري بصدور كتاب «مَطالع السُّعُود في حياة العلامة محمد بن مسعود (ت: 1320هـ/ 1902م)»، صدر عن مكتبة الضامري 2003م، وفيه كتب تاريخًا لعلامَّة كان يعيش في قرية «الفيقين» بولاية منح، خلال عقود القرن التاسع عشر الميلادي، لكن لم يؤثر عنه تأليف كتاب، فيما كانت فتاويه يتناقلها الفقهاء في مصنفاتهم، فكأنما أعاده إلى الحياة من جديد، بعد غياب قرن من الزَّمان، وصار اسمه يزهو في كتاب «مَطالع السُّعُود»، مثلما زها في اسم مدرسة ثانوية بمنح، ومكتبة تحمل اسمه، ضمن أقسام «مركز منح الثقافي».
ومن الكتب البحثية التي صدرت لخلفان البوسعيدي، كتاب «طلائع الفَتْح في تاريخ صَاد والفَتْح»، صدر عن مكتبة الضامري 2014م، يتضمن سيرة للسيد خميس بن سالم بن محمد البوسعيدي (حي عام: 1198هـ)، ابن عم الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي (حكم: 1162- 1198هـ)، وكان السيِّد خميس واليًا في مسقط، وقائدًا لجيش الإمام أحمد في حروبه مع العجم.
وجمع خلفان البوسعيدي أجوبة فقهية للشيخة عائشة بنت راشد الريامية (ت: 1147هـ)، في كتاب حمل عنوان: «الدُرَّة البَهيَّة»، عن مكتبة الضَّامري 2017م، وكعادته في تأليف كتبه، ينهل مادته من الوثائق النادرة، لسرد سيرة لم تُكتَب، ونَشْر فتاوى فقهية بقيت حبيسة الأضاميم من المخطوطات، لفقيهة ذاع اسمها أكثر من فتاويها، لتعود الشيخة عائشة إلى الوجود الإنساني، بفكرها الذي انتشر في حياتها قبل ثلاثة قرون.
ومن كتبه أيضًا، كتاب عن «الشيخ العلَّامة حبيب بن سالم أمبوسعيدي حياته وآثاره»، (ت: 1194هـ/ 1780م)، صدر عن مكتبة السيدة فاطمة الزهراء 2020م، تناول في هذه السيرة حياته العلمية والاجتماعية، ومشاركاته في الحياة السياسية، وصلته بعلماء عصره، وإنشائه مدرسة حملت اسمه، وتضمَّن الكتاب رسائل الشيخ النثرية، كالرِّسالة التعنيفية التي كتبها إلى الإمام بلعرب بن حِمْيَر اليعربي، (قتل عام 1167هـ/ 1753م)، تلك الرسالة أشبه ببيان سياسي ضد الطغيان والاستبداد، الذي مارسه الإمام في بعض من فقهاء ذلك العصر، وسجنهم في «المَطامِر» وقتلهم، ولكن يُحمَد له محاولته دحر خطر الفرس، وللشيخ حبيب منظومات ومطارحات شعرية، مع نوابغ عصره.
وأخيرًا صدر له كتاب «القائد الكَمِيْ من سيرة الشيخ العلامة محمد بن مسعود الصَّارمِي» (حيُّ إلى عام: 1104هـ)، عن مكتبة رؤى 2025م، أعده بطلب من أحفاد الشيخ، في طليعتهم سعادة محمد بن حمد الصَّارمي رئيس المراسم السلطانية، وأقامت أسرة صاحب السيرة حفل تدشين كبير في قاعة إزكي العامَّة، وكان قد بدأ بحثه عن تراث جدهم منذ 23 عامًا، فجمع مادته من مختلف خزائن العلم العُمانية.
عاش الشيخ محمد بن مسعود الصَّارمي في فترة ازدهار دولة اليعاربة، واشتهر بتضلعه في علوم اللغة العربية، وله منظومة في علم الصَّرف، وأراجيز في علم المواريث وصلاة السَّفر، واشتهر بكونه قائدًا في فتح جزيرة «بَتَّة» تقع قريبًا من الصومال، وكانت حينها خاضعة للإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، وله فيها منظومة رقيقة، بدأها باستهلال غزلي، منها هذا المطلع: (كَشَفْنَ عَنْ تِلكَ الوُجُوهُ الصِّباحْ .. إذْ زُمَّتِ العِيْسُ ليَوْمِ المَرَاح)، ومن القصيدة: (حَتَّى أتينا 'بَتَّةً» بالضُّحَى .. ثمَّ نَزلناها بأرْضِ بَرَاحْ).
وطاب للشيخ المقام بين قريتي «سيما العلاية» و«إمطي» بولاية إزكي، وله فيهما منزلان تحدِّثُ أطلالهما عن أديب كان يغمس قلمه في محبرة العِشْق، ليكتب قصائده في الغزل والنسيب، أو يستعيض عنه بحبر أحمر من دم البُغاة، إنَّ أسفار الشيخ محمد الصَّارمي يحويها كتاب «القائِد الكَمِيْ»، بما يؤكد أنَّ مؤلفه خلفان البوسعيدي باحث مرموق جدير بالاحتفاء، وهذه الكتب التي ألّفها بجمعه وترتيبه، بعض من ثمار بحثه عن نوادر الوثائق.