ثقافة

"أحمد درويش" حوار الأصالة والمعاصرة

 

إيهاب الملاح -

(1)
رحل عنا قبل أيام قليلة أستاذ جليل وناقد قدير ومثقف عربي أصيل جمع بين الأصالة والمعاصرة، والحداثة المنفتحة بوعي على التيارات والمذاهب النقدية والتأسيس التراثي المكين الواعي بتفاصيل وخصوصية هذا التراث ومسالكه ودروبه..
أتحدث عن الناقد والأكاديمي وأستاذ الأدب والنقد والأدب المقارن؛ الأستاذ الدكتور أحمد درويش (1943-2026) الذي رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي، عن 83 عاما أمضى قرابة 70 عاما منها في مشوار معرفي أصيل؛ قدَّم خلالها للثقافة العربية والنقد العربي والدراسات الأدبية واللغوية، إنجازًا نقديا أصيلا سيبقى شاهدا على رسوخ التكوين العلمي والأدبي والنقدي، وفرادة الرؤية، وتطوير المصطلح مما شكل -في النهاية- ما نستطيع أن نصفه بمنجز أحمد درويش النقدي.
هذا المنجز الكبير والممتد والضخم اتسعت حدوده ليضم في إهابه دراسات بلاغية ونقدية 'أصيلة' تتصل بالتراث النقدي العربي القديم ونظرية النظم وبلاغة عبد القاهر الجرجاني، ثم تنفتح على الدراسة الأدبية الحديثة ونظريات الشعر وعلم الأسلوب، في فترة التكوين العلمي والمنهجي بالسوربون في فرنسا، وصولا إلى الممارسة النقدية الأدبية المعاصرة بمتابعة دؤوب للإنتاج الشعري والروائي والقصصي في نصف القرن الأخير.. وبخاصة الفترة التي تألق فيها نشاطه وغزر إنتاجه أثناء مكوثه بسلطنة عُمان، وعمله أستاذا بأعرق جامعاتها وأقدمها ومساهمها في تأسيسها لتكون تلك الفترة شاهدة على خصوبة عطائه المعرفي والعلمي والنقدي...
(2)
والدكتور أحمد درويش -رحمه الله-، لمن لا يعرفه ولم يلم بأطراف سيرته الثرية الممتدة على مدى يزيد على ثلاثة أرباع القرن، ناقد وأستاذ أكاديمي جليل بأعرق الجامعات المصرية والعربية، ولد عام 1943 في منيل السلطان بمحافظة الجيزة، وتخرج في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة عام 1967، عين معيدًا بها فمدرسًا بها، فأستاذًا مساعدًا، فأستاذا.
وحصل على دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية بمرتبة الشرف من جامعة السوربون العريقة بباريس عام 1982. وتدرج بعدها في المناصب الإدارية الجامعية، حتى تولى وكالة كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فعمادتها بعد ذلك..
كما عمل محاضرا في معاهد علمية عديدة أخرى مثل الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومدرسة المعلمين العليا بباريس، وكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس. ساهم في تكوين الجمعية المصرية للأدب المقارن، وشغل منصب نائب رئيسها، كما اشترك في عدد من المؤتمرات والندوات وحلقات البحث العلمية في كل من القاهرة والمنصورة والمنيا وباريس ومسقط.
وعلى مدار سنوات التحصيل والتدريس والبحث والعلمي، أنجز الدكتور أحمد درويش عددا من الكتب المهمة التي شكلت ركنا تأسيسيا في مجالها المعرفي والنقدي؛ وأصبحت لا غنى عنها لكل طلاب الدرس الأدبي والباحثين في مجال الدراسات النقدية واللغوية والأسلوبية؛ منها «دراسة الأسلوب بين المعاصرة والتراث» (وهو أول ما قرأت للناقد الكبير)، وكتابه الممتاز «في نقد الشعر» وهما كتابان مرجعيان تأسيسيان في مجالهما، وله كذلك «الأدب المقارن بين النظرية والتطبيق»، «بناء لغة الشعر» (ترجمة)، «في النقد التحليلي للقصيدة المعاصرة»، «دراسة الأسلوب بين التراث والمعاصرة»، «حول الأدب العربي» (بالفرنسية)، «جابر بن زيد»، «في صحبة الأميرين أبي فراس وعبدالقادر الجزائري».. وغيرها. وتوالت كتبه ومؤلفاته تباعا حتى اقتربت من الخمسين عددا (وربما جاوزتها).
وقد كان -رحمه الله- عضوا بارزا في لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضوا خبيرا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.. ونال الدكتور درويش العديد من الجوائز منذ حداثته فحصل على الجائزة الأولى في الشعر من المجلس الأعلى للفنون والآداب عام 1967 (من دواوينه الشعرية: ثلاثة ألحان مصرية 1967 (بالاشتراك) - نافذة في جدار الصمت 1974)، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية للآداب 2009، والجائزة التقديرية لجامعة القاهرة في الإبداع الأدبي (جائزة نجيب محفوظ) 2004م.
(3)
قد لا تتسع حدود المساحة في هذه الحلقة من (مرفأ قراءة) للإحاطة بكامل المشروع النقدي للدكتور أحمد درويش، ولكن من الممكن إضاءة جانب أو أكثر من جوانب هذا المشروع الكبير والأصيل والحقيقي..
تفردت تجربة الدكتور درويش النقدية بقيامها على عنصرين أساسيين:
التكوين التراثي العربي الأصيل؛ الذي وفرته له نشأته وتعليمه الأولى، وتوج بدراسته في دار العلوم التي غذت ملكاته ومواهبه اللغوية والشعرية وفجرتها، وانعكست فيما بعد على جزء لا يستهان به من إنتاجه العلمي الذي خصصه لدراسة الشعر ونظرياته وتطوره وتلقيه.. إلخ، فضلا على دراساته المهمة لعدد من أبرز شعراء العربية قديما وحديثا.
والثاني؛ هو انفتاحه الواثق على تيارات الدرس الأدبي والنقدي الحديث والمعاصر؛ من خلال دراسته العليا في السوربون، وإحاطته الواسعة بأحدث مدارس 'الأسلوبية' و'الأدب المقارن' والمذاهب النقدية..
وقد كان الدكتور درويش من أوائل من قدموا مدارس الأسلوبية للقارئ العربي من خلال كتابه المهم الذي أشرنا إليه أعلاه «دراسة الأسلوب بين المعاصرة والتراث» والذي ربط فيه بين ما قدمته مدارس اللغة والأسلوب الفرنسية والأوروبية عموما والإنجاز البلاغي والنقدي لكبار البلاغيين العرب وعلى رأسهم الشيخ عبد القاهر الجرجاني صاحب كتابي «دلائل الإعجاز»، و«أسرار البلاغة»..
وقد انعكست مقومات هذا التأسيس المعرفي المكين والراسخ على شخصية أحمد درويش، وعلى إنتاجه، وعلى مجمل نشاطه الفكري والثقافي والأدبي والنقدي.. فقد كان متحدثا بارعا يمتلك ناصية الفصحى والارتجال والقدرة اللغوية الباهرة حديثا وكتابة، كما أوتي الطلاقة والحضور والمهارة الوافرة في مواجهة الجمهور ربما كان هذا ناتجا عن عشقه الأول والأخير للشعر منذ حداثته، وكذلك نظمه للشعر وإلقائه له..
أيضًا تميز الدكتور درويش -رحمه الله- بإجادته للفرنسية وترجم عنها العديد من الكتب والدراسات المهمة مما أسهم في تعميق تكوينه المعرفي واتصاله بحركة الحداثة الأدبية والنقدية من خلال هذه العدسة المهمة، بل وزاد عليها وعيه العميق بضرورة التحاور مع هذه الحداثة، وقبول ما نقبله منها، والتحفظ إزاء بعضها الآخر انطلاقا من نظرة نقدية ومساءلة عملية تجلت في أكثر من عمل وفي أكثر من كتاب لعل من أهمها وأخطرها في نظري
كتابه الصادر قبل عدة سنوات عن الدار المصرية واللبنانية بعنوان «النص والتلقي: حوار مع نقد الحداثة»..
(4)
ولأهمية هذا الكتاب ومحوريته في مشروع الدكتور أحمد درويش النقدي، سأتوقف عنده قليلا خاصة فيما قدمه من طروحات وتصورات حول مسألتي أو موضوعي القراءة النصية، والتحليل الأدبي..
هذا الكتاب الذي يقدمه الدكتور أحمد درويش في رؤى نقدية ينطلق من مفردتين قصيرتين دالتين؛ هما: 'النص' و'التلقي'.. لكنهما تمثلان في المجمل علامات أو مفاتيح منهج نقدي تلتقي في نسيجه كثير من ملامح الفكر العربي التراثي والفكر الغربي الملتزم بالحس الحضاري والإنساني، وهو المنهج الذي يرتئي الدكتور أحمد درويش أنه يمكن أن يشكل طريقا معقولًا للخروج من أزمة نقد الحداثة..
ولا يكتفي الدكتور درويش بالجانب النظري فقط، وإنما يقدم تطبيقات وافرة له، حيث يبدأ بتلقي النص الأجنبي من خلال 'الترجمة الأدبية' ثم يتناول عددا من التجارب الشعرية والنثرية التي تنتمي إلى مختلف عصور الأدب العربي، ومختلف أجناسه، القديم منها والحديث.
يقول الدكتور أحمد درويش في مقدمة كتابه: 'إننا نواجه ظاهرة خطيرة تعاني منها الحالة الإبداعية عندنا بالفعل، وهي ظاهرة ناتجة عن ترهل الصلة بين طرفي الدائرة الإبداعية؛ وهما 'النص' و'التلقي'، وهذه الظاهرة يمكن أن يطلق عليها 'الطنطنة الإبداعية'!
وهي لا تعني انعدام الإبداع ولا نقصانه، بل قد تكون على العكس من ذلك، دلالة على كثرته وتفشيه، وهي لا تعني أيضًا الحكم عليه بالضرورة بعدم الجودة أيا كانت مقاييس الجودة التي نرتضيها ولكنها تشير إلى قلة الجدوى بالمعنى الحضاري أو الفني أو الملموس أو حتى المرتقب'...