من أعظم وثائق حقوق الإنسان
السبت / 17 / رمضان / 1447 هـ - 19:00 - السبت 7 مارس 2026 19:00
د. سالم بن سعيد البوسعيدي -
(1)
في منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي هجم النصارى من الأحباش على جزيرة سقطرى التابعة لعمان يومذاك، فاستنجد أهلها بالإمام، وصورت حالهم فاطمة الجهضمية السقطرية في قصيدتها التي أرسلتها إلى الإمام ومنها:
قــل للإمـام الذي ترجى فضائله * * ابن الكــرام وابن السـادة النجب
أمست سقطـرى من الإسلام مقفرة * * بعـد الشرائـع والفرقـان والكتب
واستبدلت بالهـدى كفـراً ومعصيةً * * وبـالأذان نواقـيساً مـن الـخشب
جارَ النصارى علـى واليـكَ وانتهبوا * * من الحريـم ولـم يألـوا من السلب
وأخرجـوا حُـرم الإسـلام قـاطبة * * يهتفـن بالويـل والأعـوال والكُربِ
قـل للإمـام الذي تُرجـى فضائله * * بـأن يـغيث بنـات الدين والـحسب
ما بال صلـتٍ ينـام الليـلَ مُغتبطاً * * وفـي سقطـرى حريـم عُرضة النهب
فجمع الأمام الجيوش، وجهز المراكب، وولى عليهم محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال، فإن حدث بأحدهما حدث فالباقي منهما يقوم مقام صاحبه، فإن حدث بهما جميعا حدث ففي مقامهما حازم بن همام وعبد الوهاب بن يزيد وعمر بن تميم، وكتب لهم كتابا بين فيه ما يأتون وما يذرون، ويقال: إن جملة المراكب التي اجتمعت في هذه الغزوة مائة مركب ومركب، فساروا إليهم، ونصرهم الله عليهم فأخذوا البلاد، وهزموا الأعداء، ورجعوا ظافرين مستبشرين.
(2)
ما يهمنا هنا أن نقف عند هذا العهد العلمي الذي زوّد به حملته العسكرية؛ فهو وثيقة علمية إنسانية حقوقية من طراز رفيع وثّقت الالتزام بالحقوق الإنسانية، وأدبيات الحرب في الإسلام موثقا تلك المعاني العالية توثيقا محكما بأسلوب رصين، وعبارة فصيحة موجزة مشفوعة بأدلة حجاجية مقنعة. بينت الفرق بين الحكومة القائمة على شرع الله وحكومات البغي والعدوان. وهذه الوثيقة سبقت المواثيق الدولية في مجالات الحرب والسلم وحقوق الإنسان بأكثر من ألف عام، حتى اعتبرت واحدة من أعظم الوثائق الإسلامية في أدب القتال والجهاد، يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد علي البار -مدير مركز البحوث الطبية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة بالمملكة العربية السعودية- في كتابه «معاملة غير المسلمين': 'تعتبر وصية الإمام الصلت وثيقة من أرقى الوثائق في الشؤون الدولية، وخاصة في كيفية محاربة الأعداء والإنذار إليهم، ومعاملتهم بالحسنى إن هم استجابوا لنداء الحق وتابوا وثابوا رغم ما فعلوه من جرائم فظيعة بالمسلمين من قتل وسفك دماء، واعتداء على الحرمات، فهم إخواننا لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فالوثيقة (العهد) تجلي حقائق كثيرة من فن التعامل الراقي وفق المنظور الإسلامي، وتتجلى من خلاله قيمة الإنسان المسلم على الخصوص وضرورة صيانة دمه وماله وعرضه بالذب عنه، ورفع الأذى ومقارعة المعتدي، ويتجلى من خلاله على العموم احترام الإنسان مهما كان جنسه أو لونه أو عرقه أو انتماؤه الديني.
ولعل كاتب العهد هو محمد بن محبوب، ونحن تطرقنا لسيرة هذا العالم العظيم إمام الحركة العلمية بعمان ورئيس أشياخ المسلمين، وكان يتولى للصلت بن مالك قضاء أهم مدينة عمانية بعد نزوى آنذاك وهي صحار قصبة عمان، بل إن الصلت بن مالك لا يطمئن لرأي وإن قال به من قال إلا إذا علم رأي محمد بن محبوب، وحين نقرأ العهد (الوثيقة) نجد بالفعل فيها روح ابن محبوب، ونظرته السامية للدين والحياة.
(3)
بلغت صفحات العهد ما يربو على الخمسة عشر صفحة، ولم يكن العهد مجرد وثيقة عسكرية، بل تضمن أحكاما فقهية، ووصايا أخلاقية، وعلاقات إنسانية رفيعة المستوى. والمتمعن في محتوى العهد يمكنه أن يحدد معالمه الكبرى:
أولا: الوصايا الإيمانية؛ فالمسحة الإيمانية جلية في العهد مبتدئا بما يمكن تسميته بذكر الله مذكرا بسطوته وقوته، والتنبيه إلى ما قام به النبي الكريم من دفع للعدوان مشددا على: الدعوة إلى تقوى الله، وتجنب ما يسخطه، والحث على التوبة من كل صغير وكبير. داعيا إلى صيانة الدين، وألا يغتروا بمفاتن الدنيا:(وصونوا دينكم، ولا تبيعوا دينكم بدنياكم ولا بدنيا غيركم، وقفوا عن الشبهات، واحرموا عن محارم الشهوات)، وكأنه أراد تنبيه الجيش إلى أنه قد تفتح لهم الدنيا بما قد يحصلون عليه من مال وغنائم من سلاح وكراع، فعليهم ألا ينسوا الهدف الأسمى، والغاية العظمى التي من أجلها سعوا وخرجوا.
ثانيا: الوصايا الأخلاقية والإنسانية العامة؛ فالوثيقة (العهد) تخبرنا عن أخلاق محمدية، منها وجوب النصرة، وحماية الأرض والعرض، والذود عن الحياض، وحفظ الدين والذمار مع مراعاة حقوق الإنسان سواء أكان مسلما أو غير مسلم، وسواء أكان في حال الحرب أو حال السلم. كما شدد على الجند ليكونوا أكثر حذرا من أن تأخذهم نشوة النصر فيبغوا بغير الحق، أو يتجاوزوا مبدأ العدل الإسلامي، أو يخرجوا عن الوصايا الإلهية في حربهم المحاربين والناكثين من النصارى مؤكدا لهم أيضا ضرورة رفع الظلم عن المسلمين، وبذل الجهد واستفراغ الوسع في تخليص نساء المسلمين من قبضة المحاربين. ولم يغفل الإمام التأكيد على قادة جيشه بضرورة الإنصاف وتحري العدل بين جميع سكان سقطرى من المسلمين إباضية كانوا أو غير إباضية اتباعا لمسلك أسلافه.
ثالثا: ذكر العهد مهام قادة الجيش؛ فبين مهمتهم وحدود الصلاحيات الممنوحة لهم، وهي: إقامة الشعائر الدينية، ومنها قبض الزكاة بالنسبة للمسلمين، وفرض الجزية بالنسبة لغير المسلمين، والمصالحة والمسالمة والمحاربة لأهل النكث من النصارى أو من حاربكم من المشركين. فالحرب ليست عبثية ولا همجية أو استئصاليه، وإنما على من حارب وأبى الصلح والعودة، فإن مال العدو إلى الصلح فالمسلمون أولى بالجنوح إلى السلام، ثم تقسيم ثلث الصدقات على أهلها، وتزويج النساء التي لا يصح لهن أولياء في مواضعهن بمن رضين به، وإقامة الوكلاء لليتامى والأغياب الذين لا أوصياء لهم.
رابعا: نصائح عسكرية استراتيجية تضمن العهد نصائح عسكرية استراتيجية مهمة؛ فقد تضمن ما يفيد أن الإمام لم يفرض على الجيش مكان النزول، لكنه مال إلى النزول قريبا من القرية الناكثة.
ومع ذلك فقد أرجع الأمر إليهم؛ لأنهم المباشرون للمنطقة، وطلب منهم المشاورة فيما بينهم، وسؤال أهل الخبرة، ثم النزول عند رأيهم، وضرورة إحكام الخطة قبل البدء بالتنفيذ، ودعا إلى ضرورة اصطفاف الأسطول البحري، وعدم تباعد سفنه إلا بقدر ما يسمع كل منهم نداء الآخر، وذلك نابع من مخافة تفرق الجيش وتفرّد العدو به، فقد لا يستطيع القادة التواصل مع كثير من الجند مما يعني غياب التنسيق، وأكثر الجند وإن كان معهم أدلاء ـ إلا أنهم قادمون من عمان لا يعلمون من أمر الجزيرة إلا قليلا، وبين ضوابط الحسم العسكري، فشدد على ضرورة التثبت ممن نقض العهد ومن لم يزل عليه من النصارى، فمن تمسّك بالعهد فهو آمن، أما من نقض العهد، وبارز المسلمين بالقتال فقد روعيت أيضا حقوقه، فيتم دعوة الناكثين للعهد إلى الإسلام، فإن رفضوا الإسلام فلا إكراه للدخول فيه، ولكن يدعون إلى الرجوع إلى العهد السابق الذي نقضوه دون مبرر، وشدد العهد على عدم قبول رجوعهم إلى العهد ما لم يتم إرجاع النساء الأسيرات إلى المسلمين، ولا عدوان على من جاء مستسلما، وإن تأخر فالعفو يشمله، ويشمل ذريته وماله، فإذا أبى الناقضون للعهد الدخول في الإسلام، ورفضوا العودة للعهد، فيكون رد العدوان بالقوة بعد رفض المعتدي التحاكم لصوت العقل والمنطق، وبعد فشل التفاوض يجب جهاد العدو بعد البينة والحجة مع مراعاة احترام حقوق الإنسان، ومنها مراعاة الضعفاء (لا تقتلوا صبيا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، إلا شيخا أو امرأة أعانوا على القتال)، ومنع التشفي والاعتداء الفاحش كالتمثيل بالجثث (ومن قتلتموه عند المحاربة فلا تمثلوا به). ووضع العهد ضوابط وشروطا لأخذ الغنائم والسبي كما بيّن ضرورة الإحسان إلى الأسرى واحترامهم، كما نهى عن قتل الفار والجريح، فليس المراد إبادة الخصوم وإنهاء وجودهم، وإنما المراد الأخذ على أيديهم، وكفها عن المسلمين، فمتى ما تحقق ذلك أمكن العفو.