بريد القراء

فالمرض ألم مذل لا يحتمل والموت ينهي كل شيء

 

'حتى المرض يصبح محببا عندما تعرف أن هناك أشخاصا ينتظرون شفاءك كما ينتظرون العيد'. - أنطون تشيخوف
البشر ليسوا بمنأى عن الإصابة بالأمراض، ولهذا يجزم الأطباء والمختصون على أن المرض هو حالة عضوية سرعان ما تنحرف عن مسارها لتصبح جزءًا من نمط نفسي يضاعف من الضغط على المريض إذا لم يجد من يهتم به أو يسأل عنه.


تلك الحالة جمع غفير من الجنس البشري يحس بها وإن كانت بدرجات متفاوتة، لكن ما يعنيها هو أن 'المرض' هو عبارة عن سهام يطلقها الجسد على هيئة آلام قد تصل إلى درجة صعوبة التعايش معها، ولهذا تجد بعض المرضى يصرخون من شدة ما يعانونه من بأس شديد.
إذا كان المرض العضوي يمكنك تقديم شكوى ضده أمام الناس، فإن ثمة شعورًا آخر يصعب وصفه، وهو أن تحمل في داخلك وجعًا لا يُحكى، ومع ذلك تتظاهر بأنك بخير بينما تتألم بصمت حتى النهاية. يقول الله عزّ وجل: 'ابتليتهم لأخفف عنهم ثم أشفي أوجاعهم، فصبراً جميلاً والله المستعان'.


رحلة الإنسان مع المرض قد تمتد لفترات زمنية متفاوتة، وهذه الأزمة الصحية قد يخرج منها الإنسان قويًا ظاهريًا، لكنه ليس بنفس القوة القديمة، هذه الحقيقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها، فبعض الذين خرجوا من أزماتهم الكبيرة يعتقدون بأن ما قد مضى لن يؤثر على قواهم، ولكن الحقيقة أن أي أزمة صحية تأخذ من قوى الإنسان جزءًا حتى ولو شيئًا يسيرًا.
تُعد فترة المرض من الفترات التي يحتاج فيها الإنسان إلى الآخرين حتى ترتفع معنوياته، ويستطيع أن يقاوم الألم، وأيضًا يخلصه ذلك الاهتمام من براثن الأفكار المظلمة التي تزاحمه وهو على فراش المرض، لكن الكثير من المرضى يصابون بخيبات رجاء قوية، فلا يجدون من يسأل عنهم أو يهتم بهم!


الجانب النفسي من أهم النقاط التي يجب أن يركز عليها المريض في رحلة الشفاء، فالضعف الجسدي قد يصاحبه ضعف نفسي، لهذا ذهب البعض للحديث عن هذا الجانب واتفقوا على أن المريض يجب أن يكون هو المحرك الأساسي لعملية الصمود.
مقولة شهيرة تقول: 'في نهاية اليوم، لا أحد يشعر بك كما تفعل أنت، عائلتك قد تجهل حجم ما يكتمه صدرك، وزملاؤك لا يرون سوى ظاهرك، والعالم لا يسمع ضجيج أفكارك في منتصف الليل، الجميع يرى النتائج، لكن لا أحد يعيش التفاصيل سواك.. لهذا قاوم وساوسك، لا تنتظر من يفهمك الجميع بل اعتنِ بنفسك، احتضن ضعفك، وكن أنت ملجأك الأول والأخير بعد الله'.


أعظم الكلمات التي استوقفتني طويلاً وأنا أفكر في شأن المرض وسؤال الآخرين عنا، قول الكاتب الكبير نجيب محفوظ عندما قال: 'لن يفتقدك أحد ما دمت لا تعني له شيئاً'. هي حكمة واقعية صادقة تلخص فكرة أن المشاعر ليست دائماً متبادلة، وأن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في مكانته لدى الآخرين، لا في مقدار اهتمامه بهم.
والمرض وإن كان شيئًا غير محبب لدى الناس فإن له جوانب أخرى عند الله تعالى، فقد ورد عن أبي داود وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: 'إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم يصبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له منه'.


لكن رعب المرض عند عباس محمود العقاد شأن آخر: 'إذا فاجأني الموت في وقت من الأوقات، فإنني أصافحه ولا أخافه، بقدر ما أخاف المرض، فالمرض ألم مذل لا يُحتمل، لكن الموت ينهي كل شيء'.
يحكي لي أحد الزملاء عن معاناته مع المرض التي امتدت لشهور، وكيف اكتشف أسرارًا خفية كانت غائبة عنه، في لجة مرضه وشدة ما يعانيه، خفت صوت هاتفه بعد أن علم زملاؤه في العمل بمرضه، لم يعد هناك سؤال عن أحواله مثلما كان وهو واقف بينهم في ردهات المكاتب، حتى الأصدقاء الذين كان يعتقد بأنهم سوف يفتقدون تواصله معهم، لم يهتم الكثير منهم بهذا الغياب، عندها أدرك ما قرأه يوماً في إحدى المذكرات القديمة: 'وأنت في قمة حزنك ومرضك، تذكر دائماً أن لا أحد في هذه المجرة يشعر بألمك، بل لا أحد يفهم حجم وجعك'.


من الأشياء التي تُذكر قول الكاتب الأردني حسن إسميك: 'مات أبي بعدما غالب المرض بضع سنوات حتى غلبه، فكانت هذه السنوات هي الأقسى عليّ وأنا أرى من أحب يتألم وتذهب عنه قوة الحياة شيئاً فشيئاً، وأنا أمامه عاجز لا يعزّيني في ألمه شيء، وقد بلغ بي القهر منتهاه فلا أستطيع ردّ المرض عنه، وعرفت كيف أنه لا يمكننا تجاوز ألم من نحب كما نتجاوز ألمنا ذاته'.
وأخيراً تبقى مرحلة المرض كاشفة لنا حجم أهميتنا لدى الآخرين، وتكشف لنا معادن من يحيط بنا، حتى وإن كان تفاعلهم مخيباً للآمال، إلا أن خيار المعرفة مؤذٍ للنفس، لكنه أفضل بكثير من الجهل.