بريد القراء

الأخلاق التي لا تموت بعد الموت

عائشة بنت غانم المقبالي

قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه:«وجدنا الكرم في التَّقوى، والغنى في اليقين، والشَّرف في التَّواضع».

وكل ما ذكره الصديق في قوله هو جزء يسير من قيمنا الإسلامية الحنيفة التي تعد البوصلة الداخلية للمبادئ الجوهرية التي ترشدنا نحو طرقات النزاهة والأمانة والاحترام وغيرها.

ما أجمل أن يكون الإنسان رائعًا في تعامله مع الآخرين! وما أروع أن يتحلى بخلق رفيع، فلا يضل في متاهات الضياع! جمال الإنسان الحقيقي ينبع من إنسانيته، المبنية على أخلاقه العالية وإيمانه بالله عز وجل، الذي يغذّي قلبه ويهذّب نفسه، ويدفعه للتمسك بآداب الفضيلة وحسن المعاملة مع الناس. فبتواضع المرء وسماحته، ينال أرقى درجات النبل والسمو في نظر الآخرين، ويترك أثرًا خالدًا في قلوب من حوله.

ورد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إن الله يعطي المال من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب».

والإنسان المسلم ينهل القيم الرفيعة من إيمانه بالله تعالى ومن نعمته عليه، وعندما يتمسك بما جاء في كتابه الكريم وبسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، يزداد قلبه راحة وسكينة، ويصبح شخصًا عارفًا بحقوقه، مؤديًا لواجباته على أكمل وجه، متزنًا في سلوكه، وراقيا في أخلاقه ومتصالحا مع نفسه وغيره من الناس، لهذا قال ابن القيم -رحمه الله عليه -: «شجرة الإيمان أصلها ثابت في القلب، وفروعها من الكلام الطيب والعمل الصالح في السماء، فلا تزال هذه الشجرة تُخرجُ ثمرها كلَّ وقتٍ بإذن ربّها من طيب القول وصالح العمل مما تقرُّ به عين صاحب الأصل وعيون حفظته وعيون أهله وأصحابه ومن قرُب منه».

إن ديننا الإسلامي الحنيف يدعونا إلى التمسك بكل القيم الإسلامية النبيلة التي تقربنا من الله أولًا، ومن الناس ثانيًا.

فكلما كان الإنسان لطيفًا مع غيره، قريبًا منهم، مراعيًا لحرمات الله، زاده الله محبة وأنزل عليه ثوب السكينة والوقار، ورضي عنه فأرضاه. وقد ذكر أحد المختصين أن:

«القيم الإسلامية منظومة شاملة من الخصائص والصفات التي توجه سلوك الفرد نحو الطريق الصحيح، فهي ككفة الميزان التي تزن الأشياء بدقة سواء كانت من الناحية الشخصية أو الاجتماعية. لذا، فإن تعدد القيم الأخلاقية يمنح الإنسان شعورًا نادرًا بالطمأنينة النفسية، والسمو الأخلاقي الرفيع، والاستقرار الاجتماعي الذي لا غنى عنه في هذه الحياة الفانية». وأجمع علماء الدين على أن القيم الأخلاقية تغرس في النفس صفات عدة، منها: التوحيد، والعدل، والرحمة، وهي جميعها تبني الشخصية المسلمة الصالحة والمسؤولة، التي تعزز أواصر التضامن المجتمعي بين أفراده، وتحافظ على حقوق الأفراد، وتضمن لهم كرامتهم وفق نهج معتدل ومتساوٍ بين الجميع.

ومن القيم الجميلة في هذه الحياة الترفع عن الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق. فهناك من الناس من يصف الأخلاق بالروح التي لا تموت بعد الرحيل! وما أجمل أن يسير الإنسان بين الناس ويفوح منه عطر أخلاقه، وسمو معانيه وآدابه!  لهذا يدعو العقلاء الناس إلى جعل أعمارهم لا تنتهي «بموتهم»، بل تظل أعمالهم خالدة، ويظل أثرهم الطيب باقيا في كل مكان وجدوا فيه، حتى وإن التهمهم ظل الغياب وكتب عليهم الفناء.

ومنذ الأزل، ركز الفلاسفة والأدباء والنجباء في العالم -عند تقديم نصائحهم- على أهمية التمسك بالقيم الإنسانية الرفيعة.

ومن بين تلك الأسماء، الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي يقول: «الإنسان لا يتطور بالطبع فقط، بل يتطور بالأخلاق والروح».

وفي المقابل، أكد الكتاب والشعراء العرب عبر العصور أن القيم والأخلاق هي أساس بقاء الأمم وعزة الإنسان على وجه الأرض، حيث اعتبروها «ميزان الجوهر» وتاج الوقار، فليست مجرد تصرفات عابرة تنتهي مع غياب قرص الشمس.