أعمدة

منظور خاص..

من المسلم به أنه لا يوجد إنسان طبيعي يظل مسلوب الإرادة على مساري خطي حياته الأفقي والرأسي، ومعنى هذا أن أي إنسان كان؛ خرج عن هذه الحقيقة، فهو فعلا غير طبيعي، فإما أن يكون به إعاقة بيولوجية منذ خلقته الأولى؛ لحكمة يعلمها الله عز وجل، وإما أن يكون قد تعرض لظرف قاس غير إرادي إما بتبنيه سلوكا غير سوي، وإما أن هناك من مارس عليه هذا الظرف، فأفقده طبيعته التي نشأ عليها، فحولته إلى إنسان مشوه «ذهنيا» ولذلك جاء الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» -أو كما قال-، فهذا الاستكراه هو الذي أفقده طبيعته الإنسانية، وحوله إلى الاستثنائية التي تضعه في موضع المعفي عنه في كثير من الأحكام، ومعنى هذا فالإرادة الذاتية هي محور السلامة الذهنية والتي تترجم إلى أفعال وأقوال مقبولة تعكس حقيقة الإنسان السوي، وما شذ عن ذلك وقع في مأزق الحكم بعدم الأهلية.

ولذلك ففي كثير من المواقف ينظر إلى «المنظور الخاص» على أنه يشكل موقفا يعبر عن قوة شخصية صاحبه «إذا كنت ذا رأي؛ فكن ذا عزيمة؛ فإن فساد الرأي أن تتردد»، ويحتكم على الحقيقة الذهنية للفرد من خلال ما يعكسه «المنظور الخاص» من أقوال وأفعال، فإن توافقت هذه الأقوال والأفعال مع المتعارف عليه بين الجماعة الواحدة، فذلك يؤكد أن صاحبها صحيح الإرادة، متزن الفهم، يقبل منه الكثير من السلوكيات والأقوال، وإن شذ عن ذلك، فتوضع عليه علامات استفهام كثيرة، صحيح أن «المنظور الخاص» ليس شرطا أن يحقق الاعتدال المطلق في الأقوال والأفعال، فقد يجنح صاحبه عن كثير مما يوده الآخرون من حوله، فهو يعبر عن ذاته، ولكن هذا الجنوح لن يعبه في شيء إذا لم ينحرف انحرافا تاما عن ما هو متعارف عليه، فصاحب «المنظور الخاص» أيضا لن يكون إمعة بالمطلق «إن أساؤوا أساء، وإن أحسنوا أحسن»، لذلك قد يكون في موقف ما من سلوكياته وأقواله على أنه تسلط ونرجسية، وأن صاحبه لا يصطف مع الآخر برأي الجماعة في توافق تام، وهذا الأمر غير معيب على الإطلاق.

تسعى بعض الأسر من خلال نظام تربيتها لأبنائها على تربية الطفل على الاستقلالية، وتحييد شخصيته عن التماهي في شخصيات الآخرين، حتى لو كانوا أقرب الناس إليه، وفي ذلك سعي إلى الوصول إلى مفهوم «المنظور الخاص» وهذا البناء التربوي، قد لا يكون واضحا في بدايات التنشئة، ولكنه يتبلور تلقائيا مع تقدم العمر، وتراكم الخبرة لدى الفرد، سواء كان على مستوى محيطه الأسري، أو على مستوى محيطه الاجتماعي الكبير، ومن صور «المنظور الخاص» أن تكون هناك مراجعات مستمرة من قبل صاحبه، فهو ليس آلة ميكانيكية تعمل وفق أمر ضابط (1-2) وإنما هناك آلة ذهنية متوقدة تضيف الكثير من القناعات، وتحذف الكثير منها أيضا، وهذا من صفات الإنسان السوي، حتى يتحرر من مفهوم «الإمعة» المهينة، فـ«المنظور الخاص» هو الذي يتيح لصاحبه «خط رجعة» لكثير من المواقف التي يتعرض لها، وهذا أمر في غاية الأهمية في بناء الذات الفردية للإنسان، ولذلك تحضر الاستقلالية بشكل لافت في مفهوم «المنظور الخاص» وذلك مرده إلى استقلالية الرأي في اتخاذ موقف ما: استقلالية التنفيذ، استقلالية التحرر من الضغوط الجانبية المؤثرة على القرار، القدرة على التصرف السريع في المواقف الصادمة أو الحرجة.

يلعب الوعي الذاتي دورا محوريا في «المنظور الخاص» وذلك أن البنية الذاتية المتكونة من خبرة الحياة والتحصيل المعرفي المتعدد الأوجه؛ تساهم بدور كبير في ترسيخ القناعات وتعدد الرؤى، وتنوع الأفكار، وهذا الوعي يأتي في مرحلة متأخرة من تجربة الحياة التي يمر بها الإنسان عبر مراحل العمر المختلفة، وهو -بلا شك- يعضد من مستوى القوة الذاتية لـ«المنظور الخاص» ولذلك ليس من اليسير إطلاقا أن تمارس على صاحبه أدوارا يفهم منها على القبول المطلق لأي ناعق، فالآلة الذهنية وقادة تعيد تشكيل القناعات ودراستها، فإن هي وافقت «المنظور الخاص» كان بها، وإلا فمصيرها الرفض المطلق.