صور من التفاعل الحضاري العماني في سير ابن محبوب
ذخائر المحبرة العمانية
الجمعة / 16 / رمضان / 1447 هـ - 19:27 - الجمعة 6 مارس 2026 19:27
سبق أن تحدثنا عن فن السير عند العمانيين بداية من ابن ذكوان، ووقفنا عند ابن محبوب -ولعله أبرز أعلامها المتقدمين- ليس لكثرة سيره وجواباته فقط، بل لقيمة تلك السير وأهميتها، كما أننا لا يمكن أن نغفل عن أمر مهم؛ فرغم أن الرجل مختلف في مكان ولادته بين صحار ومكة والبصرة -والأرجح أن يكون في الأخيرة-، إلا أن له إسهاما بارزا في المشهد الثقافي والفكري والسياسي العماني؛ فهو تلميذ موسى بن علي بن عزرة، وهو أستاذ العلماء الأكابر في عصره ومن بعده، فنحن باختصار في حضرة العلامة محمد بن محبوب الذي وضع له العمانيون مثلا سائرا في سعة العلم، فقالوا: «ما علم محمد بن محبوب». كنت وأنا صغير أسمع من والدي ذلك حين يستهجن من فتاوى أو كلام، وأتساءل من هو محمد بن محبوب؟ كنت أظنه النبي المحبوب محمد، وحين سألت مرة والدي فقال: بل هو عالم عماني ضخم كبير كبير كبير. كان بالفعل يضغط بشفتيه وهو يردد كلمة كبير، فكان يأخذني إلى خيال رحب، لأتصور هذا العالم الضخم الكبير: كبير في السن أم المكانة، ضخم الجثة أم ضخم الترجمة؟
ولعل سير ابن محبوب توضّح ذلك الدور الدعوي والتوعوي الذي اضطلع به، فقد أسس مدرسة علمية، وكان مجتهدا لا مقلدا له آراؤه التي تفرد بها، متأثرا بصحار التي ازدهـرت في عهـد الإمـام الصلـت اقتصاديـا، فأصبحت وجهـة للتجـار مـن كل مكان، فتلاقت فيها الأفكار وتعددت الآراء، وفوق ذلك التنوع الذي أثر في شخصيته ومنهجه، فقد كـان له منهج رائع في الفتـوى يـدل عـلى اليسر والسعة، وعـلى تقبـل الـرأي الآخـر، كما يعطـي طـريقـا واضحا للمفتـي في إفتائـه النـاس، مستحـضـرا قـول إمامـه وائـل بـن أيـوب: 'ليس العـالم مـن يفتي الناس بورعه، ولكن العالم من يفتي الناس بما يسعهم'. فكـان إذا جـاءه رجـل يـسأله عـن أمـر يـرى فـيـه التـحـريـم، يقـول: 'اكتبـوا لـلقـاضي لعـلـه يجيـب بالإباحـة'.
وتخرّج في مدرسة ابن محبوب أكابر علماء أهل عمان مـن مثـل: ابنـه العلامـة أبـو محـمـد عبـدالله بـن محمـد وهـو والـد الإمـام سـعـيـد بـن عبـدالله، وابنـه أبـو المنـذر بـشـير بـن محمـد، والعلامـة أبـو عـلي موسـى بـن موسى الأزكـوي، والعلامـة أبـو معاويـة عـزان بـن الصقـر، والعلامة الفضل بن الحواري، والعلامة محمد بن جعفر الأزكوي، والإمام عزان بن تميم، والعلامـة أبـو المؤثـر الصـلـت بـن خميــس، والعلامة أبو قحطان خالد بن قحطان الخروصي وغيرهـم
توفي العلامـة محمـد بـن محبـوب في عهـد الصـلـت بـن مالـك في مدينـة صـحـار في يوم الجمعة الثالـث مـن مـحـرم سنة ٢٦٠ للهجـرة، وقبره مشهور في ولايـة صـحـار، وصلى عليـه الـوالي غـدانـه بـن مـحـمـد بـن يـزيـد.
(2)
وقفنا عند تلك السير في قراءة إجمالية قراءة، والآن نقف عند بعضها، ومنها سيرته إلى أهل المغرب، وكانت في عهد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن. وقد عالجت السيرة حوالي 53 مسألة موجهة من أهل المغرب إلى ابن محبوب لمعرفة رأيه في موضوعات متعددة أجاب عنها مسألة تلو الأخرى مبتدئة بذكر أحوال الجماعة بالمشرق والمغرب، والدعوة إلى الالتزام بالتقوى، وذكـر حقيقة عقد الإمامة، ومسائل تتعلق بالاجتهاد وشروطه، وأحكـام الـعمّـال وتعاملهم مع الرعية، والاضطلاع بالقضاء وما يطرأ عليه، وفي أمـور الزكـاة وكيفية جمعها، واجتماع إمامين في مصر واحد، وغيرها من المسائل'. وهذه الرسالة لها قيمة دستورية كبيرة.
**
أما سيرته إلى أهل حضرموت فقد أرسلها إلى الإمـام أحمـد بـن سـليـمان إمـام أهـل حـضرموت في عهـد الإمـام الـصـلـت ابـن مـالـك لما وقعـت الفـتن وظـهـر فـيـهم الفساد، وأرادوا عـزل إمامهم، وتقـديـم إمـام غـيـره مـن غـيـر ذنـب يـذكـر، فـكـتـب إلـيهـم مـستهلا بقوله: 'إلى الإمـام أحمـد بـن سـليـمان المبـتـلى بـأمور أهـل حـضرموت ومـن قبلـه مـن المسلمين مـن الإمـام الـصـلـت بـن مـالـك المبتلى بـأمور أهـل عمـان، ومحمـد بـن محبـوب ومـن قبـلـه مـن المسلمين سـلام عليكم؛ فإنـا حمد إليكم الله الـذي لا إله إلا هـو، وصلى الله على محمـد النبي وعـلى جميـع النبيين، ونوصيكم بتقوى الله ولزوم طاعتـه بـما فـرض'. وتقع الرسالة في إحـدى عشرة صفحة تحث على الجهاد والالتزام بالـدين، والخـوف مـن الجليـل والرجـوع إلى الحـق المتين، وتنتهـي بقوله: '...واعـزم عـلى ذلـك إن شـاء الله، واستعن بــالله وتوكـل عـليـه، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله عـلـى محمـد النبـي، وعـلى جميع النبيين والمرسلين والسلام عليكم ورحمة الله'. وهـذه الرسـالـة مـن أمتـع مـا تقـرأ في الوعظ والإرشاد، وتعـد مـن عيـون الأدب الراقي في تلك القرون الأولى، وخاصة الديباجة والمقدمة التي استفتح بها حديثه.
**
أما سيرته إلى المهنا بن جيفر فهـي سـيرة أرسـلـهـا إلـيـه ابـن محبـوب في نصيحته وبيـان مـا يـنكـر عليـه
منهـا: '...وأنـت -رحمك الله- عزيـز عـلينـا عتبـك شـديد علينـا، وقـد عرضـنـا وإيـاك لخطـب شـديد، ونحـن وأنـت مـسؤول بعـضنـا عـن بعـض، وحـق عـلينـا مناصحتك في الغيب والشهادة... اعلـم أنـه قـد كـان هـذا الحـرق وأخـذ الأمتعـة وسـفـك الـدماء بغير حلهـا، وعليـك إظهـار الإنكـار لـذلك، والطلـب لـمن فـعـلـه حتـى يعلـم النـاس، ويعـلـم مـن فـعـل ذلـك أن الحق معك معروف، وأنك مؤثره على ما سواه'. ولعل الأمور التي ذكرها في هذه الرسالة هي نفس الأسباب التي جعلته يتبرأ منه عندما أراد استتابته، لكـن الإمام المهنا رأى بحنكته السياسية في الإدارة والحكم عدم الاستجابة لتلك النصيحة المسداة إليه.
**
وإذا تأملنا سيرته إلى أبي زياد خلف بن عزرة نجدها قصيرة في حـوالي خمس صفحات يجيب فيها خـلـف بـن زيـاد في أمـر الولايـة والبراءة، وتبـدأ بقولـه: 'ســلام عليـك، فـإني أحمـد إليـك الله الـذي لا إلـه إلا هـو، وأوصيك بتقـوى الله وتـرك تنفيـذ أحكـام الهوى، والخروج بالعدل من جور سلطان الغضب... '. وتنتهـي الرسـالة بـ'... فقـد بينـت لـك جمـلا فيهـا كفـايـة إن شـاء الله لمــن أراد الله هــداه، والأخبــــار في الكتــب تطـــول؛ فهـــدانا الله وإيــاك لمـا اخـتـلـف فـيـه مـن الحـق بإذنـه، والله يـهـدي مـن يـشاء إلى صراط مـــــــستقيم، والسلام عليكم ورحمة الله'.
**
تلك سير من نوع الرسائل النصحية والعلمية، أما رسائل العهود فكثيرة، منها عهده إلى غسان بن خليد، وذلك حين بعثـه والـيـا عـلى هـجـار باسـم الإمـام الـصلت بـن مـالـك: 'هـذا عـهـد عـهـده الإمـام الـصـلـت بـن مـالـك لغـسـان بـن خليـد حـيـن بعثـه والـيـا عـلى هـجـار: إني أوصيك بتقوى الله في سرك وجهـرك، وأن تكـون عـلى أمـر الله حـدثا في مرضـاته راغبـا... وإن ارتبـت فـرد العهـد إلي إن شـاء الله تعالى، والحمـد لله وصـلى الله عـلى سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما'. وهـذا العـهـد يقـع في نحـو عـشـر صـفحات ينـصـح فـيـه الإمـام الـصلت غسان بن جليـد بالعـدل في الأحكام، والامتناع عـن إقامة الحـدود حتى يرجـع إليـه ويأخـذ الإذن منـه، وأمـره بأخـذ الجزيـة مـن أهـل الذمـة، وإظهـار الـشدة والتخويـف لأهـل البدعـة، وغيرهـا مـن أمـور السياسة.
**
ومن العهود عهده إلى الجيش الذي أرسله الإمام الصلت إلى سقطرى، وهو عهد مهم، نفرد له مقالا كاملا بعون الله.