الصين تنتظر فتنتصر: صعود بكين الهادئ
كايل تشان - ترجمة: نهى مصطفى
الخميس / 15 / رمضان / 1447 هـ - 22:17 - الخميس 5 مارس 2026 22:17
من أبرز مزايا الولايات المتحدة في مواجهة الصين قوتها الناعمة، أي قدرتها على إقناع الدول الأخرى، خصوصا الحلفاء والشركاء، بتبنّي مواقفها دون اللجوء إلى الإكراه. فعلى مدى عقود، قبلت دول كثيرة تحمل أعباء دعما لواشنطن، انطلاقا من قناعتها بأن الشراكة معها أجدى على المدى الطويل من التقارب مع بكين. شكل ذلك مكسبا متبادلا للولايات المتحدة وشركائها، إذ ازدهر الطرفان عبر منظومات الدفاع الجماعي، وتكامل الأسواق، وتنسيق الجهود لمواجهة التحديات المشتركة، بما في ذلك التعامل مع الصين.
هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنهاء جزء كبير من هذا التعاون. فالولايات المتحدة، التي كانت تشكل ركيزة النظام الدولي، أصبحت الآن مصدرا رئيسيا لعدم الاستقرار الجيوسياسي. شن ترامب حربا تجارية عالمية، وفرض تعريفات جمركية عشوائية على الحلفاء والخصوم على حد سواء، ومارس ضغوطا على شركائه القدامى. أمر باعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، مما أثار مخاوف من أن القواعد السيادية لم تعد سارية، وهدد بالاستيلاء على أراضي الحلفاء.
دفعت هذه التحركات العديد من شركاء الولايات المتحدة وحلفائها إلى التوجه نحو الصين كبديل. لكن الصين لا تسارع إلى استغلال الشرخ في علاقات الولايات المتحدة. لم يتغير نهجها منذ بداية ولاية ترامب الثانية، تمارس بكين ما دأبت عليه: محاولة إخضاع الدول الأخرى لمصالحها الخاصة من خلال مزيج من الترغيب والضغط لخدمة مصالحها. في الواقع، الصين لا تقل براجماتية عن إدارة ترامب، إلا أن ما يميزها هو قدر أكبر من القابلية للتوقع، ما يتيح للدول فهم قواعد التعامل معها، حتى إن كان عرضها أقل جاذبية مما تستطيع الولايات المتحدة تقديمه. وإذا استمرت واشنطن في نهجها المتقلب، فلن تضطر الصين إلى تعديل سياستها، بل ستستفيد من تآكل شبكة تحالفات الولايات المتحدة.
كانت كندا، إحدى أقرب حلفاء الولايات المتحدة، شريكا وثيقا لجارتها الجنوبية. وتعرضت أوتاوا لضغوط من بكين لوقوفها إلى جانب الولايات المتحدة في قضايا تتعلق بالصين. ففي عام 2018، على سبيل المثال، ألقت كندا القبض على مينج وان تشو، المديرة المالية لشركة هواوي، عملاق الاتصالات الصيني، وابنة مؤسسها، بناء على طلب من الولايات المتحدة بموجب معاهدة تسليم المجرمين المتبادلة، وذلك بتهمة انتهاك العقوبات الأمريكية. وجاءت العواقب على كندا سريعة وقاسية، ردت الصين بحظر استيراد لحوم الخنزير ولحم البقر الكندي لعدة أشهر، وبذور اللفت الكندية لثلاث سنوات. كما جمدت الصين العلاقات الدبلوماسية مع كندا، التي كانت تشهد تحسنا ملحوظا. والأكثر إيلاما، أن السلطات الصينية احتجزت مواطنين كنديين، هما مايكل كوفريج ومايكل سبافور، لمدة ثلاث سنوات تقريبا إلى أن سُمح لمينج بالعودة إلى الصين.
في عام 2024، عادت كندا إلى تحالفها مع واشنطن بانضمامها إلى الولايات المتحدة في فرض تعريفة جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية. كان هدف إدارة بايدن حماية صناعة السيارات في أمريكا الشمالية من منافسة الشركات الصينية. تحملت كندا وطأة رد بكين، الذي شمل فرض رسوم جمركية على صادرات كندية بقيمة 2.6 مليار دولار، بما في ذلك المحاصيل واللحوم والأسماك. ورغم أن كندا كانت لديها أسبابها الخاصة لاحتجاز مينج وفرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية الصينية، إلا أنها دفعت ثمنا باهظا لتحالفها مع الولايات المتحدة بشأن الصين.
عندما أُعيد انتخاب ترامب لولاية ثانية، بات واضحا لأوتاوا أنها لن تُكافأ على ولائها للولايات المتحدة. فبصفته الرئيس المنتخب، هدد ترامب بضم كندا وبدأ يطلق عليها بازدراء لقب «الولاية الحادية والخمسين». وما إن تولى منصبه، حتى فرض ترامب تعريفات جمركية على البضائع الكندية وهدد بتفكيك سلاسل التوريد المتشابكة في أمريكا الشمالية، والتي بنيت على مدى عقود من الثقة والشراكة الاقتصادية.
كان الكنديون على حق في غضبهم. ففي عام 2025، ووفقا لاستطلاعات «مركز بيو للأبحاث»، انخفضت نسبة من ينظرون إلى الولايات المتحدة نظرة إيجابية إلى أدنى مستوى لها منذ أن بدأ مركز بيو بجمع هذه البيانات في عام 2002. وقاطع الكنديون مشروب البوربون من كنتاكي وعصير البرتقال من فلوريدا. وتوقف الكثيرون عن السفر إلى الولايات المتحدة، وبدأ قادة أوتاوا أيضا في الابتعاد عن الولايات المتحدة.
في يناير من هذا العام، أصبح مارك كارني أول رئيس وزراء كندي يزور الصين منذ ما يقرب من عقد من الزمان. أعلن كارني، خلال زيارته لبكين، عن إبرامه اتفاقا مع الصين لخفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية مقابل خفض الرسوم الجمركية على السلع الكندية وإعفاء الكنديين الزائرين للصين من تأشيرة الدخول. وأكد كارني أن كندا «تؤسس شراكة استراتيجية جديدة مع الصين»، ووصف علاقة كندا ببكين بأنها «أكثر استقرارا» من علاقتها بواشنطن.
لا تنفرد كندا بمحاولات تحسين العلاقات مع الصين. ففي ديسمبر، استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقبالا حافلا في الصين. وفي يناير، أصبح لي جاي ميونج أول رئيس كوري جنوبي يزور الصين منذ نحو سبع سنوات، وكير ستارمر أول رئيس وزراء بريطاني يفعل ذلك منذ ثماني سنوات. هذه الزيارات ليست رمزية فحسب، فبعد سنوات من اتخاذ خطوات لتقليل المخاطر مع الصين، يفكر بعض حلفاء الولايات المتحدة في تقليل المخاطر مع الولايات المتحدة أيضا، آملين أن تساعدهم الصين في سد هذه الفجوة. لكن أي شخص يتوقع حملة دبلوماسية من بكين سيصاب بخيبة أمل كبيرة. فخلال إدارة ترامب الأولى، تساءل العديد من المراقبين عما إذا كانت بكين ستغتنم الفرصة لملء الفراغ الذي خلفه تقلب الولايات المتحدة في الشؤون العالمية. وفي عام 2017، عزز الرئيس الصيني شي جين بينج هذه الآمال بإلقائه خطابا شاملا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس دفاعا عن العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف.
تتبنى بكين شكلا عقلانيا باردا من أشكال الجغرافيا السياسية، ساعية إلى استخدام الحوافز للتأثير على سلوك الدول الأخرى لصالحها. ورغم أن جميع القوى العظمى تفعل ذلك إلى حد ما، إلا أن الصين أكثر تركيزا على المصالح المتبادلة من معظمها. فعلى مدى عقود، دعمت الولايات المتحدة مجموعة واسعة من المنافع العامة العالمية التي استفادت منها أيضا، مثل الضمانات الأمنية عبر شبكات التحالفات وتوسيع التجارة الدولية. في المقابل، يميل نهج الصين إلى الارتباط الوثيق بمصالحها الاقتصادية والإقليمية الأساسية.
ومع تطور الاقتصاد الصيني، أصبحت المزايا التي يمكن أن تقدمها بكين أكثر جاذبية. إذ يمكنها مكافأة الدول على السلوك الذي ترغب في تشجيعه - كتأييد موقفها من تايوان أو التزام الصمت حيال القمع في شينجيانج - بمشاريع بنية تحتية ضخمة مدعومة بتمويل حكومي صيني. كما يمكنها تشجيع الشركات الصينية على إنشاء مصانع في دول أخرى، مما يخلق فرص عمل محلية في قطاع التصنيع ويساعد الدول على بناء صناعاتها المحلية، لا سيما في مجال التكنولوجيا النظيفة. فعلى سبيل المثال، أنشأت شركات صينية مصانع للسيارات الكهربائية في البرازيل وأخرى للبطاريات في المجر. كما يمكن للصين أن تستغل مكانتها كثاني أكبر مستورد في العالم لشراء المزيد من السلع، وخاصة المنتجات الزراعية أو المواد الخام، من الدول التي تنفذ أوامرها.
تزايدت قدرة الصين على الضغط على الدول الأخرى بالتوازي مع تنامي قوتها الاقتصادية. ولى زمن اقتصار قدرة الصين على حظر الواردات أو الحد من تدفق السياح الصينيين إلى دولة أساءت إليها. اليوم، بات بإمكانها استخدام سيطرتها المحكمة على سلاسل التوريد الحيوية لتحقيق مآربها. تعالج بكين أكثر من 90% من العناصر الأرضية النادرة في العالم، والتي تحتاجها دول العالم للصناعات المتقدمة. ومع تصاعد الحرب التجارية بين بكين وواشنطن عام 2025، قيدت الصين بيع العناصر الأرضية النادرة للولايات المتحدة ومعظم دول العالم، ما دفع ترامب للتراجع عن مطالبه بفرض أعلى الرسوم الجمركية. كما استغلت الصين مخزونها من الرقائق الإلكترونية لتعزيز مصالحها، ففي سبتمبر، سيطرت الحكومة الهولندية على شركة نيكسبيريا، وهي شركة لتصنيع أشباه الموصلات مقرها هولندا، خشية أن ينهي مالكها الصيني عمليات الشركة في أوروبا. وردا على ذلك، قطعت الصين إمدادات رقائق السيارات عن أوروبا، ما دفع الحكومة الهولندية إلى التراجع عن موقفها.
في نواحٍ عديدة، يشبه تعامل بكين مع العالم نهج ترامب: فبكين انتهازية، غير عاطفية، وقاسية أحيانا، لكنها أيضا شديدة التكيف. تتجنب القيم السامية لصالح إبرام الصفقات البراجماتية، والفرق الجوهري هو أنه على عكس الولايات المتحدة في عهد ترامب، فإن الصين يمكن التنبؤ بها. توضح بكين ما تريده. يكرر المسؤولون الصينيون نفس الخطوط الحمراء بشأن قضايا مثل تايوان. وعادة ما ترتبط المكافآت أو العقوبات التي تفرضها بكين بسلوكيات ملموسة، فكلما أُبرمت صفقة أسلحة أمريكية مع تايبيه، أو زار زعيم أمريكي تايوان، على سبيل المثال، تجيب بكين بجولة أخرى من المناورات العسكرية حول الجزيرة.
دربت بكين العالم على توقع ردود أفعالها. على النقيض، عندما يطلق ترامب تصريحات نارية، غالبا ما تكون مطالبه المحددة غامضة، وقد يغير شروط الاتفاق لاحقا. لنأخذ مثال كوريا الجنوبية، في أكتوبر الماضي، تعهدت باستثمار 350 مليار دولار في الولايات المتحدة كجزء من اتفاقية تجارية أوسع. إلا أن سيول فوجئت في يناير بفرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية جديدة، لأنها، في نظر إدارة ترامب، لم تنفذ الاتفاق بالسرعة الكافية.
تقدم الصين للعالم استقرارا، لا بديلا أكثر سخاء عن القيادة الأمريكية. تستطيع الصين تزويد حلفاء الولايات المتحدة بالاستثمارات، والوصول إلى أسواقها، والمساعدة في تحسين القدرة التنافسية لبعض الصناعات، مثل صناعة السيارات الكهربائية. من جانبها، تأمل بكين في بيع المزيد من المنتجات الصينية في الخارج وتأمين إمدادات بعض التقنيات، مثل مكونات صناعة أشباه الموصلات، مع منع الدول الأخرى من التدخل فيما تعتبره شؤونها الداخلية، بما في ذلك تايوان.
يقيد انعدام الثقة والقيم المشتركة نطاق وعمق أي شراكة. لكن بإمكان الصين وحلفاء الولايات المتحدة القدامى، على نحو واقعي، بناء شبكات تجارية وإمدادية جديدة قد تستبعد الولايات المتحدة. لا تسعى بكين جاهدة لاستغلال فوضى ترامب، لأنها ليست بحاجة لذلك. بإمكانها اتباع النهج نفسه الذي دأبت عليه: التعاون حيثما أمكن، والرد عند الضرورة، مع مراعاة مصالحها الوطنية دائما.
في نهاية المطاف، يتحمل ترامب النصيب الأكبر من مسؤولية تقويض الثقة بالولايات المتحدة ودفع دول عدة إلى الاقتراب من الصين. ويتعين على واشنطن بذل جهد جاد لاستعادة ثقة حلفائها، وإلا فإنها تخاطر بخسارة أبرز عناصر تفوقها على بكين: قوتها الناعمة.