"صحاب الأرض".. دراما هزت الوجدان جسدت الحرب والإنسان
الخميس / 15 / رمضان / 1447 هـ - 19:46 - الخميس 5 مارس 2026 19:46
في الأخبار قد يُختَصر الحدث بجملة بسيطة: 'قصف منزل أدى إلى استشهاد ثمانية وإصابة خمسة'، لكن خلف هذه الجملة تختبئ قصص إنسانية لا تروى: حضن لم يكتمل، وكلمات وداع لم تُقَل، ولحظات عائلية توقفت فجأة.. هذا الإدراك هو ما دفع صنّاع المسلسل إلى التركيز على التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي تضيع عادة في لغة الأخبار. فقد أشعل مسلسل 'صحاب الأرض' منصات المشاهدات والتواصل الاجتماعي باستحقاقه أن يكون أكثر الأعمال إثارة للنقاش والتفاعل على امتداد العالم العربي، كما بلغ صداه إلى العالمية. وانتهى عرض حلقات المسلسل بأربع عشرة حلقة أمس، وتم ختامه بحلقة وثائقية تجسد فكرة العمل.
اختار صنّاع المسلسل الاقتراب مباشرة من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية إلحاحا في السنوات الأخيرة، وهي مأساة المدنيين في قطاع غزة، وتجسدت التجربة الدرامية بتقديم سردية للحرب سعى من خلالها إلى بناء حكاية إنسانية متشابكة تدور في قلب الدمار، حيث تتقاطع مصائر مدنيين وجدوا أنفسهم في مواجهة القصف والحصار وانهيار الحياة اليومية. وحاول العمل من خلال هذه الشخصيات أن يقدم صورة لمعاناة المدنيين بعيدا عن الشعارات السياسية، مقتربا من التفاصيل اليومية الصغيرة التي تكشف الوجه الإنساني للحرب.
وجاءت بطولة المسلسل ضمن مجموعة من نجوم الدراما العربية في مقدمتهم منة شلبي وإياد نصار، إلى جانب كامل الباشا وآدم بكري وتارا عبود وسارة يوسف وعصام السقا وديانا رحمة وإياد حوراني، وعدد من ضيوف الشرف والممثلين الشباب منهم يزن عيد والطفل سمير محمد. أما الإخراج فحمل اسم المخرج المصري بيتر ميمي، وكتب عمار صبري المعالجة والسيناريو والحوار، وقام بتطوير السيناريو محمد هشام عبية.
حكاية تبدأ من قلب الحرب
تدور أحداث المسلسل على خلفية الحرب التي شهدها قطاع غزة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث يجد سكان القطاع أنفسهم في مواجهة واقع إنساني بالغ القسوة يتداخل فيه الخوف اليومي من القصف مع نقص الغذاء والدواء وانهيار البنية التحتية. وفي قلب هذه الأحداث تبرز شخصية الطبيبة المصرية سلمى التي تؤدي دورها منة شلبي، حيث تصل سلمى إلى غزة ضمن قافلة إغاثة طبية مدفوعة برغبة إنسانية في تقديم المساعدة للمدنيين الذين يعيشون تحت وطأة الحرب. ولكن تتحول المهمة الإنسانية التي جاءت من أجلها تدريجيا إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، فتجد نفسها عالقة داخل القطاع مضطرة للتعامل مع واقع يومي يتجاوز كل ما كانت تتخيله.
وهناك تلتقي سلمى برجل فلسطيني يدعى ناصر يجسده الفنان إياد نصار. يعيش ناصر مأساة بعد تعرض منزل عائلته للقصف، وهو ما جعله مسؤولا عن رعاية ابن شقيقه الطفل يونس الذي وجد نفسه فجأة بلا مأوى آمن في عالم يتداعى من حوله. ليقدم المسلسل أحد محاوره الإنسانية الرئيسية من خلال العلاقة التي تنشأ بين سلمى وناصر، حيث يتحول التعاون من أجل النجاة إلى علاقة إنسانية تتشكل في قلب المأساة، وتتقاطع حياة الشخصيتين وسط سلسلة من الأحداث التي تكشف قسوة الحياة تحت القصف، حيث لا مكان آمن، ولا ضمانات للبقاء. ومع مرور الحلقات تتطور الحكاية لتكشف كيف يمكن للإنسان أن يتمسك بالأمل حتى في أكثر اللحظات ظلاما.
رحلة وسط الدمار
يجد الأبطال أنفسهم في مواجهة قرارات مصيرية تتكرر مع تصاعد العمليات العسكرية وتكرار أوامر الإخلاء، فيضطر المدنيون إلى النزوح من مكان إلى آخر بحثا عن مأوى مؤقت، وتتجلى المعاناة عندما يضطر ناصر وسلمى ومَن معهم إلى مغادرة مدرسة تابعة لوكالة الأونروا كانوا قد لجأوا إليها، ثم يأتي قرار الإخلاء من الجيش الإسرائيلي، ليجدوا أنفسهم مرة أخرى في رحلة نزوح محفوفة بالخطر. وتتحرك المجموعة في سيارة إسعاف، بصحبة الطفل يونس، وامرأة فلسطينية تدعى فدوى تؤدي دورها الفنانة سارة يوسف وهي حامل في شهورها الأخيرة، ليبدأ مخاضها وسط القصف والدمار، وتضطر الطبيبة سلمى إلى مساعدتها على الولادة في ظروف قاسية.
ينجح الفريق في إنقاذ الطفل الذي يولد وسط الظروف الصعبة، وأطلقوا عليه اسم ناجي في إشارة إلى فكرة النجاة التي يحاول المسلسل ترسيخها عبر المشاهد. ولكن المشهد لم يكتمل بنهاية سعيدة إذ تفارق فدوى الحياة بعد الولادة بعدما سقطت بين ذراعي سلمى، معلنة أن كل ما كانت تريده في حياتها هو إنقاذ طفلها، وأشار النقاد إلى أن هذا المشهد يعد من أكثر اللحظات تأثيرا في العمل؛ لأنه يلخص فكرة التضحية التي تحضر بقوة في قصص المدنيين أثناء الحروب.
مأساة منزل ناصر
ومن أكثر المشاهد التي أثّرت في بناء العمل الدرامي مشهد قصف منزل عائلة ناصر، حيث كان مستلهما من واقعة حقيقية رواها مؤلف العمل عمار صبري، وجاءت فكرة المشهد من قصة حقيقية عاشتها عائلة فلسطينية مكونة من ثلاثة عشر فردا داخل منزلها، قبل أن ينشب خلاف عائلي بسيط بين الابنة ووالدتها. احتد النقاش بينهما للحظات، لكن سرعان ما تصالح الطرفان، وطلبت الأم من ابنتها أن تقترب منها لتحتضنها، في تلك اللحظة سقط الصاروخ على المنزل.
المدنيون في مواجهة الحرب
اختار العمل منذ البداية أن يبتعد عن التركيز على القيادات السياسية أو العسكرية، وأن يضع في مركز الحكاية شخصيات عادية وهي: طبيبة متطوعة، ورجل فقد منزله، وطفل يبحث عن النجاة، وأم تحاول إنقاذ طفلها، ليمنح المسلسل بُعدا إنسانيا لأن المتلقي لا يرى الحرب من منظور التحليلات السياسية، بل من خلال تجارب أفراد يعيشون تفاصيلها اليومية. حتى الديكورات والمواقع التي صُوّرت فيها المشاهد أدّت دورا في بناء هذا الإحساس الواقعي.
فقد أبدى كثير من المتابعين دهشتهم من دقة تصوير الشوارع المدمرة والمستشفيات المتضررة والمباني المنهارة، إلى درجة دفعت بعضهم للتساؤل عما إذا كان التصوير قد جرى فعلا داخل غزة. غير أن العمل أُنجز في مواقع تصوير خارج القطاع، اعتمادا على تصميمات إنتاجية دقيقة أعادت بناء المشهد العمراني المدمر.
وفي نهاية الأحداث جاءت محاولة إنقاذ الطفل يونس الذي يحتاج إلى علاج خارج القطاع بعد رحلة طويلة من المخاطر، تمكنت سلمى بمساعدة السائق المصري سمير، الذي يؤدي دوره الفنان عصام السقا من الوصول إلى قافلة طبية مصرية عائدة إلى مصر. وقبل المغادرة يقرر ناصر البقاء في غزة بالرغم من كونه يتمنى المغادرة في بداية الحرب ولكن فقدان أفراد عائلته جعله يشعر أن عليه البقاء لدفن أحبائه وإعادة بناء ما يمكن من حياة العائلة ولكي يجد ابن أخيه بيتًا يعود إليه يومًا ما.
وفي وداع مؤثر طلب ناصر من سلمى أن تعيد الطفل إليه سالما، وأجابته بعبارة تحمل وعدا وأملا: 'اطّمن... إحنا مش بعيدين'. وبعد توقيع اتفاق إنهاء الحرب في غزة في الثالث عشر من أكتوبر 2025 على هامش قمة للسلام في شرم الشيخ تتحقق هذه العودة، ليعود يونس إلى غزة بعد استكمال علاجه في مصر.
نهاية الرحلة
في الحلقة الأخيرة يدخل خط درامي جديد يتعلق بشخصية المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي 'كابتن إيلا' التي تظهر في حوار مع قياداتها العسكرية، حيث تم إبلاغها بضرورة العودة إلى تل أبيب للتحقيق معها. وبعدما تقرر فتح بث مباشر تخاطب فيه الجمهور، تكشف في البث أنها عملت مع الجيش الإسرائيلي لمدة خمس سنوات، وأنها تخضع لتحقيق داخلي بعد الحرب. كما تحدثت عن مقتل شقيقها في حرب غزة، وعن الاتهامات التي تواجهها بالتخريب وبعدها تبدأ في توجيه انتقادات حادة إلى القيادات العسكرية متسائلة عن الأوامر التي أدّت إلى قتل المدنيين، ومشيرة إلى أنها شهدت قتل النساء في الميدان دون أن تفهم السبب.
لتعترف بأنها لم تعد قادرة على النوم بسبب ما رأته، وقبل أن تنهي البث المباشر توجه السلاح إلى رأسها وتطلق النار. أثار هذا المشهد موجة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبره البعض تجسيدا دراميا لحالات الاضطراب النفسي التي قد تصيب الجنود بعد مشاركتهم في الحروب.
ردود الأفعال
لم يقتصر تأثير المسلسل على الجمهور العربي بل امتد إلى دول عربية وأجنبية. وخرجت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي لتنتقد العمل علنا، متهمة إياه بتزييف الحقائق وتقديم صورة غير دقيقة للأحداث. لكن هذه التصريحات قوبلت بردود فعل واسعة من صنّاع العمل والجمهور العربي، الذين رأوا أن المسلسل لا يقدم خطابا دعائيا، بل يحاول نقل المعاناة الإنسانية التي يعيشها المدنيون في غزة. كما شاركت هيئة البث الإسرائيلية في انتقاد العمل، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشرا على القلق من تأثيره على الرأي العام الدولي.
الأمل قبل الحرب
وبعد عرض الحلقة الأخيرة نشر مخرج المسلسل رسالة مؤثرة عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي عبّر فيها عن فخره بالمشاركة في هذا المشروع، مؤكدا أن العمل لم يهدف إلى توثيق الحرب أو الدمار، بقدر رسالته في إبراز الأمل والقوة والصمود لدى الناس الذين يعيشون هذه المأساة يوميا. وأشار إلى أن فريق العمل واجه صعوبات كبيرة أثناء التصوير، خاصة في تنفيذ المشاهد التي تتطلب ديكورات تحاكي الدمار الحقيقي، ما أدّى إلى إصابة بعض أفراد الفريق نتيجة الزجاج المكسور والركام، لافتا إلى أن العمل نجح بروح الفريق الذي عمل بروح القضية.
وبعد عرض الحلقة الرابعة عشرة الأخيرة، اختتم المشروع بعمل غير تقليدي تمثل في فيلم وثائقي بعنوان 'مفتاح العودة'، جاء امتدادا إنسانيا للمسلسل، حيث سلط الضوء على معاناة الأطفال المبتسرين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين داخل مستشفيات غزة خلال الحرب، من إخراج الشقيقين كريم وأمير الشناوي. وهو عمل تسجيلي يعتمد على شخصيات حقيقية لا على شخصيات درامية، يركز على قصص النجاة والصمود، ويقدم شهادات إنسانية تعكس الواقع القاسي الذي عاشه المدنيون في القطاع، لتكثيف الرسالة الإنسانية التي حملها المسلسل، ومنح الجمهور فرصة لرؤية الجانب الواقعي من المأساة.