"فك كربة" تفرج عن 397 محبوسًا وترسخ مبادئ التكافل الاجتماعي
الخميس / 15 / رمضان / 1447 هـ - 14:58 - الخميس 5 مارس 2026 14:58
استطاعت مبادرة 'فك كربة الإنسانية' منذ انطلاقها بداية شهر رمضان الإفراج عن 397 حالة حتى الآن من المحبوسين على مستوى جميع محافظات سلطنة عمان، بفضل تكافل المجتمع وسخاء الأيادي البيضاء.
وفي نسختها الحالية تستهدف الإفراج عن 1500 حالة مع نهاية شهر رمضان المبارك، استمرارا لمسيرة العطاء وتعزيزا لقيم التكافل، وتصدرت محافظة شمال الباطنة في عدد الحالات المفرج عنها والبالغة 115 حالة، فيما جاءت محافظة مسقط ثانيا بعدد 111 حالة، تلتها محافظة جنوب الشرقية بـ 98 حالة، ومحافظة جنوب الباطنة بـ 67 حالة، ثم محافظة الظاهرة بـ 32 حالة، ومحافظة البريمي بـ 23 حالة، ومحافظة ظفار بـ 17 حالة، ومحافظة شمال الشرقية بـ 12 حالة، وأخيرا محافظة الداخلية بـ 14 حالة معسرة.
للعام العاشر على التوالي، تواصل أيادي العطاء رسم لوحات الأمل والحرية، حيث يواصل هذا الفاعل الخيّر، الذي لا يعرف الكلل، مسيرته النبيلة بالإفراج عن جميع المحبوسين الذين تنطبق عليهم شروط مبادرة فك كربة في محاكم محافظة الظاهرة، وعددهم 30 غارمًا، ليعيد إليهم نور الحياة وبهجة الفرص الجديدة.
كما أعلن عن تكفله باستقبال أي حالات جديدة طوال أيام الشهر الفضيل، مواصلًا بذلك رسالته الإنسانية المباركة في دعم المجتمع وإعادة الأمل إلى قلوب المستحقين.
وقفت 'عُمان' على عدد من الحالات التي شملتها مبادرة فك كربة من المعسرين الذين تم الإفراج عنهم، حيث قال أحد المستفيدين، أبو جاسم:
'كنت أعمل في شركة مرموقة براتب جيد، لكن الشركة تعثرت ماليًا وتم الاستغناء عن خدماتي، واضطررت للعمل في شركة أخرى براتب أقل. ومع ذلك، أصبح القرض البنكي عبئًا يفوق طاقتي، مما زاد الضغوط المالية عليّ ولم أتمكن من سداد كافة التزاماتي، فصدر ضدي حكم بالسداد. لم أكن أعرف إلى من ألجأ في هذا الظرف الصعب، ولكن من حيث لا أعلم تم سداد كامل ديوني عبر مبادرة فك كربة، وعُدت إلى عائلتي.
أتوجه بخالص شكري وامتناني لمثل هذه المبادرات الإنسانية، التي تعكس أن المجتمع العماني مجتمع متماسك يساند بعضه البعض في أشد الظروف.
أم لأربعة أطفال، أحدهم رضيعة لم تعرف من الدنيا سوى حضن أمها، وجدت نفسها في محنة قاسية بعد أن أصيب والداها بمرض لا يتوفر له علاج داخل سلطنة عمان، فسافرت بهما للعلاج في الخارج واضطرت لاقتراض مبلغ كبير أملاً في شفائهم، ومع ضغوط الحياة وتعسر السداد، صدر بحقها أمر حبس، لكن أصحاب الأيادي البيضاء في مبادرة فك كربة تمكنوا من سداد قرضها بالكامل، لتعود مرة أخرى إلى أطفالها الأربعة، مسترجعة الأمل والسكينة في حياتها وعائلتها.
وروت أم محمد قصتها الموجعة قائلة:
'كنت أعيش مع زوجي وطفلي الرضيع في منزل بالإيجار، ولكن بعد وفاة زوجي تراكمت عليّ الإيجارات لمدة عام كامل، وصدر بحقي أمر حبس لحين سداد المستحقات المالية، مما ملأ قلبي خوفًا وألمًا، وبفضل أصحاب الأيادي السخية من مبادرة فك كربة تم إخلائي من الحبس، وعدت إلى ابني، وأشعر بسعادة كبيرة لوجود مثل هذه المبادرة الإنسانية التي تحمل في طياتها وقفة حقيقية للأفراد، وتساهم في تقديم الدعم لهؤلاء المعسرين ولعوائلهم، وتنشر الأمان والاستقرار الأسري.
ويستذكر أبو سارة اللحظات العصيبة التي مر بها، وهو لم يكن يتخيل أن قدَر الحياة قد يضعه في مأزق مشابه يومًا ما، قائلًا:
'كنت أعيل أسرة كبيرة، وتراكمت عليّ الديون بسبب عدم دفع مستحقات فواتير الكهرباء والماء، حتى صدر ضدي حكم بالسداد، تلاه أمر حبس بقيمة 2000 ريال عماني. كانت أيام الحبس تمضي ببطء، وأنا أشعر بثقل القلق على أبنائي، وأسأل نفسي كيف سيعيشون من دوني، شعرت حينها بالعجز والضياع، وكأن الحياة قد أغلقت أبوابها أمامي.
لكن تدخل مبادرة فك كربة قلب حياتي رأسًا على عقب. تم إخلاء سبيلي، وأُعيدت لي فرصتي للوقوف أمام أسرتي، لأكون لهم سندًا ومعيلًا. هذه المبادرة لم تكتفِ بمساعدتي ماليًا، بل أعادت الأمل والكرامة إلى حياتي، وأظهرت أن العطاء، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يحدث فرقًا عميقًا في حياة الإنسان.
لقد أثبتت هذه المبادرة أن كل فرد في المجتمع يستحق فرصة ثانية، ليعيد بناء حياته، ويحقق أحلامه، ويواجه تحدياته بقوة وعزيمة جديدة. كم من عائلات أعيد لمّ شملها، وكم من غائب عاد ليُفتح بيته من جديد! لقد تركت المبادرة أثرًا بالغًا في نفوسنا، وجددت العزيمة على تجنب الأخطاء السابقة، وأكدت لي وللجميع أن المجتمع العماني مجتمع متكاتف، يقف مع أفراده في أحلك الظروف، ويرسم دروب الأمل لكل محتاج.
قصة أخرى مرّ بها صاحبها وأدت إلى حبسه فقال:
'كنت أعمل على مشروع صغير يهدف لتحسين الوضع المادي لعائلتي، ولكن المشروع خسر وتراكمت عليّ الديون، حتى صدر بحقي أمر حبس. وأمي الأرملة باعت ما كانت تملكه من ذهب لتساعدني على الخروج من السجن، لكن الأمل عاد إليّ بالكامل بفضل المساهمات الخيرية لمبادرة فك كربة، التي أعادت لي حريتي ومنحتني فرصة ثانية للوقوف أمام أسرتي.
وتعد مبادرة فك كربة، التي تنفذها جمعية المحامين العمانية منذ انطلاقتها عام 2012، واحدة من أبرز المبادرات التطوعية الإنسانية في سلطنة عمان، حيث تمكنت خلال مسيرتها من الإفراج عن أكثر من 8198 معسرًا في قضايا مالية غير جنائية. وتنطلق المبادرة سنويًا خلال شهر رمضان، وتستهدف الإفراج عن المعسرين والمحبوسين الذين تنطبق عليهم شروط محددة، بما في ذلك ألا يكون قد استفاد المعسر من نسخ المبادرة السابقة، وأن يكون الدين مرتبطًا بقضايا تجارية أو مدنية أو عمالية أو شرعية، وألا يتجاوز مبلغ المطالبة 2000 ريال عماني،
ولا يتجاوز مجموع المطالبات 2000 ريال عماني للمعسر الواحد في حالة وجود أكثر من مطالبة ضده.
كما تمنح المبادرة الأولوية في السداد للمطالبات الأقل ثم الأعلى، وللمعسر الأكبر سنًا، ويتم استيفاء الحالات من مجلس الشؤون الإدارية للقضاء (الإدارة العامة للتنفيذ)، دون قبول الطلبات الفردية.
وخلال رحلتها الإنسانية، ساهمت المبادرة في تعزيز قيم التكاتف والتعاضد بين أفراد المجتمع، وتفعيل الشراكة المؤسسية والمسؤولية الاجتماعية بين المؤسسات والشركات، فيما تتطلع جمعية المحامين العمانية إلى تحويل المبادرة إلى مشروع مستدام يعمل على مدار العام من خلال طاقم إداري متخصص، لتستمر في رسم البسمة على وجوه المحتاجين وإعادة الأمل إلى حياتهم.