عُمان ومنطق الخروج من الحرب
الأربعاء / 14 / رمضان / 1447 هـ - 23:24 - الأربعاء 4 مارس 2026 23:24
تبدو سلطنة عُمان، في هذه الحرب، كمن قرأت الصفحة الأخيرة قبل غيرها بمراحل طويلة. ولذلك كانت تسعى قبل غيرها بشكل حثيث نحو خيار السلام. ولهذا تمسكت بالمسار التفاوضي، حتى بعد خيبة يونيو 2025 عندما ألغت الحرب الإسرائيلية على إيران مفاوضات الملف النووي التي كانت تُنقل عنها مؤشرات إيجابية. وتكشف صورة الأيام الأولى من الحرب الحالية أن تفضيل عُمان لخيار الدبلوماسية وإلحاحها عليه لم يكن لأسباب قيمية فقط.. يتعلق الأمر بخبرة عُمان بتاريخ المنطقة وتعقيداتها الثقافية، وأيضا يتعلق الأمر بموقع عُمان وطبيعة أمنها؛ فهي تنظر للحرب بوصفها آلية تولِّد تبعات تتجاوز هدفها المعلن، وتتضاعف هذه التبعات مع الزمن، وتنتقل عبر الجغرافيا، وتُصيب ـ بطبيعتها ـ من هم خارج دائرتها الأولى.
ورغم ما سببته الحرب من خيبة أمل للمسار الدبلوماسي خاصة وأنه وصل إلى أن يكون الاتفاق «في متناول الأيدي» كما قال وزير الخارجية معالي السيد بدر البوسعيدي، إلا أن سلطنة عُمان ما زالت تلح على فكرة الحل الدبلوماسي رغم وعيها بجوهر التصورات الغربية لما يجب أن تكون عليه موازين القوة في الشرق الأوسط. والحراك السياسي الكبير الذي تقوده سلطنة عُمان بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- عبر الحوارات اليومية مع قادة العالم في شرقه وغربه منذ بدء شرارة الحرب الأولى يؤكد إيمان عُمان بخيار السلام وكلفة الحرب وأثمانها التي ستبقى تأثيراتها لأجيال قادمة سواء على المستوى الاقتصادي أو المستوى الثقافي في منطقة كانت عبر قرون شديدة التعقيد.
تبنّت عُمان خلال العام الماضي ما يمكن تسميته «سياسة تقليل المخاطر»، لم تجمع الخصوم لأن التفاهم في رؤيتها أجمل من الصدام، بل لأن ترك الملف على حافة الانفلات يعني أن شرارة واحدة قد تتحول إلى سلسلة ارتدادات. وبالنسبة لدولة تطل على واحد من أكثر ممرات الملاحة حساسية، يصبح خفض احتمالات الحرب جزءًا من تعريف المصلحة الوطنية.
ويقوم منظور عُمان على إدراك مبكر لخطر «العدوى الاستراتيجية» التي تعني أن كلفة الحرب لا تبقى داخل مسرحها. تبدأ بين طرفين، ثم تتحول إلى اضطراب إقليمي يطال الجيران والأسواق والملاحة والأمن الداخلي. وبعد ذلك تتجاوز الإقليم عبر الطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد. وما يبدو بعيدا في الخرائط يصبح قريبا في تفاصيل حياة الناس اليومية مثل القلق والخوف والتردد الاستثماري والإحساس العام بفقدان السيطرة على المستقبل القريب.
والمنطقة تعيش هذا الأمر الآن رغم أن الحرب ما زالت في أسبوعها الأول؛ ولذلك فإن السؤال الاستشرافي لا ينغمس في اللحظة الآنية وإنما في شكل المنطقة بعد ثلاث سنوات من تراكم كل هذه الارتدادات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
وإذا لم تنجح الدبلوماسية في وقف الحرب ـ لا لقصور في أدواتها أو ضعف في حججها المنطقية ـ فلا يعني هذا تجاوز خيارها فمهمة الدبلوماسية تستمر حتى في لحظة الحرب بهدف تحديد حدودها وفتح منافذ للخروج منها. وكلما ارتفعت كلفة الاضطراب على الأسواق، ارتفع هامش الرغبة الدولية في وقف التصعيد، في ظل توتر متزايد في أسواق الطاقة.
ولعل التأثيرات الاقتصادية التي تجتاح العالم عبر أسواق الطاقة تحرك المجتمع الدولي لدعم مسار الحوار والدبلوماسية الذي ما زالت عُمان تدفع العالم باتجاهه. وتحشد من أجل ذلك المنطق السياسي والمنطق الاقتصادي والإنساني لدعم مسار الحوار؛ لأن الدبلوماسية وحدها تضع للحرب سقفا، وتفتح طريقا واقعيا للخروج منها.