خطط التشغيل والتعمين بين التشريع وتجاهل التنفيذ
الأربعاء / 14 / رمضان / 1447 هـ - 21:45 - الأربعاء 4 مارس 2026 21:45
حسب تقديري ومتابعتي المستمرة، فما أكثرها القرارات واللوائح التي صدرت من وزارة العمل والجهات الحكومية المتعلقة بخطط التشغيل والتعمين التي تهدف إلى إيجاد خيارات متعددة لتسريع تعيين العمانيين بمؤسسات وشركات القطاع الخاص. بيد أن تلك القرارات تقابل غالبًا بالتجاهل وافتعال الذرائع من حيث عدم مناسبتها وفي أحيان كثيرة يتم التحايل عليها والمقصد هو استمرار وضع سوق العمل كما هو عليه دون تنظيم للمهن التي يفترض أن تكون منذ سنوات طالتها قرارات وخطط التشغيل والتعمين. أيضا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال على نفس النهج مستمرون في نقد تلك القرارات من حيث عدم استطاعة تلك المؤسسات تعيين عماني «واحد على الأقل» لمن لديه سجل تجاري لأن راتبه يفوق راتب العامل الوافد والذي اعتادوا عليه لسنوات. وغالبا ما يتم التنظير بمهنة الحلاقة مع تجاهل باق المهن الفنية والهندسية والكتابية ومهن المحاسبة والمالية والصيادلة والمهن الإشرافية والقيادية والقائمة تطول. هذه المهن تم حظر شغلها لغير العمانيين ولكن قابلها تجاهل التنفيذ من مؤسسات القطاع الخاص.
كما أن الذين يتذمرون من قرارات التشغيل والتعمين اعتادوا لمدة طويلة من الزمن على إدارة العمالة الوافدة لشؤون مؤسساتهم لأنهم يمارسون تجارة «الكفيل»، ويتقاضون مبلغًا شهريًا مقابل ذلك. وبالتالي، من الصعوبة إقناعهم بأن الوضع الاقتصادي تغير كليا وأصبح سوق العمل الوطني متخما من العمالة الوافدة مما تسبب بشكل مباشر في ارتفاع أعداد الباحثين عن العمل، وهكذا وضع من الصعوبة استمراره، ولا بد من أحداث تغيير جدري في تنظيم سوق العمل والتشغيل لتكون العمالة الوطنية هي التي تدير مؤسسات وشركات القطاع الخاص.
وإن كان أغلب الظن بأن محور الجدل في قلة استجابة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بما جاء بلائحة تنظيم ترخيص العمل ومزاولته التي بدأ العمل بها هذا العام.
ولكن اللائحة أجرت تعديلا في الرسوم وغرامات التأخير التي أصبحت لا تتجاوز سقفا ماليا معينا، كما منحت تخفيضا في رسوم تراخيص العمل بنسبة (30 %) في حال التزام صاحب العمل بالضوابط المعتمدة ومضاعفة الرسوم للمؤسسات المخالفة.
كما أوجدت حالات لا يكون فيها صاحب العمل مطالبا بدفع الرسوم وغرامات التأخير، وأجدت سبع حالات يحق لصاحب العمل استرداد قيمة تراخيص العمل وست حالات للإعفاءات من دفع غرامات التأخير. كما جاءت رسوم تراخيص العمل متفاوتة ضمن ثلاث فئات للمهن المصنفة لدى وزارة العمل وأيضا فئة المستمرين. وقد يكون هذا التفاوت في رسوم تصاريح العمل تبعث رسالة لمؤسسات القطاع الخاص بأن هناك مهنًا يجب التقيد بتعمينها نظرا لوجود كوادر عمانية والمؤسسات التي تلتزم بخطط التشغيل والتعمين تحصل على تحفيز مالي نظير ذلك.
والحكومة عندما تناشد مؤسسات وشركات القطاع الخاص عبر قراراتها ولوائحها بإعطاء أهمية بالغة لخطط التشغيل والتعمين، هي لم تأت بتلك القرارات بين عشية ليلة وضحاها وإنما من واقع دراسات وبيانات وأيضا أرقام العمالة الوافدة آخذت في التضخم عاما بعد عام.
كما أن الجهات الحكومية عندما تفرض وتقرر نسب التعمين فإنها ترى بأن هناك من العمالة الوطنية من يستطيع القيام بالأعمال نفسها التي تقوم بها العمالة الوافدة. أيضا قانون العمل نص بأن الوظيفة في الأساس هي للعماني ويتم الاستثناء في حال تطلبت الوظيفة مهارات فنية عالية فيسمح بالاستقدام من الخارج لمدة زمنية محددة وهذه ممارسة مطبقة في أغلب دول العالم بأن الأولوية تكون للعمالة الوطنية.
ولكن مع تلك القرارات واللوائح التشريعية لتنظيم لسوق العمل، فإن ما تأمله وزارة العمل في تعيين عماني واحد - على الأقل - لمن يملك سجلا تجاريا لا زال يواجه تحديات التنفيذ.
على سبيل المثال، أحد المواطنين في الوقت القريب، قام بعمل صيانة عامة لمنزله حيث تعاقد مع مؤسسة لعمل الستائر وأخرى لعمل الديكور وثالثة لعمل تعديل في نوافذ الألمنيوم حيث اتضح بأن تلك المؤسسات تتم إدارتها بالكامل من العمالة الوافدة ولا يوجد بينهم أي مواطن عماني.
حتى على أقل تقدير السيارات التي تنقل المواد يتم استخدام السيارات الخاصة. هذا مثال بسيط لمؤسسات خاصة تعمل في الدولة لسنوات طويلة وهي تتجاهل بشتى الطرق فتح المجال لتعيين أي عماني يتشارك معهم في العمل.
هذه المؤسسات وصلت من الربحية بأنها تستطيع ماليا دفع رسوم تصاريح العمل حتى وإن تمت مضاعفتها لأن عوائدها التشغيلية عالية. وهناك مثال آخر لشركة كبيرة لها فروع في جميع المحافظات ولكنها تستعين بالعمالة الوافدة غير المرخصة لتسليم طلبات التسوق الإلكتروني بمحافظة مسقط.
كما أن الأرقام تشير بأن مؤسسات القطاع الخاص لم تتجاوب مع تلك القرارات التي تهدف إلى تسريع التشغيل والتعمين، حيث بلغت الأعداد الإضافية من العمالة الوافدة المعينين بالقطاع الخاص والحكومي سبعة آلاف عامل وافد خلال العام الماضي، حيث وصل عددهم الإجمالي إلى (1.8) مليون عامل وافد.
وإن كان هناك انخفاض في أعداد العمالة الوافدة بمقدار (15) ألف في القطاع الخاص، ولكن ذلك الانخفاض تآكل مع الارتفاع المتزايد في أعدادهم في القطاعات العائلية والأهلية بما يزيد على (23) ألف عامل وافد. مع العلم بأن العمالة الوطنية التي تم تعيينها في القطاع العائلي كان عددهم (277) عاملا خلال الفترة نفسها، هذا العدد القليل يمكن الاستنتاج معه، بأن بعض مؤسسات القطاع الخاص أصبحت تتحول أو تلجأ لمؤسسات القطاع «العائلي» للتهرب من خطط التشغيل والتعمين.
ولكن مؤسسات القطاع الخاص ليست وحدها التي لا تتعاطى بفاعلية مع التوجهات الوطنية لخطط التشغيل والتعمين، وإنما أيضا القطاع الحكومي- باستثناء القطاعات العسكرية والأمنية - لأن الأرقام تشير إلى الارتفاع البطيء في إجمالي العمانيين العاملين بالقطاع الحكومي في حدود (1800) عامل للفترة بين (ديسمبر 2024 إلى ديسمبر 2025) مع العلم بأن القطاع الحكومي لا يواجه موجات التسريح - كما هو الحال - في القطاع الخاص.
كما أن الأرقام المبدئية تشير إلى انخفاض في إجمالي أعداد العمانيين بالقطاع الحكومي خلال يناير من هذا العام مقارنة بالشهر السابق له بمقدار (584) موظفا. أيضا خطط إحلال العمالة الوافدة بالعمالة الوطنية لم يقابلها تخفيض في عددهم، بل إن هناك ارتفاعًا طفيفًا ليصل إجمالي عددهم عند (42) ألف عامل وافد حتى نهاية العام الماضي. بمعنى آخر فإن أعداد العمالة الوافدة بالقطاع الحكومي لم يطرأ عليها تغيير - خلال عام - كامل وذلك حسب بيانات المركز الوطني الإحصاء والمعلومات.
ما تقوم به وزارة العمل من إصدار اللوائح والقرارات الهدف منه إعادة تنظيم سوق العمل ليستوعب أعدادًا أكبر من العمالة الوطنية في محاولة لتخفيف ضغط الرأي العام الذي يطالبها ويناشدها بأن تكون مسألة الباحثين عن العمل في قمة أولوياتها.
ولكن الجميع متفائل في ظل الجهود الحكومية المتمثلة في اعتماد البرامج والمبادرات لتحفيز القطاعات الحكومية والخاصة نحو المساهمة في تفعيل خطط التشغيل والتعمين. تلك الجهود آثارها إيجابية طبقا لما أظهرته بيانات أعداد الباحثين عن العمل والذين انخفضت أعدادهم الإجمالية بنسبة (6 %) ليصل عددهم إلى ما يزيد قليلا على (85) ألف باحث عن العمل حتى نهاية العام الماضي.
ما ورد في الخطة الخمسية الحادية عشرة من تحديد التزام حكومي بتشغيل (60) ألفا سنويا من الباحثين عن العمل هو أساس في الاستمرار في إصدار اللوائح والقرارات التي يتأمل منها التغلب على تحديات تنظيم سوق العمل. وبالتالي قد لا يلوح في الأفق القريب تعديل التشريعات المتعلقة بخطط التشغيل والتعمين ومنها لائحة تنظيم ترخيص العمل، حيث تمت الموافقة عليها من مجلس الوزراء وليس من وزارة العمل. عليه فإن مؤسسات القطاع الخاص بكل فئاتها هي أمام خيارين، إما تحملها التكاليف الإضافية التي تم إقرارها مؤخرًا في حال طلبها تصاريح استقدام العمالة الوافدة وإما الانصياع لخطط التشغيل والتعمين.