روضة الصائم

سؤال الذاكرين :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

 

-بعضهم يستدل بأن مخبر الإنسان هو كافٍ لصلاحه وحسن نواياه، وأنه يمكن للظاهر أن يُحكم عليه، يعني مثلًا يقولون إن الله ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، فلو كان ظاهر الرجل أو المرأة غير صالح، قالوا إنه قد يكون أقرب إلى الله، فربما قلبه نظيف، فما قول سماحة الشيخ في قول هؤلاء وحجتهم؟
من أجل هذا الذي تشيرون إليه من أن هناك أحكامًا شرعية متجهة إلى المظاهر عند الرجال والنساء من المكلفين، كما أننا نجد أحكامًا شرعية تتجه إلى الباطن أيضًا عند المكلفين جميعًا رجالًا ونساء، فإن أول خلاصة يجب أن يتفق عليها الجميع هو أن كلا الأمرين مطلوب شرعًا: الظاهر والباطن، المظهر والمخبر، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
وبهذا يمكن أن نفهم الأدلة الشرعية؛ لأنها واضحة لا تناقض، خذ على سبيل المثال حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول فيه: 'إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه'.
الآن هذا الحديث يبدأ بذكر الأعمال، والأعمال هي الشيء الظاهر، ثم يقول إن مناط قبول هذه الأعمال وتفاوت الناس في مراتبها إنما هو بمقاصدهم ونياتهم، فمن كان أخلص قصدًا وأصلح نية فإن عمله الظاهر هذا يكون أقرب للقبول ولترتب الآثار عليه، ولهذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث نفسه أصنافًا من الأعمال، قد يبدو ظاهرها أنها أعمال متفقة في المظهر لكن المخابر مختلفة، النوايا والمقاصد متفاوتة، فهذا مهاجر وهذا مهاجر، لكن الأول يهاجر لله تعالى ولرسوله، يهاجر في سبيل الله وفي سبيل رسوله طلبًا للعلم، نشرًا للدعوة، جهادًا في سبيل الله، نصرةً لمظلوم، دفعًا لظلم، إحقاقًا للحق، قيامًا بواجب، والآخر يهاجر لقصد قد يكون أيضًا مشروعًا، ولكنه لا يستحضر شيئًا من ذلك، لدنيا يصيبها أو لامرأة ينكحها، مما أباحه الله تبارك وتعالى، فلكل امرئ منهم ما نوى، لا شك أن هنا تتفاوت الأجور.
ولهذا نجد أن كتاب ربنا تبارك وتعالى يُعنى بالجانبين، يُعنى بإصلاح القلوب وتزكيتها وتطهيرها من الشوائب، من أدواء النفاق والرياء والحسد والبغضاء والغل وغيرها من الآفات التي تبتلى بها النفوس، بقصد تنقيتها وتطهيرها وجعلها قريبة من الله تبارك وتعالى، وبعث الطمأنينة فيها حين تعظم الله تبارك وتعالى وتستشعر حقيقة الإيمان وتتذكر اليوم الآخر، وتنبعث في هذه الحياة موجهة لسلوك هذا الإنسان ومصححة لتصوره، كما أننا نجد أحكامًا شرعية كثيرة تُعنى بظاهر هذا الإنسان، يُوجَّه الخطاب فيها إلى الرجال وإلى النساء.
فالأمر لا يمكن أن يكون إلا متكاملًا بين المظهر والمخبر، بين الظاهر والباطن، بين صلاح النية والقصد والإخلاص لله تبارك وتعالى، وبين الاستجابة والانقياد، إذ ما معنى العبادة أصلًا؟ العبادة التذلل والانقياد، 'فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا'، ففي هذا بإذن الله تعالى كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والله تعالى أعلم.
-متى يصح للإنسان أن يصلي تمامًا وطنًا إذا كان يعمل في جهة معينة، وعمله مؤقت قد يستمر لسنوات أو لسنة أو لسنتين، وجهة عمله يمكن أن تنقله إلى مكان آخر أيضًا بعيدا عن المكان الذي كان فيه، متى يصح له أن يصلي سفرًا ومتى يصح له أن يصلي تمامًا أو وطنًا؟
خلاصة هذه المسألة: متى يمكن للمسلم أن يتخذ مكانًا ما وطنًا؟ التوطين منوط بطمأنينة النفس وسكونها واستقرارها في هذا المكان، وهذا لا يتحقق إلا لمن كان ساكنًا مقيمًا لا يقصد الخروج من ذلك المكان، وإنما يقصد أن يتخذه وطنًا يستقر فيه، فإن طرأ طارئ فهذا باب آخر.
فمعنى السكون والاستقرار وحصول طمأنينة القلب وسكون النفس إلى ذلك المكان أنه لا يعتزم الارتحال عنه إلى مكان آخر، وأن إقامته في ذلك المكان لا يعلم هو أنها مؤقتة بوقت معين، وإنما هو ينوي الاستمرار، فإذا تحققت هذه الشروط فله أن يتخذ ذلك المكان وطنًا له، فإن طرأ عارض دفعه إلى الخروج، دفعه إلى الانتقال أو الهجرة أو السفر، فهذا باب آخر.
وعلى هذا سيخرج من هذا من كان يعلم أنه إنما هو في هذا المكان لمدة محددة معلومة لارتباطه بعمل ما كوظيفة أو عمل أو عقد أو حاجة، وبالفراغ منها وانتهائها سيعود وينتقل إلى وطنه أو سينتقل إلى مكان آخر، هذا لا يمكن أن يقال بأن له أن يتخذ هذا المكان وطنًا؛ لأنه يعلم أن إقامته مؤقتة بوقت معين أو بغرض، وبانتهاء ذلك الغرض فإنه سينتقل إلى مكان آخر.
فإذا مرد ذلك في الحقيقة إلى النوايا والقصود، ما الذي ينويه؟ وإنما هناك علامات، كأن يتخذ أسبابًا للتوطين، أن تكون معه أسرته على سبيل المثال إن كان ذا أسرة، أن يلتحق بالمرافق والخدمات الموجودة في ذلك المكان من مراكز صحية أو مستشفيات، من مراكز تعليمية، مدارس، كليات، جامعات، ويقضي مآربه ومصالحه في ذلك المكان، لا يبقى قلبه متعلقًا بالمكان الذي جاء منه، وهو إنما وجوده وجود جسماني، وإلا فإن عقله وذكرياته وكل مصالحه إنما هي في المكان الذي أتى منه أو الذي سينتقل إليه.
فهناك علامات تشهد له بصدق وصحة قصده من اتخاذ ذلك المكان وطنًا، فإن تحققت هذه العلامات والأمارات فلا يمكن أن يُحرج عليه أو يُثرب، فإن طرأ عليه ما يدعوه إلى الانتقال بسبب من عنده أو من سبب خارجي، فهذا لا يرجع على أن إقامته تلك كانت خطأ، وأن الصلوات التي أم بها الناس أيضًا كانت خطأ؛ لأن كل واحد منا عرضة لأن يدهمه شيء من الأحوال والظروف، فيضطر إلى الانتقال، فلا يُحتج عليه من بعد مثلًا ست أو سبع سنوات أو عشر سنوات بأنك كنت تصلي بنا تمامًا وهذا أنت اليوم تنتقل إلى مكان آخر، لا، قد تطرأ ظروف وأحوال تدفعه إلى الانتقال، ينبغي أن تُفهم المسألة بناءً على هذا الفقه، والله تعالى أعلم.
-في قوله تعالى: ' لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ'، ماذا يُقصد باللغو في الأيمان وما هو كسب القلوب المقصود في الآية؟
اللغو هو القول الذي لا فائدة منه، منهم من يقول هو القول الفاسد، ومنهم من يقول هو القول الباطل، ومنهم من يقول هو القول الذي يخرج من الإنسان عرضًا لا يقصده ولا فائدة منه، هذه المعاني كلها إنما هي تمثيل لتعريف اللغو، وهي أمثلة متقاربة جدًا للخروج ببيان أن اللغو هو ما لا فائدة منه من القول.
وإن كان قد اختلفوا فيما يتعلق بالأيمان؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول في هذه الآية الكريمة: 'لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم'، الأيمان جمع يمين، القسم الذي يحلفه الإنسان، فما هي هذه الأيمان التي هي معدودة من أيمان اللغو العارض الذي لا مؤاخذة عليه ولا يترتب عليه شيء؟ اختلفوا فيها منذ عهد السلف رضوان الله تعالى عليهم، أقوال إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن هذه الأقوال تدور حول معنى ألا يقصد الإنسان، ألا يعزم بقلبه ذلك الذي حلف عليه، قد يكون أمرًا ماضيًا أو أن يكون كلمة اعتاد لسانه أن يقولها، أو أن يكون مما يتعلق بالمستقبل.
أن يكون أمرًا ماضيًا، فقولُه عن أمر ظنه كذلك، فأتى باليمين، أو في كلمة اعتاد أن يقولها: لا والله، بلى والله، أو في أمر لم يحصل بعد كان يغلب على ظنه أن القادم هو فلان فيحلف ظنًا أنه فلان، لا يقصد الكذب، لكن هكذا توهم أو ظن بأنه فلان، فتبين أنه ليس بفلان، فهذه من أيمان اللغو التي لا مؤاخذة فيها.
والجزء الآخر من الآية الكريمة يبين ما الذي عليه المؤاخذة، قال: 'ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم'، وقال في المائدة: 'ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان'، فهنا تبين أن كسب القلوب هو الذي يعقد القلب العزم عليه من الأقوال، فما تتجه إليه القلوب قاصدةً للفظة اليمين وتعزم عليه، فإنه من كسب القلوب الذي تترتب عليه المؤاخذة، فهذه الآية الكريمة في البقرة فسرتها آية المائدة، أن كسب القلوب يقصد أن تقصده القلوب فتعقد عليه العزم على الحلف عليه، فهذا مما يؤاخذ الله تبارك وتعالى عليه، وآية المائدة بينت أن من وقع في ذلك أن عليه الكفارة، قال: 'فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك
كفارة أيمانكم إذا حلفتم'، هذا والله
تعالى أعلم.