روضة الصائم

"الغربال".. والدعوة إلى التجديد

بين دفتين ..

 

يُعد ميخائيل نعيمة (1889-1988) واحدًا من الأدباء الذين برزوا في القرن العشرين، وأبرز المؤسسين للرابطة القلمية التي ظهرت في أمريكا وضمّت مجموعة من الأدباء المهاجرين من البلدان العربية كجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي ونسيب عريضة وغيرهم. لقد كان لأدباء المهجر بصمتهم الأدبية في القرن الماضي من خلال الدعوة إلى التجديد في الكتابة الشعرية، والابتعاد عن الأساليب التقليدية. كما كان كتاب (الغربال) لميخائيل نعيمة واحدًا من الكتب التي ناصرت الدعوة الجديدة في الكتابة الشعرية، لقد قدَّم نعيمة رؤيته في الأساليب التقليدية للكتابة في هذا الكتاب، فكان للكتاب من اسمه نصيب؛ إذ افتتح كتابه بمقدمة حملت عنوان (الغربلة) مفسرًا هذه المفردة وارتباطها بالنقد والنقاد يقول في مقدمته: 'إنَّ مهنة الناقد الغربلة. لكنها ليست غربلة الناس. بل غربلة ما يدونه قسم من الناس من أفكار وشعور وميول. وما يدونه الناس من الأفكار والشعور والميول هو ما تعودنا أن ندعوه أدبًا. فمهنة الناقد، إذن هي غربلة الآثار الأدبية. لا غربلة أصحابها'. (ص43)
لقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1923 وقدّم عباس محمود العقاد له، وهو أحد مؤسسي جماعة الديوان التي شنّت هجومًا لاذعًا على مدرسة الإحياء داعية إلى التجديد في الكتابة الشعرية وقتها، يقول العقاد عن كتاب (الغربال) ودعوته إلى التجديد وافتتانه به: 'والحق أنني قد وقعت من قراءة هذه الصفحات على قرابة صحيحة وجوار ملاصق في الحي الذي أسكنه من هذه الدنيا الأدبية الجديدة. رأيت قلمًا جاهدًا في طلب الشعر الصحيح شعر الحياة، لا شعر الزحافات والعلل، ورأيته ينعي على الشعر الرث الذي تركنا بلا شعر ولم يبق في حياتنا ما ليس منظومًا سوى عواطفنا وأفكارنا، ورأيته يريد من الشاعر أن يكون نبيا وينكر أن يكون بهلوانًا، ويريد من الشعر أن يكون وحيًا وإلهامًا، وينكر أن يكون ضربًا من الحج والجمز والمشي على الأسلاك، والانتصاب على الرأس ورفع الأثقال بالأسنان ولف الرجلين حول العنق، إلى ما هنالك من الحركات التي تجيدها القردة أيما إجادة فشعرت وأنا أتابع قراءة هذه الصفحات بما تشعر به القافلة المنبتة في المفازة السحيقة إذا ارتفعت لها قافلة أخرى تنشد الغاية التي خرجت تنشدها، وأوشكت أن ترتد عنها يائسة. فقد همنا أمر الأدب وحبب إلينا أن نراه طلقًا قويمًا وأن لا نقر على رؤيته مقيدًا شائها سقيمًا'. (ص36)
ينطلق العقاد في مقولته تلك من مناصرته للآراء الداعية إلى التجديد، والمناهضة إلى الأساليب القديمة التي جاءت بها مدرسة الإحياء لا سيما وأن العقاد ورفيقيه في جماعة الديوان خاضوا معارك أدبية مع رموز المدرسة الإحيائية، فوجد في هذا الكتاب ضالته التي تناصر دعوته، لا سيما وأن نعيمة قد أكثر النقد على رموز الإحياء وأساليبهم القديمة. وأن نعيمة قبل ذلك في كتابه هذا امتدح جماعة الديوان وأثنى على دعوتها في التجديد والذي يُعد العقاد أحد رموزها البارزين والمؤثرين.


يمضي نعيمة في كثير من مقالات الكتاب في دعوته إلى التجديد وهو موضوع برزت أهميته مع الجماعات الأدبية التي جاءت بعد مدرسة الإحیاء کالديوان وأبولو والمهجريين ومن تلاهم من الجماعات التي رأت في التجديد نقلة مهمة في شكل الكتابة وخروجًا عن الطرائق القديمة التي هيمنت على الشعراء مع عدم مواكبتها لتقنيات الكتابة الأدبية في هذا العصر؛ فتجده يثني على جماعة الرابطة القلمية في الدعوة إلى الخروج عن النسق القديم، يقول: 'إن الرابطة القلمية ما كانت لتقدم هذه المجموعة إلى قراء العربية لولا اعتقادها بأنها قد اتخذت من الأدب رسولًا لا معرضًا للأزياء اللغوية والبهرجة العروضية. وقد تكون مخطئة في ما تعتقد. لكن إخلاصها في الأقل يشفع بخطئها. فهي لا تدعي لهذه المجموعة أكثر مما تستحق. فإن لم يكن لها إلا تشويق بعض الأرواح الناشئة إلى طرق الأدب عن سبيل النفس لا عن سبيل المعجمات فحسبها ثوابًا. فقد كفانا ما عندنا من المعجزات اللغوية، وآن لنا أن نتعطف ولو بالتفاتة على ذلك الحيوان المستحدث الذي كان ولا يزال سر الأسرار ولغز الألغاز، لعلنا نجد فيه ما هو أحرى بالنظر والدرس من رأس السمكة في قولهم أكلت السمكة حتى رأسها». (ص57)
ونجده يثني على جبران واصفًا إياه بالثورة، يقول: 'قلت: إن جبران ثورة والثورة ليست بنت ساعتها. بل هي مجموع عوامل متعددة تخزنها الأيام في صدر الحياة، حتى إذا ما جاش جأشها ضاق بها ذلك الصدر فتفجرت قذائف وعواصف، وجبران ليس ابن يومه بل هو مجموع عواطف وميول أمة قضت على نفسها، أو قضت عليها الأقدار، أن تعيش أجيالًا تنطق بلسانها، أما قلبها فصامت منكمش. وأن تسير قانعة ضائعة في طريق مفروشة بالشوك محجوبة عن عين الشمس أما روحها فتحلم بسبيل نير على جانبيه ورود ورياحين'. (ص253)
هذه الدعوة إلى التجديد يقابلها في الكتاب ثورة على القديم، فيظهر خطاب نعيمة الثائر، الناقم على الأساليب القديمة، واصفًا إياها بـ'نقيق الضفادع'، ومهاجمًا التمسك بالطرق التقليدية الملتزمة بالأوزان وزحافاتها وعللها في الشعر، يقول مهاجمًا القديم من الشعر: 'نعم. فتشوا عن موليير ليضحكنا ويبكينا ويجعلنا نخجل من ذواتنا في وقت واحد. إنما اذكروا أن موليير لا يولد من درس المعاجم والعروض والقوافي وجوائزها من خبن وخبل وطي ووقص. موليير لا تحصره أبحر بين طويلها ووافرها ورجزها ورملها. لا تقف في وجهه خرافات وترهات وشرائع وأوهام. بل هو نبع جارف يتدفق من صدر الطبيعة'. (ص91)
ويقول في موضع آخر: 'كيف يكون لنا أبو العلاء الذي جمع في كثير من قصائده ومقاطعه بين دقة البيان وجمال التنسيق ورنّة الوقع وصحة الفكر ولا نخجل من أن نلقب بـ «الأمير» و«النابغة» و«العبقري» من ليس في شعرهم سوى الزركشة والرنة؟'. (ص101) ويقول عن القافية في الشعر: 'الوزن ضروري أما القافية فليست من ضروريات الشعر لا سيما إذا كانت كالقافية العربية بروي واحد يلزمها في كل القصيدة عندنا اليوم جمهور من الشعراء يكرزون بـ'الشعر المطلق' ولكن سواء وافقنا 'والت هويتمان' وأتباعه أم لا، فلا مناص لنا من الاعتراف بأن القافية العربية السائدة إلى اليوم ليست سوى قيد من حديد نربط به قرائح شعرائنا وقد حان تحطيمه من زمان'. (ص112) في هذه العبارة تحديدًا محاولة واضحة للخروج على طرائق القدامى في الشعر، والدعوة إلى التجديد الشعري في شكل جديد، إذ يذهب مذهبًا وعرًا في دعوته تلك قائلًا في نبرة حادة: 'وآخر ما أعيره انتباهًا هو الأوزان والقوانين العروضية والقواعد اللغوية...'. (ص155)
في هجومه هذا على القديم يطبق نعيمة مفهوم الغربلة، وذلك على حد قوله بنقد النصوص لا الشخوص، لكنّ إشاراته تلك أحيلت على شخوص عرفهم الأدب العربي، وكانوا في فترة زمنية واحدة، اطلع نعيمة على آدابهم وعلّق عليها مشيرًا وفق رؤيته الذاتية إلى الجمالي وغير الجمالي. يقول فيصل دراج عن (الغربال): 'يحتمل كتاب الغربال قراءة خاصة به، تتأمل مقولاته الأساسية، وتعترف بتميّز كاتبه، الذي كان يعطي لقضايا الروح مجالًا رحيبًا، بقدر ما يحتمل قراءة مكملة، تضعه في مدار تاريخي سمته الحاسمة الصراع بين القديم والجديد. لم يكن «الغربال»، رغم ريادته، صوتًا أدبيًا منفردًا، ولم يكن، في حرارة نبرته، صدى لغيره. كان في الحالين، صوتًا من أصوات أخرى، تحاورت وترافدت وأنتجت ذات مرة، ما دعي بـ: عصر التنوير العربي'. (ص9)
إنها رؤية نعيمة للتجديد الذي كان يحلم به، ويراه مشروعًا تنويريًا في عالم الكتابة ووصفه قائلًا: 'ولا تقنطوا. فوراء الغيوم لا تزال شمس مشرقة'.