أعمدة

السينما في مواجهة النسيان: أَرُونْدَاتِي رُويّ وكوثر بن هنية

لم يكن السؤال المطروح في مقالتي (الزمن المختزل: السينما والمسرح في عصر السرعة الرقمية) متعلقًا بالفن بقدر ما كان متعلقًا بالزمن الذي يُمنح له كي يبقى. فحين يصبح العمل الفني عرضة للاختزال السريع داخل ثقافة الاستهلاك الرقمي، لا يعود التهديد موجَّهًا إلى الصورة وحدها، بل إلى الذاكرة التي تحملها. غير أن ما تكشفه اللحظة الراهنة يتجاوز خطر الاختزال إلى ما هو أكثر تعقيدًا: إمكانية إنتاج النسيان نفسه داخل المؤسسات الثقافية التي يُفترض بها حماية المعنى لا تسويته.
أثار انسحاب الكاتبة الهندية أَرُونْدَاتِي رُويّ والمخرجة التونسية كوثر بن هنية في مهرجان برلين السينمائي الدولي عاصفة من الآراء المتباينة حول علاقة الفن بالسياسة، واستدعاء نظرية الفن لأجل الفن. كان من المقرر أن تقدم أَرُونْدَاتِي فيلمها الكوميدي In Which Annie Give It Those Ones (1989) ضمن قسم الكلاسيكيات، لكنها أعلنت أنها لن تحضر، مشيرةً إلى 'التصريحات غير المعقولة' التي أدلى بها أعضاء لجنة التحكيم عندما طُلب منهم التعليق على غزة.
قالت رُويّ: 'إن سماعهم يقولون إن الفن لا ينبغي أن يكون سياسيًا أمر صادم'. وأضافت: 'إنها طريقة لإسكات النقاش حول جريمة ضد الإنسانية، حتى وهي تتكشف أمام أعيننا في الوقت الحقيقي، في حين أن الفنانين والكتاب وصنّاع الأفلام يجب أن يبذلوا قصارى جهدهم لوقفها [...] أشعر بالصدمة والاشمئزاز. ومع بالغ الأسف، أعلن أنني لن أحضر مهرجان برلين السينمائي الدولي'.
أما كوثر بن هنية فجاء في بيان رفضها وعدم قبولها تسلّم جائزة 'الفيلم الأرفع قيمة' في حفل 'سينما من أجل السلام'، الذي أُقيم على هامش مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الأخيرة، قائلة: 'السلام ليس عطرًا يُرش فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي، وكي تشعر بالراحة'، و'السينما ليست أداة لغسل الصور أو لتجميل الروايات'. أما سبب رفضها الجائزة فهو تكريم المهرجان الجنرال الإسرائيلي المتقاعد نوعام تيبون، الذي شارك في فيلم وثائقي كندي عنوانه 'الطريق بيننا'، لإنقاذه أسرته خلال عملية 'طوفان الأقصى' في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
يظهر التناقض جليًا بين من يقول ويؤمن بأهمية أن يكون الفن سياسيًا، وبين طرف يستبعد إدخال السياسة في الفن، ما يعيدنا إلى تعريف الفن ومسؤولية الفنان الأخلاقية تجاه ما يجري في العالم من أحداث.
بعد أن شاهدتُ الفيلم أُصبت بالصمت القاتل والمخيف؛ فعلى الرغم من سعادتي بوصول صوت هند إلى العالم الرأسمالي المُنتِج، فإن الفيلم لن يمنع رصاصة موجَّهة إلى طفل بريء!
إن هذا الرفض المزدوج من رُويّ وبن هنية، وإدراكي للعلاقة الشائكة بين الفن والسياسة، لا يسلّط الضوء فقط على حدث طارئ، بل يفتح الباب أمام أسئلة أوسع:
هل يقطع مذهب الفن للفن العلاقة مع الواقع الاجتماعي والأخلاقي ليكرّس مفهومًا هدفه الفن الجاذب؟ وما معايير ذلك الفن، وما قواعده وأوصافه؟ هل هناك موضوع يصلح للسياسة وآخر لا؟ هل يوجد موضوع قبيح وموضوع جميل في الفن؟ غير أننا، ونحن في سياق إقصاء السياسة من الفن، ألم ينشأ المسرح في العالم مضرجًا بدماء السياسيين والأفكار والمصالح؟ وإذا كانت السياسة ليست بديلًا عن الفن، وليس للفن حياة إلا وهو مشتبك في حاجات الإنسان، فإن أرقى أشكال الحضارات لم تحقق ما وصلت إليه مجتمعاتها إلا بالفنون.
إن هذه المواجهة بين الفن والواقع ليست وليدة اليوم. تاريخيًا ظهرت حركة الفن من أجل الفن كحركة رومانسية، وردّة احتجاج على مذهب الواقعية في الفن، لكن من منظور مختلف.
ويكتب الدكتور أمين العيوطي في دراسة له بعنوان (الفن للفن – مجلة الهلال – العدد 1 – 1994م) قائلًا بأنها حركة 'لها رؤيتها وفلسفتها وموقفها من قبح الطبقة الوسطى المادي والأخلاقي'. وإذا كان دعاة المذهب قد دعوا إلى عبادة الترف وتأليه الغريزة والإبهار والمتعة، فليس للفنان وفق هذا المذهب إلا ما سعى إليه؛ لهذا ارتبط مذهب الفن للفن بأسماء كبيرة أمثال غوتييه وبودلير وفلوبير وسوينبيرن وأوسكار وايلد، حيث وضع هذا الأخير مبدأ 'الفن فوق الحياة'.
إن منشأ المذاهب الفنية قائم في أعماقها على الاحتجاج. وجد مذهب الفن للفن نفسه في موقف رومانسي متناقض؛ فبين دعوة تُعلي صيغة الفن فوق الحياة، وبالتالي فوق الإنسان، ودعوة تهاجم أشهر روايات المذهب — 'مادموزيل دي موبان' (Mademoiselle de Maupin) — للكاتب الفرنسي تيوفيل غوتييه، المنشورة عام 1835، التي هاجم فيها مؤلفها، على لسان بطلها، فكرة أن للأدب رسالة أخلاقية، وأعلن فيها أن الفن جميل طالما لا يرتبط بأي شيء مفيد (ص 27).
أما بودلير، ففي ديوانه 'أزهار الشر' رأى أن جمال العمل الفني لا يأتي من جمال الموضوع الذي يتناوله الكاتب، بل يأتي من تأمله لموضوعه مهما كان قبحه. وإذا كان قد فرّق بين نوعين من الحب؛ العذري والشهواني، فإنه سعى إلى رفض تسليع الفنان لفنه. ويصفه أرنست فيشر في كتاب 'ضرورة الفن' (ترجمة أسعد حليم، 1986م) بأنه 'رافع راية الجمال المقدسة في مواجهة عالم الرأسمالية المتعجرف' (ص 90)، بينما يقول والتر بنيامين: 'لقد اضطر بودلير إلى المطالبة بكرامة الشاعر في مجتمع لم تعد لديه كرامة من أي نوع حتى يمنحها لأحد'.
من نقطة الكرامة التي فقدها مجتمع الديمقراطيات في العالم، أليس موقف كل من أَرُونْدَاتِي وبن هنية شكلًا من أشكال المقاومة بالفن؟ إن العالم المتحضر الذي أوصل ثقافته بالفن السينمائي والمسرحي يلجأ، في موقف غير مشرّف، إلى التضحية بحياة الأبرياء في قطاع يراق فيه الدم دون توقف، إلى مساواة ذلك كله مع الجلاد، فيمنحه تكريمًا بحجة مهلهلة ومضحكة معًا. قالتها عضوة اللجنة إيفا بوشتشينسكا، التي قوبل كلامها بالاستهجان والرفض، حيث قالت: 'هناك حروب أخرى كثيرة تُرتكب فيها جرائم إبادة جماعية، ولا نتحدث عنها. لذا فهذا سؤال معقد للغاية، وأعتقد أنه من غير العدل أن يُسألنا عن رأينا، وكيف ندعم أو لا ندعم، وهل نتواصل مع حكوماتنا أم لا'. هل من العدل يا إيفا أن يحدث ذلك كله!
المهم هنا أن أَرُونْدَاتِي وبن هنية سجلتا موقفًا شجاعًا في عالم متناقض مزدوج المعايير. ظاهريًا، يعد الفيلمان، باسمَي صاحبتيهما، سلعة غير مباشرة في عالم السياسة.
من شاهد فيلم 'صوت هند رجب' لا شك أصابه شعور غامض بالآلة التي تفتك بالأبرياء بلا رحمة. كما أن الاعتقاد بأن الفيلم سوف يُهاجَم من أولئك الذين يملكون السوق ويتحكمون في الرأسمال العالمي مسألة مفروغ منها؛ فالفيلم لم يكن يهدف إلى تقديم صورة رومانسية لإبادة شعب غزة، ولا سعى إلى تنميط القضية وسرد حكاية طفلة تقتلها رصاصات البنادق وهي محبوسة في سيارة والدها.
بإعلان كوثر رفض تسلّم جائزتها الرفيعة، رغم التصفيق وقوفًا لأكثر من خمس عشرة دقيقة، ما يكشف عن عدم وجود مبدأ يُجزَّأ؛ فإذا كانت إدارة المهرجان لا تريد السياسة في الفن، فإن الآثار البعيدة لإدراك خطورة هذا الطرح من شأنها أن تسحب الفنان صاحب المشروع الثقافي الإبداعي الحُّر من المشاركة. ولعل بصيص الأمل في هذا الموقف يتجلى في تعرّض إيفا للمحاكمة الإعلامية والثقافية والأخلاقية من قبل السينمائيين، أما نقطة التحول الحقيقية والأصلية أراها في سعي أَرُونْدَاتِي وبن هنية إلى تثبيت مكانة السينما ودورها التنويري، وهي تواجه محاولات نسيان صوت الضحية وإعلاء خطاب الجلاد بماء بارد. فألف تحية إلى المخرجتين المبدعتين بن هنية وأَرُونْدَاتِي رُويّ لإيقاظهما شعلة الأمل والعمل في سوق رأسمالي مستهلك للسلع.