ثقافة

د. نور شبلي: علاقتي باللغة تحولت من حب فطري إلى وعي جمالي نقدي ومعرفي

الأدب يسهم في تشكيل الوعي ويعيد صياغة علاقتنا بالعالم

 

تُقدَّم التنمية المستدامة بوصفها تجارب جمالية ولا انفصال بين الجانبين التنموي المستدام والجمالي
الرواية أكثر انفتاحا على التراسل بسبب طبيعة مادتها اللغوية والتجريب الفني لا يفقدها هويتها
اللغة العربية محدودة الانتشار في المجلات العالمية والباحث بحاجة إلى مترجم ومنقح لنشر أبحاثه عالميا
الإنتاج العلمي موجود لكنه بحاجة إلى رعاية واهتمام وتمويل
ليس ثمة أفضلية بين الدراسات العابرة والمنغلقة فكلاهما ضروري
تشتغل الدكتورة نور شبلي المتخصصة في اللغة العربية وآدابها من جامعة حلب، على مقاربة نقدية ترى في اللغة فضاء لإنتاج المعنى، وفي الرواية مرآة لتحولات الحياة الاجتماعية.


اهتمت شبلي في أبحاثها بالبنية الجمالية للسرد والعلاقة بين التشكيل الفني والرؤية الفكرية، وانفتحت على الدراسات البينية من خلال اشتغالها على 'تراسل الفنون في الرواية'، و'جمالية التنمية المستدامة'، في محاولة لقراءة النص. كما خاضت تجربة النشر الأكاديمي في منصات دولية وتوقفت عند تحديات حضور اللغة العربية في المشهد البحثي العالمي، وأسهمت في مشاريع تعليمية، من بينها مشاركتها في تنفيذ مشروع 'منهج قرآني لغتي'، لتطوير المحتوى التعليمي.


في هذا الحوار، نتناول بدايات علاقة الدكتورة نور شبلي باللغة العربية، ورؤيتها للرواية في زمن التحولات وأفق الدراسات، فضلا عن إشكاليات البحث العلمي والنشر الأكاديمي في العالم العربي..


-متى بدأت علاقتك الحقيقية باللغة العربية؟ وهل كانت هذه العلاقة خيارًا واعيًا، أم مسارًا تشكل تدريجيا عبر التجربة والتخصص فيها؟
إن علاقة الإنسان باللغة لا تنشأ في لحظة زمنية محددة، بل هي مكون أساسي من مكونات وجوده الإنساني، ولا سيما في مستواها التواصلي، فهي الإطار الذي يتشكل فيه الوعي، ويتحدد عبره علاقة الإنسان بالعالم من حوله. غير أن علاقتي باللغة العربية ولا سيما بوصفي متخصصة فيها، لم تتوقف عند المستوى التواصلي فقط، ومع مرور الوقت تحولت العلاقة بها من حب فطري وذائقة جمالية إلى وعي جمالي نقدي ومعرفي، وانتقلت إلى مستوى الحضور الجمالي، وقد شكلت نتاجًا أدبيًا فنيًا، أعيش مع هذا الحضور تجارب جمالية، كما أنني كنت أفتقه مع دارسي العربية، ونتلمس مواطن جمالها.


أما عن الدوافع الأولى، فإن الحب هو العتبة المؤسسة لهذه العلاقة؛ فالحب في تقديري هو الشرط الأولي لأي التزام معرفي طويل الأمد، إذ بدأ الأمر منذ المرحلة المدرسية بحلم الانتماء إلى قسم اللغة العربية، ثم تبلور الحلم في مسار أكاديمي انتهى إلى نيل الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، ولم يكن هذا التحقق نهاية المسار، بل استمرار في البحث فيها؛ فما زلتُ أرى في اللغة مجالا تتجدد أسئلته، وأفقا مفتوحا لا يستنفد.


-من 'تراسل الفنون في الرواية' إلى 'جمالية التنمية المستدامة في الآداب والرواية'، يبدو أنك تعملين على مشروع بحثي عابر للتخصصات.


ما أهمية الدراسات العابرة للتخصصات في الواقع المعاصر، وهل ترين لها أفضلية عن الدراسات المنغلقة- أحادية التخصص؟
أذهب إلى أن الدراسات العابرة للتخصصات ضرورة معرفية في الواقع المعاصر، وليس ترفا بحثيا؛ فكثير من الأسئلة المعاصرة لا يمكن أن تفتق أو يضاء عليها من داخل حقل واحد فقط، بل واقعها يفرض العبور إلى تخصص آخر، كما أننا أمام واقع معاصر منفتح لا يمكن أن نقرأه بعين واحدة، بل نحتاج إلى عيون كثيرة.


وأرى أن الانفتاح التخصصي يمنح أفقا بحثيا واسعا، يمكنه أن يضيء على مجال محدد من زوايا مختلفة. وفي هذا الإطار أشير إلى أمرين؛ أولهما أهمية أن يكون العبور بين التخصصات عبورا واعيا، مؤسسا له ومضبوطا في المفاهيم والمصطلحات وآليات الاشتغال، لا انتقالا سطحيا أو مزجا عشوائيا. أما الأمر الآخر، فهو ضرورة أن يكون العبور الواعي قائما على أرضية تخصصية متينة، ينطلق منها للانفتاح على تخصص آخر؛ وبهذا يغدو عبورا واعيا ومنتجا، ومولدا لحالة من الانسجام والتكامل.


أما عن سؤالك عن أفضلية الدراسات البينية- العابرة للتخصصات أو المنغلقة- أحادية التخصص، فبرأيي ليس ثمة أفضلية لهذه أو تلك؛ فالمجال البحثي ليس منحازا لنوع محدد منهما، بل هو بحاجة إليهما معا؛ فالدراسات العابرة ليست بديلا عن الأحادية، كما أني لا أرى التخصص الأحادي منغلق الحدود انغلاقا تاما، بل ينطوي ضمنا على العبور إلى التخصصات الأخرى، ولكن يختلف عن التخصصات العابرة في طبيعة هذا العبور ونوعية حضوره في الانطلاق والمسار والمآل. وفي نهاية المطاف، سواء كانت الأبحاث عابرة التخصصات أو منغلقة فإن المجالات البحثية تحظى بمناظير وزوايا تناول مختلفة ومتنوعة، تغني الإنتاج العلمي.


-اقتحمت مجال الربط بين التنمية المستدامة والآداب ولا سيما الرواية، وهو مجال يعد جديدا عربيا، وتناولا بكرا للرواية، كيف تشكلت لديك هذه الرؤية؟ وما الأسس التي قامت عليها؟
تشكلت هذه الرؤية في أثناء اشتغالي على سؤال الجمال ودوره في تشكيل الوعي، ولا سيما في الرواية بوصفها خطابا جماليا فنيا معرفيا؛ فالأدب عموما يسهم في تشكيل الوعي، ويعيد صياغة علاقتنا بالعالم من حولنا.


وفي الواقع المعاصر ومع تصدر حضور التنمية المستدامة، وتعدد المجالات التي تغطيها، وكسر انحصارها بما هو اقتصادي إلى ما هو بيئي واجتماعي وإنساني وثقافي، عمدت في قراءة الفنون والآداب إلى منظار مغاير؛ بوصفها فاعلا تنمويا، تسهم في تشكيل الوعي التنموي عبر القضايا البيئية والاجتماعية والثقافية التنموية التي تطرحها، وتشيع الاهتمام بها مجتمعيا وثقافيا، وتؤسس للمستقبل بنظرة مستدامة.


وما يميز الأدب- ومنه الرواية- أنه لا يعرض التنمية المستدامة بوصفها أفكارا أو سياسات أو في حالتها التخطيطية، ولا يقدم حلولا مباشرة، ولكنه يعيد صياغة الوعي التنموي المستدام، عبر تقديم تجارب جمالية فنية معيشة، ترسخ قيم الاستدامة، ولذلك عمدت إلى المزاوجة بين 'التنمية المستدامة' و'الجمالية' في العنونة والاشتغال البحثي، وما قصدته من إيراد مصطلح 'جمالية' هو التناول الجمالي الفني للقضايا التنموية، ومعالجتها حسب الكينونة الفنية لفن محدد وحسب سماته النوعية، وعبر تقنياته وأساليبه؛ مما يجعل قضايا التنمية المستدامة معروضة جماليا، وهذا ما يستثمر التأثير الجمالي الثري؛ لتفعيل المسؤولية التنموية بأبعادها الاجتماعية والثقافية والبيئية والاقتصادية، ويفصح في الآن نفسه عن إمكانات وقدرات جمالية للفنون، فليس الهدف من المقاربة أن نعرض القضايا التنموية فقط، وتتحول إلى سجل أو وثيقة تنموية، بل الإضاءة على الجانب الجمالي الفني؛ أي التنموي المجلى فنيا، فلا انفصال بين الجانبين التنموي المستدام والجمالي، بل هما في علاقة جدلية.


-هل هناك تحديات واجهتك عند طرح هذه المقاربة في الوسط الأكاديمي؟
ليس ثمة عمل يخلو من التحديات، وفي مقدمتها العمل على تثبيت حقل بيني عابر للتخصصات، ولاسيما أن أي مشروع يتجاوز الحدود الثابتة بين الحقول المعرفية أو يحمل طرحا مختلفا في السياق الأدبي أو النقدي يواجه بشيء من التحفظ؛ لذا كان لزاما عليّ أن أؤسس للمقاربة بجهاز مفاهيمي، وأن أعمل على بلورة مصطلحات واضحة تضبط هذا المجال بين الحقلين المعرفيين، ليفرز إطارا تنظيريا، لمقاربة جمالية نقدية، تمتلك أدوات ومفاتيح تشريحية للفنون والآداب ولا سيما الرواية التي كانت ميدانا تطبيقيا لهذه المقاربة.
وما هذا كله إلا بذرة لأفق مختلف ومنظار مغاير في دراسة الأدب ومنه الرواية، ليفتح بابا بحثيا، آمل أن يلقى حوارا نقديا، وأن يسهم في إثارة تساؤلات؛ تمنح البحث فاعلية وقابلية للتطوير، وتفتح آفاقا جديدة، وتولد مسارات بحثية مختلفة في الاشتغال، ليتحول إلى مسار نقدي راسخ.


- عملت على مصطلح 'تراسل الفنون' في الرواية، هل يمكن أن نعد الرواية أكثر انفتاحا على التراسل من غيرها من الفنون؟
ربما يمكننا القول إن الفنون الأدبية من أكثر الفنون انفتاحا على التراسل مع الفنون الأخرى، ومرد هذا إلى طبيعة المادة اللغوية التي تتشكل منها، فتغدو أكثر قدرة على الاستيعاب والمرونة؛ فباستطاعة اللغة أن تخبر وتسرد وتصف وتشكل. وتتميز الرواية عن سائر الفنون الأدبية بخصائص؛ تجعلها أكثر انفتاحا على التراسل مع الفنون، الأدبية وغير الأدبية، وعلى أكثر من مستوى، سواء على صعيد الموضوعات أو التقنيات أو الأساليب، ويعود هذا إلى جملة من الأسباب، وفي مقدمتها خصائص نوعية في كينونة الرواية، ومنها تعدد اللغات والأساليب، والاتساع النصي، وامتدادها المكاني والزماني، كما يمكن فهم القدرة التراسلية للرواية على أنها نتاج طبيعي لنضجها الفني ومرونة التجريب من غير أن تفقد هويتها، ولذلك تعد الرواية فضاء جماليا خصبا لتجربة تراسل فنية، ولدمج أنظمة تعبير مختلفة تثريها، وتوسع أفق التجربة الجمالية عند المتلقي.


-كيف ترين المشهد الروائي المعاصر في سوريا بعد انتهاء التوتر السياسي، وكيف واكب هذه المرحلة؟
يتفاعل الأدب مع البنى الاجتماعية والتاريخية، ولا ينفصل عن السياقات التي ينتج ضمنها، والأديب ليس ذاتا معزولة، بل ذات اجتماعية تاريخية تتشرب تحولات عصرها، وإن مواكبة الأدب لمجريات الواقع والمجتمع ليس بعدا عارضا، بل خاصية تأسيسية في ماهيته، فهو خطاب فني ثقافي اجتماعي يتشكل داخل شروط تاريخية محددة، ويعيد في الآن ذاتها تفكيكها ومساءلتها في خطاب جمالي فني. ولذلك فإن كان ثمة أحداث مفصلية في التاريخ الإنساني من تحولات المجتمعية أو أحداث سياسية كبرى، من حروب أو هجرات أو ما شابه، فإنها ستنعكس بالضرورة على موضوعات الأدب وعلى تشكيل البناء الفني، لا بوصفها وقائع مباشرة أو أفكارًا تقريرية، بل بوصفها تجارب معيشة تشكل فنيا.


وربما كانت مرحلة الثورة السورية 2011- 2024 منعطفا في تاريخ سوريا المعاصر، بل وفي تاريخ الأقطار العربية وربيعها العربي، فهي ليست تحولا سياسيا فقط بل اقتصادي واجتماعي وثقافي وفني أدبي، فقد أحدثت تحولا في الرؤية، وأعادت طرح أسئلة حول أفكار ومفاهيم حول ثنائيات من مثل السلطة والشعب، وحول الحرية وحقوق الإنسان.
ولذلك بتنا أمام متون روائية رافقت هذه المرحلة الخطيرة والحساسة من تاريخ سوريا، كشفت عن الخوف المتجذر في بنية المجتمع السوري، ووثقت في جانب من جوانبها هذا الواقع توثيقا فنيا تخييليا، فكانت بذلك فعلا فنيا مقاوما، وهذا ما أفرز نوعين من الأدب؛ أدب السجون، وأدب الثورة، كما أن الأفق مفتوح لروايات التحرير وما بعده. ولذلك فإن النقد أيضا واكب وسيواكب هذه التحولات بتقديم قراءات حول الثورة السورية، التي غدت قوة مولدة لتحولات جمالية فنية في الرواية السورية.


-كنت من أوائل من نشر بحثا في مجلة عالمية مصنفة ضمن مستوعبات سكوبس خلال مرحلة الدكتوراه، وتحدثت عن معاناة الباحث العربي، خاصة في مجال اللغة العربية، في الوصول إلى منصات نشر عالمية. برأيك أين تكمن المشكلة؟


ثمة ثغرات وحالة تخبطية يعيشها الباحث، وأخص هنا باحثي اللغة العربية وآدابها- عندما يخوض غمار البحث عن مجلة مصنفة ضمن مستوعبات عالمية، ومن المؤكد أنه ليس هناك عملا يتجرد من الصعوبات، ولكن طبيعة الصعوبات المفروضة لا تتطلب جهدا من الباحث، بل هي بحاجة إلى الإضاءة على واقع مفروض، وتستدعي ضرورة معالجته.
فثمة ندرة في المجلات العالمية المصنفة عالميا، التي تهتم باللغة العربية وبآدابها، وتنشر بهذه اللغة.

وهي مشكلة مركبة؛ أطرافها كثيرة، فوفقا للمعايير الدولية هناك تفضيل للغة الإنجليزية، فتصدر اللغة الأجنبية، ولا سيما الإنجليزية، في النشر الأكاديمي العالمي، يعني مقروئية أوسع، في حين تبقى الأبحاث المكتوبة باللغة العربية محصورة بمقروئية أضيق وفي نطاق جغرافي محدود، ولو كان البحث المكتوب بها رصينا إلا أن حاجز اللغة يحد من انتشاره وتأثيره العالمي؛ لذا لا بد لنا من إنشاء مراكز لترجمة الأبحاث وتدقيقها، فمهما كان الباحث متمكنا من هذه اللغة إلا أنه بحاجة إلى مترجم مدقق ومنقح للبحث.

إلى جانب ذلك ثمة ندرة في وجود مجلات مجانية أو معتدلة في تكاليف النشر، ولم يعالج هذا الأمر عربيا، بل إن هناك ضعفا في التمويل وفي الدعم المؤسسي لتكاليف أجور النشر؛ فالإنتاج العلمي يحتاج إلى تمويل، والتمويل المحدود لا يعالج المشكلة.


والنقطة الأخرى التي تستدعي تراجع النشر في مجال العلوم الإنسانية عامة ومنه قسم اللغة العربية هي طبيعة مجال العلوم الإنسانية نفسها، وهي مشكلة عالمية وليست عربية فقط؛ فالعلوم الإنسانية عموما تعتمد على التحليل النوعي التأويلي لا الكمي القياسي أو التجريبي كما في العلوم التطبيقية، والاهتمام البحثي العالمي ما زال يعطي الأولوية لهذه العلوم القابلة للقياس الكمي، من علوم طبيعية وهندسية وطبية، ولذلك ينبغي ألا نخضع العلوم الإنسانية لنفس مقاييس العلوم التطبيقية ومنطقها، بل نعتمد معايير نوعية، تراعي الخصوصية البحثية لهذه العلوم، ويعيد لها حضورها.


وكما أن هذه الحال من صعوبة النشر في مجلات مصنفة ضمن مستوعبات عالمية تفتح التساؤلات حول واقع البحث العربي، وتقرأ جوانب من هذا الواقع في البلاد العربية، وإني أذهب إلى أنه ليس ثمة ضعف في الإنتاج العلمي، بل لدينا طاقات بحثية كبيرة، بقدر ما هو بحاجة إلى رعاية واهتمام بباحثيه، وإلى جانب حاجته إلى العمل على التخلص من ملامح وسمت عددا من الأبحاث والمراكز البحثية والرسائل الجامعية، من التأطر بإطار الشكلية، أو نوع من الآلية المقيتة، أو تحكميها بأسباب تخرج عن العلمية.