أعمدة

التعطش للحرب

في اللحظات الأولى بعد ما حدث في السابع من أكتوبر في غزة، ومع فرحة أصدقائي الفلسطينيين بهذا الاختراق العظيم لإسرائيل ومنظوماتها الدفاعية وكل ممارساتها البربرية على الفلسطينيين منها التحكم في أجسادهم، وكل صغيرة وكبيرة تدخل وتخرج من وإلى غزة، كان شعوري الأول هو الذعر.

قلتُ لصديقي: سيقتلونكم جميعًا. لا يتنافى خوفي هذا مع رغبتي في انتزاع هذا الكيان الطفيلي وشطبه من الوجود، لكنني أعرف إسرائيل ووحشتيها. لم يجعلني هذا أتخذ في وقت لاحق، موقفًا مناهضًا لحماس، لكن هذا لم يمنعني أيضًا من الخوف على إخوتي في غزة. ما زالت لديّ أفكار محيرة عن العنف الثوري لكنني لا أريد الحرب، لا أريد أكثر من مائة ألف شهيد ولا أريد شهيدًا واحدًا.

حدث الأمر نفسه، عندما استيقظت قبل أيام على مقابلة مبشرة لمعالي وزير الخارجية العماني، بدت لي استثنائية حقًا، قال فيها إن كل الأسباب المدعاة لبدء هذه الحرب قد تم التعامل معها ومعالجتها تمامًا، وبهذا فإن لا أسباب لشن هذه الحرب إلا الرغبة في الحرب فقط، ليشارك الرأي العالمي ما يحدث على الأرض فعلًا. عندما أنهيتُ المقابلة، قرأتُ خبر القصف الإسرائيلي على إيران، تبددت نوايا بلادي في استدراك قيام الحرب، وتبددت وساطة بُذل فيها الكثير لتحول دون حمامات الدماء المبثوثة على الهواء مباشرة.

تخشبتُ هذه الأيام أمام قنوات الأخبار، وتابعتُ مصادر مختلفة لفهم ما يجري حقًا. عبرتُ عن دهشتي من استمرار اجترار الخطاب الاستعماري الذي لا يبدو أنه سينتهي أبدًا، حول تحقيق الديمقراطية في بلاد قمعية ومستبدة. ترامب خائف على النساء الإيرانيات، ومتعاطف مع الجموع التي خرجت للتظاهر خلال الشهر الماضي ضد النظام الإيراني، نائبه يقول إن إيران قتلت الشهر الماضي ٣٢ ألف إيراني من المتظاهرين (صدق أو لا تصدق أنه النظام الذي شكك بعدد شهداء الإبادة الإسرائيلية في غزة والتي امتدت لأكثر من عامين) لهذا سُيقدم على تحرير هذا الشعب، هذا بالإضافة إلى نزع الصواريخ الإيرانية وما إلى ذلك.

أما في مسألة التحرير فقد استخدم هذا الخطاب «حرفيًا» لاحتلال بغداد، وبالمثل في الحالة الأفغانية وهذه الأخيرة كانت أحد خطابات إقناع الرأي العام الأمريكي هي تخليص النساء الأفغانيات من الموت المحقق، أدعو لقراءة هذا بالتفصيل في كتاب ليلى أبو لغد «هل تحتاج المرأة المسلمة إلى إنقاذ». وبخصوص الأسلحة، فقد ذهبوا للعراق بسبب سلاح الدمار الشامل. لا جديد أبدًا في كل هذا، وأظن بأن وقاحة هذا الخطاب تثبتُ أن الوقاحة باتت جزءًا بنيويًا من الممارسات السياسية الحالية.

على الجانب الآخر، خرج كاتب عماني على تويتر، ليكبر ببدء إيران في إطلاق صواريخها، معتبرًا أن نهاية اليهود قد حانت. يستخدم هذا الكاتب أسلوبًا مدهشًا فيقول: «مشاوي يهودية على يد الشيف الإيراني» ويدعو وزير الخارجية أن يغلق الهاتف في وجه الأمريكان، أي أنه يدعو لإيقاف محاولات سلطنة عمان في الوساطة والوصول لحل دبلوماسي بدلًا من الحرب. فكرتُ بالطريقة التي يفكر بها هذا ومن يشبهونه وهم كثر، يعتبر هؤلاء أن الحرب عبارة عن عرض تلفزيوني مشوق. ويتوقعون من آخرين أن يصبحوا فاعلين في قضايا هم من يؤمنون بها - هذا الكاتب وأشباهه- فيحملون الآخر عبء التعامل مع ما يعجزون عن فعله، وتقتصر مساهمتهم فيه، التشجيع على تويتر ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى، وتصميم مناكفات ساذجة عن ولائهم، ويكتبون تعليقات تهكمية من قبيل: المشاوي والشيف.

لم يخب ظني أبدًا، منذ الساعات الأولى، اغتيلت طالبات مدرسة ابتدائية. وبعدها بقليل استهدف أكثر من ٤٠ قائدًا إيرانيًا، منهم المرشد الأعلى، ورئيس جهاز المخابرات، ورئيس الحرس الثوري. من السهل بما كان رؤية هذه الهزيمة المدوية كنذير شؤم لما تعد به الحرب البسطاء، إذا كانت فاعلية الاغتيالات قد تحققت منذ اليوم الأول، اغتيالات في الصفوف الأولى رغم تأمينها ورغم الاحترازات لردع أي تهديد لها، ما الذي سيحدث لبقية الناس؟

خلال ساعات كانت إيران قد قصفت مواقع في الخليج العربي. صفارات الإنذار تدوي في الكويت، ولأنني عشتُ فيها أعرف ما الذي يعنيه دويها لشعب اختبر الغزو، وعاش في صدمته الباقية، يوم الاثنين أُعلن عن استشهاد كويتيين من البحرية. كل هذا المتوقع جدًا لم يجعل هذا وأمثاله يفكرون مليًا قبل هذا التفاعل الصبياني والمخزي مع ما يحدث.

عُمان على الرغم من خيانة وساطتها، إلا أنها أثبتت من خلال بياناتها الرسمية، استعدادها لاستئناف العمل الدبلوماسي، كما أعلنت وبلهجة واضحة إدانة كل الأطراف، وسمت الأشياء بمسمياتها، الأمر الذي يدعو للفخر والاعتزاز حقًا، لولا ألا مكان لهذه المشاعر في ظل استمرار الحرب، لا مجال للتفكير إلا بأهمية أن تتوقف الآن، وأن ينتهي هذا السعار الذي طال مدن الخليج. وعندما يتوقف هذا، علينا أن نوثق بوضوح موقفنا النبيل من هذه الفظاعة.

يتعطشون للحرب، من داخل غرفهم الآمنة. وما أن تقول لهم ذلك، حتى يصمونك بالجبن في أحسن الأحوال والعمالة في أسوئها. كم طنًا من لحوم البشر تريدون من أجل أن تطمئنوا أنكم في الطريق الصحيح لمواجهة أعدائكم، أم تراهم - هؤلاء الأعداء - أعداء الممزقين وأصحاب الوجوه المنزوعة بشرتها، الرأس المنفصل عن الجسد؟ هذا إذا كنتم تفكرون أبعد من المواقع التي تقف عليها أقدامكم. ولماذا تتخيلون أن هذا بعيدٌ عن بيوتكم الآن، وأن الحرب التي تدفعون بها لأنها ليست في أماكنكم، ها هي الآن تجاوزت باب البيت، وتفتشُ في غرفه.