هل يفتح انقلاب ترامب على عقيدة "باول" العسكرية الباب أمام سيناريوهات كارثية ؟
تحليل
الثلاثاء / 13 / رمضان / 1447 هـ - 20:36 - الثلاثاء 3 مارس 2026 20:36
واشنطن'د.ب. أ': عندما بدأت القنابل تتساقط على إيران منذ ايام قليلة شعر معظم الأمريكيين بالدهشة، التي شعر بها باقي العالم، فرغم أن الحشد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط تزايد خلال الأسابيع السابقة، فإن المفاوضات بين واشنطن وطهران كانت لا تزال جارية.
وبينما كان الجيش الأمريكي يستعد للهجوم، أخفت إدارة دونالد ترامب الهدف الدقيق. كان النقاش الوطني في الولايات المتحدة بشأن الحرب محدودا للغاية، كما كان الحوار مع حلفاء الولايات المتحدة محدودا، ولم يجر أي تصويت في الكونجرس حول جدوى بدء هذه الحرب.
وبعد ثلاثة أيام من نشوب الحرب بقرار أمريكي إسرائيلي لم يقدم مسؤولو الإدارة الأمريكية رؤية محددة لكيفية إنهائها، في الوقت الذي تبدو فيه فرص حدوث سيناريوهات كارثية أكبر بكثير من احتمال تحقيق الرئيس لأهدافه من الحرب، بحسب تحليل ريتشارد فونتاين الرئيس التنفيذي لمركزالأمن الأمريكي الجديد المنشور في مجلة فورين أفيرز الأمريكية.
ويرى فونتاين أن استخدام ترامب للقوة العسكرية الأمريكية يتناقض، من نواح عديدة، مع ما يعرف باسم 'عقيدة باول' التي طورها الجنرال الأمريكي كولن باول أثناء حرب تحرير الكويت المعروفة باسم حرب الخليج الأولى عام 1991 وتقضي هذه العقيدة بأن يكون استخدام القوة هو الملاذ الأخير فقط، بعد استنفاد جميع الوسائل السلمية.
وإذا كانت الحرب ضرورية، فيجب شنها لتحقيق هدف واضح، مع استراتيجية انسحاب واضحة، وبدعم شعبي. ويجب أن تستخدم قوة ساحقة وحاسمة لهزيمة العدو، مستخدمة كل الموارد المتاحة - العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وكما كتب باول لاحقا، لا يمكن للقادة العسكريين 'الرضوخ بهدوء لحرب مترددة لأسباب واهية لا يستطيع الشعب الأمريكي فهمها أو تأييدها'.
أثار نهج باول، الذي استند إلى معايير وضعها وزير الدفاع الأمريكي في ثمانينيات القرن العشرين كاسبار واينبرجر، جدلا واسعا منذ البداية. فقد رأى بعض النقاد أن نهج 'الكل أو لا شيء' في الحرب سيحول دون استخدام القوة بشكل مدروس لتحقيق أهداف متواضعة ولكنها لا تزال مهمة. أما بالنسبة لمؤيدي هذا المبدأ، فقد كان هذا هو الهدف تحديدا، إذ اعتبروا التدخلات المستمرة، كتلك التي قامت بها إدارة كلينتون في الصومال وهايتي ويوغوسلافيا السابقة، إساءة استخدام للقوة العسكرية تنذر بالفشل أو الوقوع في مستنقع.
بدأ هذا النهج الجديد في الحرب يتبلور خلال ولاية ترامب الأولى، وترسخ في ولايته الثانية. ففي عامي 2017 و2018، أمر ترامب بشن ضربات صاروخية على نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وواصل العمليات العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا ضد تنظيم داعش، بما في ذلك الغارة التي أسفرت عن مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي.
وفي عام 2020، قتلت القوات الأمريكية الجنرال الإيراني قاسم سليماني. وفي العام الماضي، شن ترامب حربا على جماعة انصار الله في اليمن، ودمر مواقع نووية إيرانية رئيسية، وهاجم مسلحين في شمال نيجيريا. وفي هذا العام، غزت إدارته فنزويلا للإطاحة برئيسها نيكولاس مادورو، وقبل 3 أيام فقط، أطلقت عملية عسكرية واسعة النطاق في إيران.
من ناحية أخرى، اعتمد ترامب نهجا يقوم على استغلال الغموض لصالحه، لمباغتة خصومه؛ فعلى سبيل المثال، وقعت الهجمات الأمريكية على إيران عامي 2025 و2026 أثناء سير المفاوضات. ولم تصدر إدارته أي إنذارات علنية لسليماني أو مادورو. ويبدو أن ترامب لا يعتبر القوة خيارا يتم اللجوء إليه فقط عند استنفاد جميع الوسائل الأخرى، بل هي إحدى الأدوات المتاحة لتعزيز النفوذ، وتحقيق أقصى قدر من المفاجأة، وإحداث تغيير ملموس.
ومن بين عناصر مبدأ باول التي يبدو أن ترامب تجاهلها تماما هو السعي للحصول على الدعم الشعبي. إذ يعتبر مبدأ باول الاحتجاجات التي اندلعت خلال حرب فيتنام ضد التدخل الأمريكي مثالا نموذجيا يجب تجنبه.
فإذا كان هدف ما بالغ الأهمية للأمريكيين لدرجة تدفعهم للقتال، فمن الأجدر أن يدعمه الشعب الذي يقاتل باسمه. ويتطلب كسب هذا الدعم عادة من الرئيس تقديم حجج مقنعة، بشكل متكرر وعلى مدى شهور. كما انه من المتوقع في مثل هذه الحال الحصول على موافقة الكونجرس على شن الحرب بعد نقاش مطول.
في حين تدعو عقيدة باول إلى الوضوح، يفضل ترامب المرونة. لكن ترامب لم يسع إلى الحصول على التأييد الشعبي، لأي من عملياته العسكرية ولم يصوت الكونجرس على تفويضه في أي منها. بل بدأ كل صراع فجأة واتخذ مسارا غير متوقع.
وبدلا من تقديم مبررات لكل حرب، أصر الرئيس مرارا على أنه يأمل في تجنبها. وتمثل إيران اليوم عملية أكثر طموحا لتغيير نظام الحكم فيها، لكن ترامب في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الأسبوع الماضي واستمر قرابة ساعتين، لم يتحدث عنها إلا في بضع جمل، وهو أمر لافت للنظر عندما تتجاهل الإدارة الأمريكية النقاش العام بشأن حرب بمثل هذا الحجم والخطورة.
في الوقت نفسه تجنبت إدارة ترامب أيضا تحديد أهداف واضحة لاستخدامها القوة. فعند إعلانها بدء الحرب مع إيران، قال الرئيس إن الهدف هو 'الدفاع عن الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة من النظام الإيراني'، على الرغم من أن طهران لم تكن تخصب اليورانيوم ولا تمتلك صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة.
وبعد يوم من بدء الهجمات، كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن القصف يهدف إلى تحقيق 'هدفنا المتمثل في السلام في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بل وفي العالم أجمع!'. وقد صرح بأن الهدف هو تغيير النظام في إيران، وأنه يخطط للتفاوض مع القيادة التي حلت محل المرشد الأعلى.
وفي حين تدعو عقيدة باول إلى الوضوح، يفضل ترامب المرونة. فمن خلال ادعاء أهداف متعددة وغامضة في كثير من الأحيان، يحتفظ الرئيس بالقدرة على وقف القتال دون الاعتراف بالهزيمة. عند إعلانه عن هجمات على انصار الله في العام الماضي، قال ترامب: 'سنستخدم قوة فتاكة ساحقة حتى نحقق هدفنا'، وكان الهدف المزعوم هو إنهاء هجمات انصار الله على السفن الأمريكية في البحر الأحمر.
وقال ترامب لاحقا إن انصار الله 'سيتم إبادتهم بالكامل'. ولكن بعد شهر من حملة قصف مكلفة وناجحة جزئيا فقط، أبرمت الإدارة صفقة مع الجماعة لإنهاء هجماتها دون أن يتوقف انصار الله عن مهاجمة السفن في البحر الأحمر أخيرا، تنص عقيدة باول على ضرورة استخدام قوة ساحقة وحاسمة في سبيل تحقيق الهدف وهزيمة العدو بأسرع وقت ممكن وبشكل حاسم.
أما نهج ترامب، من ناحية أخرى، فيفضل العمليات العسكرية القصيرة والحاسمة التي تستخدم أنواعا محددة من القوة فقط، وخاصة القوة الجوية والقوات الخاصة، مع استبعاد القوات البرية التقليدية في أغلب الأحيان. إذا كان ثمن تغيير النظام في إيران هو نشر قوات برية واسعة النطاق، فقد أوضح ترامب من خلال أفعاله السابقة أن الولايات المتحدة لن تدفع هذا الثمن، بل ستكتفي بأقل من ذلك.
ويقول ريتشارد فونتاين الذي عمل سابقا في وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي الأمريكي ومستشارا للسياسة الخارجية للسيناتور جون ماكين، إنه من المرجح ألا تكون هذه هي أفضل طريقة للتعامل مع جميع الحالات، وقد نشهد قريبا حدود نهج ترامب في الحرب، مضيفا أن الهجوم على إيران يمثل أكثر مناورات ترامب في السياسة الخارجية طموحا حتى الآن.
فهزيمة نظام الحكم في بلد أكبر بكثير وأكثر اكتظاظا بالسكان من العراق أو أفغانستان، من خلال عملية لا تتضمن أي غزو بري، ولا حلفاء محليين واضحين، وفي مواجهة جهاز أمني راسخ، سيكون أمرا بالغ الصعوبة.
في الوقت نفسه فإن نطاق السيناريوهات الكارثية، بدءا من سيطرة ديكتاتورية عسكرية بقيادة الحرس الثوري على السلطة في إيران إلى انزلاق البلاد في فوضى داخلية، أوسع بكثير من الاحتمال السعيد المتمثل في انتفاضة ديمقراطية.
وهنا، قد تظهر مرونة الرئيس وغموضه الطريق للمضي قدما. إذا فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو إذا تكبدت القوات الأمريكية خسائر فادحة، أو إذا سئم الشعب الأمريكي من الصراع، أو إذا بدا البديل لاستمرار حكم النظام أسوأ، فبإمكان ترامب إيقاف القتال.
بادعائه أن الهدف منذ البداية كان إضعاف إيران ببساطة وضمان عدم حصولها على سلاح نووي، وبالتالي يمكنه إعلان إنجاز المهمة وإنهاء المغامرة.