عمان اليوم

رمضان.. فرصة للشباب في بناء عادات صحية وروحانية متوازنة

 

العُمانية: يعد شهر رمضان المبارك موسمًا إيمانيًّا متجددًا، تتجدد فيه معاني التقوى وتستنهض فيه الإرادة نحو التغيير والإصلاح، ويبعث في نفوس الشباب دافعًا صادقًا لمراجعة ذواتهم، بحيث يتجاوز الامتناع المؤقت عن بعض السلوكيات الخاطئة إلى بناء إرادة نفسية إلى ما بعد حدود الصيام، وتُعيد توجيه البوصلة المجتمعية نحو المقاصد الحقيقية للعبادة وربطها بقيم حفظ النعمة والابتعاد عن الإسراف والتبذير، بما يسهم في بناء شخصيات أكثر وعيًا بالمسؤولية والتكافل المجتمعي، وقادرة على تحقيق التوازن بين البعد الروحاني للشهر الفضيل ومتطلبات الحفاظ على اللياقة البدنية.
وتقول السّيدة الدكتورة زكية بنت قحطان البوسعيدي، استشاري أول طب أسرة ومعالجة نفسية، عن شهر رمضان المبارك كمنهج حياة صحي وإيماني متكامل يُسهم في إعادة ضبط العادات الصحية والنفسية لدى الشباب: الشهر الفضيل في جوهره، ليس فقط امتناعًا عن الطعام والشراب، وإنما هو دعوة شاملة لإعادة التوازن بين احتياجات الجسد ومتطلبات النفس والروح، مؤكدة أن هذا التوازن يسهم في بناء شاب أكثر وعيًا بذاته، منسجمًا مع قيمه، قادرًا على اتخاذ قرارات يومية تعكس هذا الانسجام.
وأضافت أن المفاهيم التي يمكن استحضارها في هذا السياق هو الحضور الذهني في كونه أسلوب حياة، لا مجرد تقنية عابرة، فالشهر الفضيل فرصة ذهبية لممارسة هذا الحضور في مختلف تفاصيل يومنا؛ بدءًا من استشعار نية الصيام، إلى التفاعل الواعي مع العبادات كالصلاة وقراءة القرآن، وحتى أثناء أداء المهام اليومية كالدراسة أو العمل أو التفاعل مع الآخرين. فعندما يتحول الصيام إلى تجربة واعية نعيشها بكل حواسنا، فإننا ننتقل من أداء العبادات بشكل تلقائي إلى استشعار معانيها، ومن إدارة يومنا بردود فعل إلى عيشه بقصدٍ وانتباه.
وبيّنت أن الدور العميق الذي تلعبه العبادات هو تعزيز الشعور بالسكينة الداخلية والتوازن النفسي، فالالتزام بالصلاة والدعاء والتأمل في معاني الصيام يسهم في تهدئة الجهاز العصبي، وتقليل التوتر، وتعزيز الإحساس بالمعنى والانتماء. مؤكدة أن هذه التجربة الروحانية، حين تُعاش بوعي، لا تنتهي بانتهاء رمضان، بل تترك أثرًا مستدامًا في قدرة الشاب على التعامل مع ضغوط الحياة بتوازن ومرونة نفسية أكبر.
وأوضحت: يمكن النظر إلى رمضان باعتباره نقطة انطلاق لمراجعة الأهداف الحياتية، فهو توقيت ملائم للتأمل في الاتجاهات التي نسير فيها، ولمساءلة المفاهيم والسلوكيات التي لم تعد تتناسب مع قيمنا الشخصية، فيصبح التخلي عن بعض العادات السلبية -سواء كانت غذائية أو نفسية أو سلوكية- أكثر قابلية للتحقق بالتوازي مع تجربة اكتساب سلوكيات جديدة أكثر اتساقًا مع ما نطمح أن نكون عليه.
وأشارت إلى أن التحدي الحقيقي لا يَكمن في تغيير عاداتنا خلال شهر رمضان فحسب، بل في قدرتنا على حمل هذا الاتزان إلى ما بعده، ونكون قد اكتسبنا مهارة الحضور الذهني، وراجعنا أولوياتنا، وبدأنا في بناء عادات صحية وروحانية متوازنة، وحوّلنا رمضان من محطة مؤقتة إلى نقطة تحول مستدامة في مسار حياتنا.
وفي سياق الحديث عن تحويل شهر رمضان إلى منهج حياة متكامل، لا يكتمل هذا التوازن دون التوقف عند أحد أبرز التحديات السلوكية المتمثلة في اضطراب أنماط النوم والسهر لساعات طويلة، وما يترتب عليه من آثار صحية ونفسية تؤثر في أداء الشباب وإنتاجيتهم خلال فترة الصيام.
من جانبه قال الدكتور صالح بن سيف الهنائي استشاري أول طب أسرة: 'نلاحظ أن السهر في شهر رمضان يتحول لدى الشباب إلى عادة شائعة، غالبًا ما ترتبط بالتجمعات الاجتماعية ومشاهدة البرامج، أو حتى الألعاب الرياضية والإلكترونية، ما يؤدي إلى استنزاف الصحة الجسدية والذهنية، لكن مع ذلك يمكن إعادة تعريفه ليصبح جزءًا من إدارة وقت واعية، وذلك من خلال تحويل السهر إلى فترة إنتاجية محدودة مثل تخصيص ساعات بعد التراويح لقراءة القرآن أو التعلم الذاتي أو مناقشات فكرية هادئة مع الأصدقاء أو ممارسة الرياضة'.
وأشار إلى أنه يُنصح بتحديد سقف زمني للسهر على ألا يتجاوز الساعة الثانية عشرة صباحًا، بحيث يصبح السهر فرصة للنمو الروحي والعقلي لا مجرد وقت للتسلية، ويسهم في الحد من الإرهاق المزمن ويحوّل الشهر إلى تجربة إيجابية.
وأضاف أن تنظيم ساعات النوم يسهم بشكل كبير في تعزيز الصفاء الذهني وجودة الأداء اليومي، وتحقيق خشوع روحي حقيقي، حيث يتعرض الجسم خلال فترة الصيام إلى تغييرات في الإيقاع البيولوجي، ما يؤدي إلى اضطرابات نوم قد تقلل من التركيز وتزيد من التوتر. مشيراً إلى أن النوم المنظم بحسب الدراسات، يقلل من إفراز هرمون الكورتيزول 'هرمون التوتر'، وهو ما ينعكس إيجابًا على المزاج والقدرة على التركيز، كما يعزز الإنتاجية اليومية عند استعادة الطاقة بعد الصيام، وهذا بحد ذاته يجعل الشباب أكثر كفاءة في الدراسة أو العمل.
وأضاف أن النوم الكافي يسهم على المستوى الروحي في تحقيق خشوع أعمق أثناء العبادات، إذ يمنع الإرهاق من تحويل الشهر إلى دائرة من التعب المستمر، ليصبح وقتًا للتأمل الهادئ، واستنادًا إلى دراسات تناولت فوائد النوم أثناء الصيام التي أكدت على أهمية تعويض نقص النوم بأخذ قيلولة قصيرة بعد الظهر من 20 إلى30 دقيقة.
وأوضح أن السهر المفرط يؤدي إلى اضطرابات هرمونية مثل انخفاض إنتاج الميلاتونين، مما يؤدي إلى ضعف المناعة ويزيد خطر الإصابة بالعدوى الانتقالية، وزيادة الوزن، وضعف الذاكرة، والقلق المزمن، وهنا تتضح الأهمية الضرورية لحاجة الشباب إلى ساعات نوم كافية يوميًا لدعم التطور الإدراكي والجسدي، إلى جانب الالتزام بممارسة الرياضة، والحرص على تناول وجبات خفيفة ومتوازنة في السحور للحفاظ على مستوى الطاقة، وتجنب التعرض للشاشات قبل النوم بساعة على الأقل، بما يسهم في الوقاية من هذه المخاطر، ويعزز الصحة النفسية، ويحد من مستويات التوتر.
وتتجلى في شهر رمضان المبارك منظومة من القيم الروحية والاجتماعية لدى الشباب، وما تحمله من معانٍ تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب إلى معاني البذل والعطاء وتيسير السبل للناس، وقد يبرز في هذا السياق بُعدٌ إيمانيٌّ عميقٌ يتمثل في سعة الرزق وتضاعف أبواب الخير.
وحول هذه المعاني وما يتصل بها من تفطير الصائم في صورته الشاملة التي تمتد من الإحسان إلى العطاء المستمر، قال الدكتور إسماعيل بن ناصر العوفي المستشار العلمي بمكتب وزير الأوقاف والشؤون الدينية: مِن خصائص شهر رمضان المبارك زيادة رزق المؤمن؛ فتجد الأرزاق تتضاعف، والخيرات تكثر، وتلك الخصلة ليست خصلة خفية، بل ظاهرة تمام الظهور، وهذا مِنَ اليسر الذي أراده الله للصائمين في شهر رمضان 'يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر' وإرادةُ اليسر، يدخل فيه كلُّ باب من أبواب الخير، وشهر رمضان يسر كلُّه، ولو قال القرآن 'يريد الله بكم اليسر' وسكت؛ لاحتملَ الكلام أن تكون هناك نسبة من اليسر، ولكن عندما قال 'ولا يريد بكم العسر' دلَّ الكلام أنّ شهر رمضان يسرٌ كلُّه. وقد جاء في الآثار في وصف شهر رمضان 'شهرٌ يزادُ فيه رزقُ المؤمن'.
وأوضح أن مِن أجلّ أبواب الخير في شهر إفطارُ الصائم نفسِه، وتفطيرُهُ غيرَه، وقد أثنى الله على 'عباد الله' فقال: 'ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا' وهذا العمل الصالح لا يريدون به غيرَ رضا الله، وقد شهد الله لهم بذلك؛ فقال 'إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا' وفي الأثر من أجور تفطير الصائمين الأجر العظيم الذي لا ينبغي على مؤمن أن يُفَوِّتَه ولو باليسير، وكيف بمَن سمِع ما في الأثر مِنَ العطاء الذي لا يبلى، فما أحسنَ هذه البشارة! 'مَن فطَّرَ صائمًا كان مغفرةً لذنوبه، وعتقَ رقبتِه من النار، وكان له مثلُ أجرِهِ مِن غيرِ أن ينقصَ مِن أجره شيء'. مشيرًا إلى أن الكثير من الناس يتحدث عن تفطير الصائم، ويفوتهم أن يذكروا أنفسهم، ويذكروا غيرهم بعظمة عطاء إفطار الصائم نفسَه، وحسبنا أنّ تعجيلَ الفطر من خصال الخيرية التي جعلها الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلّم، وفي الأثر 'لا تزال أمتي بخير ما عجَّلوا الفِطْرَ وأخَّروا السحور'، فإفطار الصائم وتفطيرُهُ غيرَه سمةٌ مِن سمات شهر رمضان، وخِصِّيصَةٌ مِن خصائصه. وأكد أن تفطير الصائم ليس طعامًا وشرابًا مباشرًا فحسب، بل مِن تفطير الصائم أن يكون الإنسان بابًا لرزق أحد؛ فيكون بذلك مفطِّرًا له على الدوام؛ فيكون له أجرُه وأجرُ أهل ذلك الإنسان؛ ولذلك 'ذهب أهل الدثور بالأجور' وأبواب تفطير الصائم متنوعة 'ولكل درجات مما عملوا'، كما يشكّل الشهر الفضيل من أعظم الفرص لمراجعة الذات وبناء سلوكيات إيجابية، بحيث يتجاوز الامتناع المؤقت عن بعض السلوكيات الخاطئة إلى إعادة بناء منظومة القيم والعادات وبناء إرادة نفسية إلى ما بعد حدود الصيام.
وحول الآليات التربوية والنفسية التي تجعل من الزخم الإيماني في هذا الشهر رافعة لإحداث تغيير مستدام لدى الشباب، قال الدكتور طلال بن حمد الرواحي استشاري تربوي: إن شهر رمضان يُعد من أكبر الفرص عند الإنسان لتغيير العادات التي اعتاد عليها، لذلك يأتي مبدأ 'التخلية قبل التحلية' دائمًا في المقدمة أي أن يتخلى الإنسان أولًا عن السلوكيات السلبية والعادات السيئة قبل أن يتحلى بالأمور الإيجابية التي يمكن أن يمارسها خلال الشهر المبارك.
وأضاف أن شهر رمضان يمثل فرصة جميلة، لما يحمله من مزايا ميقة، إذ إن السلوك البشري يحتاج –كما يُقال– إلى نحو 21 يومًا ليتحول من ممارسة عابرة إلى عادة مستقرة، وقد تزيد هذه المدة أو تقل بحسب القناعات السابقة والرغبة الملحّة لدى الفرد. مشيراً إلى أن ليلة القدر تأتي بعد مرور أكثر من 21 يومًا، وكأن الإنسان يكون قد تهيأ لاستقبالها بعد أن تخلّص من عاداته السلبية واكتسب عادات إيجابية.
وتابع قائلًا: الإنسان الفطن هو الذي يطبق مبدأ الاتزان في شهر رمضان، اتزانًا في الترك واتزانًا في الكسب، فيختار أن يترك أسوأ العادات التي يمارسها حتى لا تزاحم العادات الإيجابية التي يسعى لاكتسابها خلال الشهر. فعلى سبيل المثال لا الحصر عادة التدخين كونها عادة سلبية، عندما يتوقف المدخن عنها من أذان الفجر حتى صلاة المغرب، فهذا الوقت بحد ذاته يمثل فرصة يومية لتدريب العقل وكسر الإدمان السلوكي والنفسي المرتبط بها، فالممارسة المتكررة تمنح الفرد إمكانية حقيقية لتركها نهائيًّا بعد نهاية الشهر لأن الإنسان تتشكّل قيمه وعاداته بناءً على تكرار السلوك؛ فكلما كرر سلوكًا معيّنًا ترسخت لديه العادات والقيم الإيجابية.
وحول استثمار الرياضة في شهر رمضان لدى الشباب بحيث تتحول من مجهود بدني إلى سلوك صحي منضبط يعكس قيم الاعتدال، قال هيثم بن ثاني الفرعي مدرب لياقة بدنية وتغذية رياضية: إن الشهر الفضيل يعد مدرسة حقيقية للانضباط وإدارة الوقت وترتيب الأولويات، وعندما تُدرج الرياضة ضمن هذا الإطار تتحول إلى سلوك صحي متوازن يعكس روح الاعتدال، موضحًا أن إدخال التمارين في جدول يومي منظم إلى جانب العبادات والعمل والنوم يساعد الشباب على بناء نمط حياة صحي مستدام، ويجعل النشاط البدني داعماً للطاقة والتركيز والالتزام لا منافساً للعبادات.
وأشار إلى أن الصيام مع الرياضة المعتدلة يحسّن كفاءة الجسم في استخدام الطاقة ويرفع معدل حرق الدهون خاصة مع تغير أنماط الأكل خلال الشهر الفضيل، وينشط الدورة الدموية ويحسن النوم وتنظيم الشهية.
أما من الجانب النفسي، فتسهم الرياضة في زيادة الصفاء الذهني وتفريغ المشاعر السلبية وتمنح الشباب فرصة لإعادة بناء الروتين اليومي وتعزيز الانضباط الذاتي، وهذا ما نجده دائمًا ينعكس بصورة إيجابية على الصحة العامة والأداء اليومي.
وأشار إلى أن ممارسة الرياضة باعتدال قبل الإفطار تساعد الجسم على استخدام الدهون كمصدر للطاقة، وتزيد من كفاءة وعدد الميتوكوندريا التي تعد مصانع للطاقة داخل خلايا جسم الإنسان، فبالتالي تسهم في تعزيز النشاط والتحمل البدني خلال فترة الصيام، بالإضافة إلى تنشيط عملية 'الأوتوفاجي' أو الالتهام الذاتي، وهي آلية طبيعية لتجديد الخلايا والتخلص من التالف منها، بما يدعم الصحة ويقلل الالتهابات ويحسن كفاءة الجسم.
وفيما يتعلق بوجود نموذج أمثل لتوقيت ونوعية النشاط البدني، أجاب بأنه يُنصح بنشاط خفيف قبل الإفطار بساعة تقريباً أو تمارين متوسطة بعد الإفطار بساعتين أو بعد التراويح لمدة 30 إلى 45 دقيقة. وعند تنظيم الوقت وتقديم العبادات، تصبح الرياضة امتداداً لقيم الانضباط والتزكية في رمضان، ليخرج الشاب من الشهر بروح أقوى وجسد أصح وعادات صحية مستمرة.