المحافظات

شبه جزيرة مسندم.. نموذج لتضافر العوامل الباطنية والسطحية في تكوين الأشكال الأرضية

 

بخاء - أحمد بن خليفة الشحي -

تعد شبه جزيرة مسندم نموذجا لحالة دراسية متميزة حول تداخل العمليات الأرضية الباطنية والسطحية في تشكيل بنيتها النهائية، التي لا تزال مستمرة في التغير، وأنتجت نموذجا فريدا من الأشكال الأرضية الفريدة في نوعها. ولفهم طبيعة هذه التغيرات والنتائج التي ترتبت عليها، يعد التاريخ الجيولوجي لمحافظة مسندم، بتكوينها التضاريسي الفريد من نوعه، متحفا تاريخيا متعدد الأقسام يضم بين طياته تسلسلا تاريخيا متنوعا، ومحط اهتمام الجيولوجيين وعلماء الآثار؛ حيث تقع محافظة مسندم في أقصى الطرف الشمالي من سلطنة عمان عند مدخل الخليج العربي، وتمتد على طول شريط ساحلي غرب بحر عمان وجنوب شرق الخليج العربي، وهي بذلك تطل على البوابة التي تربط بين الخليج العربي وبين البحار المفتوحة في بحر عمان والمحيط الهندي، التي يطلق عليها مضيق هرمز الاستراتيجي؛ حيث يعد أكثر الممرات المائية حركة في العالم.

«عمان» التقت الدكتور مصعب بن شاكر بن عزيز الصارمي مساعد بروفيسور قسم علوم الأرض بجامعة السلطان قابوس، الذي استعرض طبيعة ومراحل تكون شبه الجزيرة وأهم تكويناتها الصخرية، وما أسفر عنه من قيمة جمالية واقتصادية أضافت الكثير إلى شبه جزيرة محافظة مسندم.

النشأة والتكوين

في بداية حديثه أشار الدكتور مصعب بن شاكر بن عزيز الصارمي مساعد بروفيسور قسم علوم الأرض بجامعة السلطان قابوس إلى طبيعة نشأة وتكون شبه الجزيرة قائلا: تعد شبه جزيرة مسندم من الحالات الدراسية الفريدة من منظور الجيولوجيا التركيبية وتكتونية الصفائح فالمتمعن في تضاريسها يجد تشابها كبيرا مع الفيوردات (Fjords)التي تُعرف محليا بالأخوار، التي تميز النرويج على سبيل المثال من حيث الضيق والعمق والجدران الصخرية المحيطة بها؛ إلا أن أصل تكوينها يعود إلى اصطدام القارات وانثناء القشرة الأرضية وليس بفعل الجليد كما حدث في النرويج، وتعد شبه جزيرة مسندم أقصى امتداد شمالي لسلسلة جبال الحجر.

المراحل الرئيسية

وأشار الصارمي إلى أن فهم كيفية تشكّل شبه الجزيرة يتطلب ربطها بوقائع نشأة جبال عُمان، التي يمكن تقسيم مراحلها إلى مرحلتين رئيسيتين؛ الأولى تتمثل في مرحلة الترسيب في العصر الميسوزوي (٢٥٠-٦٥ مليون سنة) تتألف شبه جزيرة مسندم من طبقات هائلة من الصخور الرسوبية الكربوناتية وتتكون بشكل أساسي من الحجر الجيري والدولوميت فخلال الفترة الممتدة ما بين (٢٥٠-٦٥) مليون سنة مضت كانت أجزاء واسعة من عُمان بما فيها هذه المنطقة عبارة عن رصيف بحري ضحل يقع على حافة الصفيحة العربية، وعلى مدار تلك الحقبة أدى تراكم الرواسب وبقايا الكائنات البحرية على القاع إلى تشكل تتابعات طبقية رسوبية سميكة تعرف الآن باسم مجموعة الحجر العظمى (Hajar Supergroup)؛ حيث بلغ سمك هذه المجموعة عدة كيلومترات، وهو ما يفسر شموخ الجبال الجيرية التي نشاهدها اليوم، التي تعلو عدة كيلومترات فوق سطح البحر.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الاصطدام التكتوني وعمليات تكوين الجبال؛ حيث تأثرت جبال مسندم بحدثين تكتونيين مفصليين أولهما: وقع قبل نحو (90) مليون سنة وتمثل في عملية اعتلاء أفيوليت سمائل (Samail Ophiolite Obduction) إذ اندفع الأفيولايت (جزء من قشرة محيطية قديمة والوشاح العلوي للأرض) زاحفا فوق حافة الصفيحة العربية وقد كان لهذا الحدث في مسندم تأثير تكتوني أدى إلى هبوط وانغمار الرصيف البحري الضحل تحت وطأة الأحمال الصخرية المندفعة.

أما الحدث الثاني، وهو الأهم في تشكيل المعالم الحالية لجبال مسندم فهو الاصطدام القاري بين الصفيحة العربية والصفيحة الأوراسية (إيران) إذ ولّد هذا التصادم ضغوطا هائلة أدت إلى انثناء الطبقات الصخرية ورفعها لآلاف الأمتار لتتشكل الجبال الشاهقة التي نراها اليوم

هبوط تدريجي

وحول كثرة الأخوار التي توجد في شبه جزيرة مسندم يقول الدكتور مصعب بن شاكر بن عزيز الصارمي: إن ما يميز مسندم هو كثرة الأخوار المتوغلة في ثناياها ويكمن السر في ذلك في غرق مسندم؛ حيث تقع مسندم على خط التماس الأول للتصادم بين الصفيحتين العربية والأوراسية؛ حيث تعرضت القشرة الأرضية هناك لانثناء وميلان تكتوني أديا إلى انحناء طرف شبه الجزيرة وغرقه تدريجيا تحت مياه البحر، وقد تسبب هذا الهبوط (الذي يقدر ببضعة ميلميترات سنويا) في انغمار الوديان الجبلية وبعض القمم بمياه البحر مكونة أخوارا عميقة وجزرا، وهو ما يمنح مسندم مظهرها الفريد الذي يشبه فيوردات (Fjords) النرويج؛ ولكن بأصل تكتوني بحت وليس نتيجة للنحت الجليدي.

تكوينات رسوبية

وأشار الصارمي إلى أهم التكوينات الصخرية التي توجد في شبه جزيرة مسندم قائلا: تتكون جبال مسندم بشكل رئيسي من طبقات رسوبية كربوناتية سميكة تشمل الحجر الجيري والدولوميت التي ترسبت فوق رصيف بحري ضحل خلال الفترة ما بين (٢٥٠ و٦٥ مليون سنة) مضت، ويعد الدولوميت صخرا يشبه إلى حد كبير الحجر الجيري إلا أنه يمتلك خصائص كيميائية وفيزيائية تميزه عنه، كما تبرز صخور الأفيوليت في ولاية مدحاء؛ حيث توجد في الجزء الشرقي منها صخور القشرة المحيطية (الجابرو) أما في الجزء الغربي فتنكشف صخور الوشاح (البريدوتيت)، وتوجد هناك أيضا توضعات رسوبية محدودة الانتشار كالكثبان الرملية الحديثة وشبه الحديثة في بعض الخلجان على طول الساحل الغربي لشبه الجزيرة، وتتكون أساسا من حبيبات كربونيتية وبعض بقايا الأصداف، أما في مجاري الأودية فتنتشر صخور الرصيص (الكونجلوميرات) والرمال الحصوية.

عوامل التشكيل السطحية

وإلى جانب التشكيل الجيولوجي الباطني الفريد من نوعه، توجد في شبه جزيرة مسندم العديد من التكوينات الصخرية الغريبة في الشكل وبأحجام مختلفة، وقد أشار الدكتور مصعب بن شاكر بن عزيز الصارمي مساعد بروفيسور قسم علوم الأرض بجامعة السلطان قابوس إلى العوامل التي ساهمت في وجود هذه التشكيلات الصخرية، ونوع الصخور الأكثر قابلية للتشكيل بفعل عوامل الطبيعة، قائلا: تمثل التجوية والتعرية دور النحات الطبيعي الذي يشكل معالم وتضاريس مسندم وغيرها من المناطق الجبلية؛ حيث تعمل هاتان العمليتان على تحويل الصخور الصماء إلى منحوتات ذات أشكال هندسية وفنية غريبة ومبهرة أحيانا، وهناك العديد من الصخور ذات القابلية العالية للتشكل؛ فعلى سبيل المثال تمتاز الصخور الجيرية بقابليتها للذوبان نتيجة تفاعلها مع الأحماض الضعيفة مما يسمح بتكون الكهوف والمجاري الجوفية في أعماقها، كما أن الصخور ذات الطبيعة اللينة تمتلك قابلية أكبر للتشكل والنحت مقارنة بالصخور الصلبة.

ثروة وطنية

وأكد الدكتور مصعب بن شاكر بن عزيز الصارمي على القيمة الجمالية والاقتصادية التي يمثلها وجود مثل هذه التكوينات الصخرية في مختلف أجزاء شبه جزيرة مسندم، قائلا: يخلق التباين بين قمم الجبال الشاهقة والأخوار الغارقة مشهدا جيومورفولوجيا فريدا من نوعه؛ إذ يمثل التمازج البصري بين ألوان الصخور وزرقة البحر عاملا جاذبا لعشاق الطبيعة والتصوير من مختلف أنحاء العالم، ولا تقتصر هذه الصخور على الجانب الجمالي؛ بل تعد أصولا طبيعية تترجم إلى عوائد اقتصادية فهي مسرح مثالي لرياضات التسلق والمشي الجبلي واستكشاف الكهوف، ومتحف مفتوح للباحثين وطلبة العلم. إن هذه الصخور تمثل سجلا جيولوجيا تاريخيا يمتد لنحو (٢٥٠ مليون سنة) موثقة أحداثا تكتونية فارقة وحياة بحرية قديمة ومتنوعة؛ إذ يضم هذا السجل، على سبيل المثال، الحدين الفاصلين بين عصري (البرمي والترياسي) و(الجوراسي والطباشيري)، اللذين يمثلان اثنتين من أكبر خمس انقراضات جماعية شهدها كوكب الأرض، مما يتيح للعلماء فرصة ثمينة لدراسة وفك الشفرات المخفية لهذه الظواهر، وإضافة إلى قيمتها السياحية والعلمية تمثل هذه التكوينات ثروة وطنية داعمة للصناعات الإنشائية والتعدينية.