المحافظات

يوم في مسفاة العبريين

 

عاطِفة المسكري -

أثبتت مسفاة العبريين مكانتها بوصفها إحدى أجمل القرى السياحية في سلطنة عمان، خاصة بعد إدراجها ضمن قائمة أفضل القرى السياحية العالمية المعتمدة من قبل منظمة الأمم المتحدة للسياحة عام 2021م، غير أن هذا الاعتراف العالمي -على أهميته- لا يختصر الحكاية كاملة؛ حيث كانت زيارتنا لها في بدايات الشتاء، حين يبدو كل شيء مختلفا، وكأن الطبيعة تعيد ترتيب تفاصيلها بهدوء بعيدا عن صخب المدينة، قرية جبلية تتكئ على سفوح خضراء، وثمار معلقة على الأشجار المحيطة بالممرات المؤدية إلى حيث كنا نريد أن نقطن، الطريق إليها كان عبورا تدريجيا من إيقاع سريع مزدحم إلى سكينة تامة.

هناك، كان أكثر الأصوات صخبا هو الهدوء نفسه. نسمات الهواء تمر بخفة، ورياح خفيفة تتمايل على وقعها أوراق الأشجار المتدلية من النافذة، أمام الركن الذي ركنت إليه لأقرأ، كنت أراقب الضوء وهو ينساب على الجدران، وأصغي إلى حفيف يكاد لا يسمع، لكنه يملأ المكان حياة. شعرت أن الزمن في المسفاة لا يقاس بالدقائق بل بلحظات التأمل التي تتسع في القلب.

تأملت وقلت: كم نحن محظوظون بهذا التنوع الجغرافي الذي يتيح لنا الهرب من الضجيج متى شئنا. في غضون ساعتين فقط نفصل أنفسنا عن إيقاع العاصمة مسقط الصاخب، لنجد أنفسنا في مشهد مغاير تماما من حيث العمران والهوية حتى الطبيعة. هناك، لا ازدحام ولا ضجيج ولا طرق سريعة، بل بيوت طينية متدرجة على صدر الجبل، ومزارع صغيرة يرويها نظام الأفلاج في انسجام قديم بين الإنسان والماء والأرض.

ومهما تغنينا بهذا الجمال، فلن نوفيه حقه من الانبهار. فالسماء في المسفاة تبدو أكثر نقاء، تتلألأ فيها النجوم بوضوح مدهش وسط صفاء يحفز على التأمل والتفكر؛ في الإبداع الخَلقي أولا، وفي اجتهاد وذكاء الإنسان العماني ثانيا. كيف استطاع أن يشق الجبل ويصنع له بيتا في قلبه؟ كيف روض التضاريس القاسية، وزرع وانتظر حصاد زرعه، وأمن نفسه غذائيا في بيئة تبدو للوهلة الأولى عصية على العيش؟

هذه التساؤلات لا تأتي من فراغ، حيث تجبرك الطبيعة والمشهد الحي الذي يعكس قدرة عالية على التأقلم وسط مختلف الظروف، أبسطها وأصعبها. المسفاة تعد نموذجا ملهما للسياحة المستدامة ففيها تمتزج البيئة الطبيعية العذراء بالتراث الثقافي العريق، وتصان الهوية المعمارية بعناية، وتحفظ العادات والتقاليد بوصفها جزءا من التجربة لا مجرد تفاصيل عابرة.

الزائر لا يأتي إلى هنا ليلتقط صورة فحسب، بل ليختبر نمط حياة مختلفا؛ ليصحو على صوت الطيور بدل منبه الهاتف، وليتتبع الممرات الحجرية الضيقة التي تقوده بين البيوت والمزارع، وليشعر بأن البساطة شكل آخر من أشكال الثراء. في المسفاة، تتراجع الضوضاء الخارجية، ويعلو صوت الداخل؛ صوت التأمل، والامتنان، والرغبة في فهم العلاقة العميقة بين الإنسان وأرضه.

وربما لهذا السبب استحقت المسفاة ذلك التقدير الدولي؛ لأنها لم تسعَ إلى أن تكون نسخة من المدن الحديثة، بل حافظت على فرادتها، وقدمت نموذجا متوازنا بين التطوير والحفاظ على الهوية. هي مساحة تذكرنا أن الجمال من الممكن أن يقاس بعمق التجربة، وبأن الهدوء قد يكون أبلغ أثرا من أي صخب. عدنا من المسفاة ونحن نحمل أكثر من صور ومناظر؛ حملنا أسئلة وتأملات وإحساسا عميقا بالانتماء إلى أرض متنوعة تمنح أبناءها وزوارها فرصة الهروب حينا، وفرصة الاكتشاف دائما. وفي كل مرة أتذكر تلك النافذة، وذلك الركن الذي قرأت فيه على وقع نسمات الجبل، أوقن أن بعض الأماكن لا نزورها فحسب، بل تعيد تشكيلنا بهدوء... كما فعلت مسفاة العبريين.