بين القيادة والانسحاب: سياسة ترامب تجاه الناتو
ترجمة: نهى مصطفى
الاثنين / 12 / رمضان / 1447 هـ - 22:01 - الاثنين 2 مارس 2026 22:01
في نوفمبر الماضي، فاجأ ماثيو ويتاكر، سفير الولايات المتحدة لدى حلف الناتو، عددا من المسؤولين الأوروبيين خلال مؤتمر برلين الأمني، حين قال إنه يتطلع إلى اليوم الذي تخاطب فيه ألمانيا الولايات المتحدة بالقول: «نحن مستعدون لتولي منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء». ورغم تأكيده أن تلك اللحظة ليست قريبة، فإن تصريحاته أدهشت الحضور من مسؤولي الأمن الذين اعتادوا اعتبار أعلى منصب عسكري في الحلف حقا أمريكيا.
يعكس تصريح ويتاكر نمطا أوسع من تراجع الولايات المتحدة عن حلف الناتو.
ففي ظل سلسلة من الاضطرابات، من تهديدات إقليمية موجهة إلى الدنمارك، إلى غياب دبلوماسيين أمريكيين رفيعي المستوى عن اجتماعات التحالف، وتخفيضات مقررة في أعداد العاملين في منشآت الناتو، اتضح توجه إدارة ترامب في ولايتها الثانية إزاء الحلف.
فبدلا من الانسحاب العلني كما خشي بعض المحللين، يبدو أن الولايات المتحدة «تنسحب بهدوء»، أي تتراجع تدريجيا عن التحالف الذي قادته قرابة ثمانية عقود. ويبدو أن البيت الأبيض يراهن على أن هذا التراجع سيدفع أوروبا في نهاية المطاف إلى تحمل المسؤولية.
وتعتزم إدارة ترامب تقويض عقود من قيادة الحلف، لكنها ستكتشف أن التخلي عن الإشراف على الآلة العسكرية لحلف الناتو أصعب بكثير مما كان متوقعا. بني هيكل قيادة الناتو حول البنية التحتية والكوادر الأمريكية، ولا يوجد حاليا أي عضو آخر في الحلف مؤهل ليحل محل واشنطن.
لم يسبق لأي قوة عظمى أن تخلت طواعية عن السيطرة، فضلا عن القيادة، على تحالف بنته وقادته، والقيام بذلك في لحظة من الاضطرابات الجيوسياسية العميقة من شأنه أن يضعف الشراكة عبر الأطلسي، ويجعل الولايات المتحدة أقل أمانا.
وتسعى إدارة ترامب إلى إدخال تغييرات على حلف الناتو؛ فبعد أن شكك علنا في التزام واشنطن بتعهد الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من الحلف خلال ولايته الأولى، عاد ترامب إلى البيت الأبيض داعيا الدول الأعضاء إلى إنفاق 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، ومعلنا عن خطط لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.
ولكن على الرغم من أن ترامب لطالما استخدم تعهد الاستثمار الدفاعي كأداة ضغط مفضلة لديه، فإن استراتيجيته «أمريكا أولا» لم تكن يوما مقتصرة على المال فقط. فبالإضافة إلى تركيز الرئيس على توزيع عادل للأعباء المالية، ضغط مسؤولون نافذون، مثل إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات، على أوروبا لتولي مسؤولية أكبر داخل الحلف.
وأمضى الأوروبيون والداعون للعلاقات عبر الأطلسي صيفا مليئا بالقلق، مترقبين أن ينفذ ترامب هذه الرؤية. ولكن بعد ردود فعل غاضبة من كبار الجمهوريين في الكونجرس على قرار البنتاجون بإنهاء وجود لواء أمريكي بالتناوب في رومانيا في أكتوبر، أوقفت الإدارة الأمريكية العمل على مراجعة الوضع العالمي وتخلت عن فكرة سحب القوات الأمريكية على نطاق واسع من القارة الأوروبية. وبعد أن منع الكونجرس الإدارة من خفض عدد القوات في أوروبا إلى أقل من 76 ألف جندي في ديسمبر، يبدو أن ترامب يحاول اتباع نهج جديد، لكنه يحقق في النهاية الهدف نفسه المتمثل في تقليص دور واشنطن في أمن أوروبا.
من خلال التخلي عن قيادات القوات المشتركة، المسؤولة عن تخطيط وتنفيذ عمليات الناتو، ورفض شغل المناصب العسكرية الأمريكية في منشآت الناتو الأخرى عند حلول موعد تجديدها، تقلص واشنطن فعليا سيطرتها العملية على الحلف. بعدم شغل الوظائف الرئيسية، وبالتالي إضعاف الوجود الأمريكي داخل مؤسسات الناتو، تتراجع واشنطن عن إدارة شؤون الحلف اليومية.
في سعيها لإعادة تشكيل البنية التحتية العسكرية لحلف الناتو، ستواجه إدارة ترامب معضلة: كيف يمكن الحفاظ على السيطرة مع التخلي عن بعض المسؤوليات؟ قد يعتقد ترامب أن الحرية الاستراتيجية التي ستتحقق من خلال التخلي عن التزامات الناتو تستحق التخلي عن دور واشنطن القيادي التقليدي، لكن التاريخ يشير إلى غير ذلك.
فقيمة النفوذ وحسن النية والنطاق العسكري الذي يكتسبه قادة الحلف تفوق بكثير تكاليف التزاماتهم تجاه الأعضاء الآخرين.
وجاءت تصريحات ويتاكر المثيرة للجدل بعد أشهر من تقرير شبكة NBC News الذي أفاد بأن إدارة ترامب تدرس التخلي عن منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، بعد 75 عاما من القيادة الأمريكية المتواصلة. وقد أثار هذا الكشف استنكارا علنيا من النائب مايك روجرز من ولاية ألاباما، والسيناتور روجر ويكر من ولاية ميسيسيبي، وهما الرئيسان الجمهوريان للجنة القوات المسلحة في مجلسي النواب والشيوخ على التوالي، واللذان حذرا من أن تغيير هيكل قيادة حلف الناتو سيعرض الأمن القومي الأمريكي للخطر.
وعندما رشح ترامب في نهاية المطاف الفريق أليكسوس جرينكويتش لهذا المنصب بعد ثلاثة أشهر، تنفس مؤيدو الحلف عبر الأطلسي في واشنطن وبروكسل الصعداء. واعتقد الكثيرون أن الأزمة المتعلقة بهيكل القيادة العسكرية لحلف الناتو قد انتهت، لكنهم كانوا مخطئين.
ووفقا لوكالة رويترز، واصلت إدارة ترامب الضغط سرا لإجراء إصلاحات على هيكل القيادة العسكرية المتكاملة لحلف الناتو، والذي يعد مركز العمليات الرئيسي للحلف، بالتزامن مع تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة، تستعد الإدارة لتنحي الولايات المتحدة عن قيادة عمليات بناء القوات والتخطيط الدفاعي لحلف الناتو، وذلك ضمن رؤية أوسع لهيكل قيادة أوروبي لحلف الناتو بحلول عام 2027. وفي خلال سنوات قليلة، سيتولى قيادة جميع القيادات الثلاث لحلف الناتو قادة أوروبيون، في خطوة أخرى نحو تحقيق رؤية إدارة ترامب.
على الرغم من أن الإدارة لا تعتزم، في الوقت الراهن، التخلي عن منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء، فإن هذه الإصلاحات تفرز ديناميكيات تجعل حدوث مثل هذا التغيير في القيادة العليا أكثر ترجيحا بمرور الوقت.
والسبب واضح؛ ففي التحالفات العسكرية تتبع المناصب حجم القوات. فعلى سبيل المثال، في عام 1815 تولى دوق ويلينجتون قيادة التحالف الذي هزم نابليون في واترلو لأن المملكة المتحدة كانت تمتلك أكبر قوة عسكرية.
وفي أفغانستان، ما إن أصبحت الولايات المتحدة أكبر دولة مساهمة بقوات في قوة المساعدة الأمنية الدولية التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في أواخر صيف عام 2006، حتى حل الجنرال الأمريكي دان ماكنيل محل القائد البريطاني للقوة بعد بضعة أشهر.
وتظل العلاقة بين قيادة التحالف وحجم المساهمة مبدأ عسكريا راسخا.
وتشغل الولايات المتحدة موقع القيادة العسكرية العليا في حلف الناتو، وتستحوذ على نحو ربع مناصب مقر قيادة العمليات الخاصة في أوروبا (SHAPE)، إضافة إلى اضطلاع ضباطها بمعظم المهام الأساسية في التخطيط والردع والدفاع.
وعلى مدى سنوات، رأت الإدارات الأمريكية أن مكاسب هذه الريادة تفوق كلفة تمويل الدفاع الأوروبي، غير أن ترامب يعتبر أن بلاده لم تجنِ فائدة من حلفائها ويميل إلى العمل المنفرد، رغم صعوبة تغيير هذا النظام وما قد يترتب عليه من إضعاف للأمن القومي الأمريكي.
ومع وجود نحو 80 ألف جندي في القارة، لم تعد الولايات المتحدة تمتلك أكبر قوة عسكرية وطنية في أوروبا؛ فالقوات المسلحة النظامية لعدد من حلفاء الناتو الأوروبيين، بما في ذلك فرنسا وإيطاليا وبولندا، تفوق بكثير الوجود العسكري الأمريكي. ولكن حتى مع تخليها عن دورها القيادي في توفير القوات التقليدية، لا تزال واشنطن تساهم بأكثر من أي دولة أخرى في القدرة التدميرية للناتو. وبصفتها أكبر قوة نووية في الناتو، فقد وفرت ردعا موسعا للأعضاء منذ بدايات الحلف.
وهذا الالتزام الاستراتيجي -وليس عدد القوات المنتشرة- هو ما عزز الدور البارز للولايات المتحدة في التخطيط العسكري للحلف. وإذا سارت الأمور وفقا لرغبة إدارة ترامب، فقد يصبح هذا الالتزام في خطر أيضا.
وتسعى الإدارة الأمريكية إلى إعادة هيكلة قيادة الناتو عبر نقل مهام التخطيط والمناصب الرئيسية إلى الأوروبيين، بما يحيي فكرة الفصل بين الدور التقليدي الأوروبي والضمان النووي الأمريكي، وهي مقاربة أثبتت محدوديتها تاريخيا وقد تضعف مصداقية الردع الجماعي اليوم؛ إذ إن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا يؤدي وظائف الطمأنة والردع والدفاع معا، وأي تقليص أو فصل بين القدرات التقليدية والنووية قد يشجع خصوم الحلف، ولا سيما روسيا، على اختبار تماسكه.
كما أن تقليص دور المخططين الأمريكيين في مقر (SHAPE) قد يعيق قدرة واشنطن على ضبط التصعيد ويخلق عقبات أمام مهام الناتو المستقبلية.
وإن لم تستوعب إدارة ترامب بعد التداعيات الاستراتيجية لإصلاحاتها المزمعة، فإن الحلفاء الأوروبيين قد أدركوها.
ومن المرجح أن يواجهوا صعوبة في تلبية أي مسعى من البنتاجون لنقل بعض مهام قيادة القوات الجوية الأمريكية في أوروبا (SHAPE) إليهم. فالقوات المسلحة الأوروبية تعاني أصلا من نقص حاد في الموارد بعد عقود من نقص الاستثمار، حيث تسعى القوات المسلحة في عدة دول، بما فيها ألمانيا، جاهدة لإيجاد عدد كافٍ من الضباط لتدريب المجندين الجدد.
ومن غير الواقعي توقع أن تخرج هذه الجيوش المنهكة مئات الضباط ذوي الخبرة لتولي مهام التخطيط التي يؤديها الضباط الأمريكيون حاليا خلال العامين المقبلين؛ فالصفوف الخلفية شبه خالية.
وسيسهم تفويض عدد كبير من مسؤوليات التخطيط الدفاعي في قيادة العمليات الخاصة في أوروبا (SHAPE) إلى ضباط غير أمريكيين، في إحداث تداعيات استراتيجية وعملياتية وتكتيكية عميقة على الحلف وعلى الولايات المتحدة؛ فوجود قائد أعلى للحلفاء غير أمريكي يعني أن يصدر أوامر بالعمليات لضباط أمريكيين في أي موقف طارئ أوروبي، وهو ترتيب طالما رآه البنتاجون غير عملي. وكان التردد في التخلي عن السيطرة العملياتية سببا رئيسيا لمعارضة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وفريقه تدخل الناتو في أفغانستان عام 2001؛ إذ قال أحد المسؤولين الأمريكيين آنذاك: «لن يملي علينا أحد أين يمكننا القصف وأين لا يمكننا».
كما يفسر ذلك رد الفعل القوي في الكونجرس في مارس الماضي عندما طرحت فكرة التخلي عن منصب القائد الأعلى للحلفاء لأول مرة.
وفي ديسمبر، أصدر الجمهوريون في مجلس النواب قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي يهدف إلى حظر تمويل أي جهود للتخلي عن هذا الدور عبر اشتراط إجراء الجيش الأمريكي تقييما للمخاطر أولا.
وإعادة هيكلة قيادة الناتو وفق تصور إدارة ترامب قد تضر بالمصالح الأمنية الأمريكية خارج أوروبا؛ إذ يجمع منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء تقليديا بين قيادة الناتو وقيادة القوات الأمريكية في أوروبا، ما يتيح دمج القوات الأمريكية سريعا في عمليات الحلف ويضمن الاستفادة من البنية اللوجستية الأوروبية في مسارح أخرى. والتخلي عن هذا المنصب سيعقد عمليات عسكرية مشابهة لتلك التي استندت إلى أصول أوروبية، كما قد يحد من تبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة مع قيادة غير أمريكية، ما يضعف الفاعلية العملياتية.
ونقل القيادة داخل التحالفات العسكرية قد يكون أكثر تعقيدا مما تتصور إدارة ترامب. على سبيل المثال، التحالف الأمريكي الكوري الجنوبي، حيث أنشئت قيادة مشتركة عام 1978 بترتيب انتقالي يفترض أن تنتقل قيادته لاحقا إلى جنرال كوري جنوبي، إلا أنها ما زالت بعد نحو خمسة عقود تحت القيادة الأمريكية، رغم محاولات متقطعة لنقل السيطرة العملياتية. ويبرز ذلك صعوبة التخلي عن المسؤوليات دون فقدان السيطرة، وهو ما سيكون أشد تعقيدا في حالة تحالف واسع يضم 31 دولة.
وقد أصبح من الشائع بين بعض مسؤولي الدفاع الأمريكيين وصف خطط تقليص الدور الأمريكي في حلف الناتو كتحول من قيادة الحلف إلى عضوية متساوية، لكنه يعني عمليا تراجع نفوذ واشنطن وتقليص حريتها في التحرك عالميا. وحتى دون انسحاب كامل، فإن الانسحاب التدريجي من إدارة الحلف سينهي شراكة طويلة ويضعف الولايات المتحدة.