أعمدة

لا تزال أبواب السلام مشرعة

رغم الجهود الدبلوماسية التي تقودها مسقط لمنع ما نشهده اليوم من انفجار يحرق الأخضر واليابس في المنطقة، اختارت بعض الأطراف مسار الحرب على السلام للمرة الثانية في إطار المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، التي اشتعلت نيرانها في كل مكان.

إن اختيار المسار العسكري يعني إجهاض مساعي السلام للمرة الثانية، وقد أكدت الأطراف في جولة جنيف، الخميس الماضي، أن هذه الجولة كانت خطوة تقارب مهمة بعد سنوات عصية من المفاوضات بين الجانبين، ثم بساعات قليلة حدث الانقلاب على مسار المفاوضات، ليُحول المنطقة برمتها من أمل إلى جحيم من النار والدمار.

وطوال يوم السبت الماضي، ترسخت القناعة بأن أحلام الوساطة تبخرت وانتهت إلى الأبد، مع إيمان مسقط ومحبي السلام بأنهم سيعودون مكرهين إلى البحث عن السلام مرة أخرى.

وطحنت الحرب الأبرياء خلال الأيام الثلاثة الماضية في كل مكان، وتصاعدت نيرانها من شرق الإقليم إلى غربه، وتوسعت يوم أمس بعد أن طال تأثيرها عواصم الخليج وامتد إلى لبنان، وفي قادم الأيام قد تتوسع إن لم يعد الطرف المتسبب في إشعال فتيلها إلى المنطق.

ومع هذا الجنون الذي سيطر على متخذي قرار الحرب، يدفعون اليوم ثمنًا باهظًا لاستمرارها؛ فالحرب ليست نزهة كما يظن جنودهم. وفي المقابل، تتسارع لغة السلام، وقد قاد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- ومعالي السيد بدر بن سعود البوسعيدي، وزير الخارجية، جهودًا كبيرة عبر اتصالات مستمرة منذ يوم السبت مع الأشقاء والأصدقاء لكبح جماح الموت الذي يحصد من يقابله؛ لأن من يؤمن بأن السلام مسار، فإن السلام قادر على تلبية الحد الأدنى من المصالح.

ورغم الغدر الذي لحق بالجهود المبذولة، لا تزال سلطنة عمان مؤمنة إيمانًا تامًا بأن الحرب لن تحل المعضلات بلغة القوة، وأن التفاوض هو السبيل الأوحد لتقريب الدول والتشارك في المصالح، والعمل على تثبيت الأمن والاستقرار، حفاظًا على الازدهار.

قناعة سلطنة عمان بضرورة العودة إلى مسار السلام بين واشنطن وطهران تنبع من اليقين بأن الحروب هلاك، وأن آثارها تمتد لدهور، وأن العداوة تنمو بين أطرافها، وأن الكراهية تسيطر على أجيالها، وأن تجارب السلام السابقة أكدت نجاح العيش المشترك وتحقيق الاستقرار.

ورغم الحرب والدمار، تتواصل الجهود العمانية دون كلل، لتشكل حالة من القناعة في المجتمع الدولي للضغط على واشنطن وطهران لوقف الحرب والاقتتال، وإنقاذ الأرواح، والحفاظ على ازدهار المنطقة، والعودة إلى الحكمة والمنطق من أجل بناء الثقة، والمحافظة على من يعيش في هذه المنطقة، وحتى لا نفقد الكثير من الأبرياء الذين لا ذنب لهم. قريبًا، سيعود المتعاركون إلى طلب مسار السلام من مسقط، وقد بدأت بعض المؤشرات تظهر على ذلك، بعد أن يكونوا قد أنهكوا في كل شيء، خاصة الذين أشعلوا فتيل الحرب. حينها، سيعودون إلى الجهود الدبلوماسية، وإلى طاولة التفاوض، والرغبة في اتفاق يحفظ الحقوق ويجنب العالم ويلات الصراع، بعد أن يكونوا قد خسروا الكثير بسبب لحظة اتُخذ فيها قرار مجنون.