ما تعرفه أو من تعرفه!!
الاثنين / 12 / رمضان / 1447 هـ - 20:10 - الاثنين 2 مارس 2026 20:10
وسط المطامع التي تحيط بعالمنا العربي والإسلامي، نكتشف زيف المقولة التي تردد ليل نهار، وهي أن المجتمعات نوعان، نوع ديمقراطي وليبرالي وشفاف، ونوع دكتاتوري ينحو إلى الظلامية والفوضى، وأن تصنيفنا يقع في النوع الأخير، وأننا لن نصل أبدا إلى ما وصله الآخرون.
ونكتشف سريعا أن هناك من يريد حبسنا في هذا التصنيف المتدني بشريا وإنسانيا لأغراض الهيمنة والسيطرة. فالدكتاتوري والظلامي لا بد أن يأتيه من الخارج من يكون وصيا عليه وعلى قراراته وثرواته ومقدراته. نعاني من غدة سرطانية تزعم أن من حقها أن تمتلك من الفرات إلى النيل، لأن البقية قبائل بدائية ومجتمعات ظلامية يجب أن توضع تحت الوصاية. لذا فخيار التنمية وخيار التقدم وصناعة الازدهار والرفاه الذاتي ممنوع، لأنه يتناقض مع مقولة قبائل ومجموعات بدائية متناحرة.
لا نستغرب تضرر التنمية وتوقفها في العديد من دول الطوق، وغرقها في الديون القاتلة، وسلسلة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتربوية الكبرى.
ودول أخرى تنافح للتنمية وتضع خططا طموحة وكبيرة كي تحقق تنمية قوية وراسخة.
لكن الفساد يطل برأسه، والواسطات تجثم على أنفاسها، والرقابة تكاد تختنق وتموت تحت ضغط غرائز البعض الذي يبحث عن نفعه الفردي.
إن التنمية هي الكائن الحساس، والكفاءة هي الوقود الحقيقي لأي تنمية حقيقية أو نهضة، والواسطة هي الثقب الذي يستنزف هذا الوقود. فالمجتمعات التي تتقدم هي التي أدركت أن «ما تعرفه» أهم بكثير من «من تعرفه». عندما تصبح «الواسطة» هي المعيار بدلا من «الكفاءة»، فلا تفقد فقط عدالة التوزيع، بل تفقد روح المبادرة والإبداع في المجتمع؛ حيث تطغى المحسوبية على الاستحقاق، ويسود الإحباط وقتل الطموح.
فعندما يرى الشخص المجتهد أن جهده لا قيمة له أمام «علاقات» غيره، يتسلل إليه اليأس، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية أو هجرة العقول «Brain Drain» بحثا عن بيئة تقدر العمل.
وتتراجع جودة الأداء، فوضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب يؤدي حتما إلى ضعف المخرجات.
ويؤدي إلى تآكل الثقة الاجتماعية؛ حيث تضعف ثقة الأفراد في المؤسسات والقوانين، ويترسخ اعتقاد بأن «الحصول على الحقوق» يتطلب وسيطا وليس اجتهادا.
وتكون النتيجة الحتمية تعطل التنمية، فالمؤسسات التي تُبنى على الولاءات والمحسوبية بدلا من الخبرات تبقى جامدة في مكانها، بينما يتطور العالم من حولها.
إن مواجهة هذا التحدي تأتي أولا، بحوكمة التوظيف، فتبنى أنظمة رقمية «الأتمتة» في عمليات التوظيف والترقية لتقليل التدخل البشري وضمان الشفافية.
وثانيا، بناء ثقافة الاستحقاق عبر تعزيز مبدأ «الجدارة» في المدارس والجامعات والمؤسسات، والاعتراف بأن النجاح الحقيقي هو ما يُبنى على المهارة.
وأخيرا، تفعيل المحاسبة، فتوجد قوانين خاصة وصارمة تجرم المحسوبية وتوفر قنوات آمنة للتبليغ عنها.