هل أنقذ الحنين للماضي "الغميضة" من ضعف الحكاية؟
إثارة مفرطة ومبالغة غير مبررة
الاثنين / 12 / رمضان / 1447 هـ - 19:53 - الاثنين 2 مارس 2026 19:53
صورة المرأة العمياء وهي تحيك الملابس، جذبت أنظار المشاهدين لمسلسل 'الغميضة'، ليس لكونه حاملا قصة جديدة، وإنما اتباعا لقانون الجذب الناتج من إعلانات ما قبل عرض المسلسل، والبيئة القديمة لا سيما سبعينيات القرن الماضي، التي تعد محركا للحنين لدى الجمهور لحقبة قد عاشها البعض، وتاق الآخر لمعرفة تفاصيلها المخبأة.
كما أن لمعان اسم الفنانة هدى حسين، والمخرج علي العلي، بمشاركة أسماء لها جمهورها، وتحري ما ستقدمه الكاتبة هبة مشاري حمادة بعد سيناريوهات إثارة الجدل في الأعمال الماضية، كلها أسباب لمتابعة الجمهور للمسلسل.
البحث عن النجاح دون الأخذ بالأسباب
للوهلة الأولى يخيّل لك أن المسلسل يعبر وجدانك من خلال مشاهده الأولى، الأزياء والبيوت والسيارات والقرية القديمة تشعل حنين الجمهور التواق لتلك الحقبة الزمنية، جماليات الموسيقى التصويرية واختيار بعض الأغاني الطربية والقديمة في مشاهد متفرقة في العمل الدرامي، ووجود أسماء لهم قاعدتهم الجماهيرية ونجاحهم في تقديم شخصيات مختلفة في كثير من الأعمال، إلا أنك مع مرور الحلقات قد تقع في ذات الفخ، وهو التكرار في قصة لها ملامح متشابهة، ولا تخرج منها إلا بالمتابعة اليومية لعمل لمعت صورته البصرية دون الاكتراث للتفاصيل الفنية المقنعة التي تبقى وجدانيا في قلب المشاهد العربي.
المسلسل الذي تدور أحداثه حول وداد التي تقوم بأداء الشخصية الفنانة هدى حسين، والتي هي امرأة كفيفة لها أبناء ثلاثة، وتعيش برفقة زوجها صالح الذي يقوم بأداء الدور عبدالرحمن العقل، والذي يعمل سائقة و'فرّاش' لدى عائلة أخيها 'منصور' الذي يؤدي دوره إبراهيم الحربي، وزوجته شاهة التي تؤدي دورها عبير أحمد، وبناتهم الثلاث. كما تسكن برفقة وداد اختها 'حنان' التي تؤدي دورها لولوة الملا، وأم صالح التي تؤدي دورها سعاد علي.
خيال يلبس قناع الواقع
أحداث قد تكون متسارعة ومتصاعدة في ذات الوقت في حلقة يومية لا تتعدى الـ30 دقيقة، تتفاجأ وأنت تشاهدها بما لا يستوعبه العقل البشري، وبخيال يلبس قناع الواقع، المفاجأة الأولى بدأت بما حدث لـ'حنان' التي يبدو أنها تعاني من التوحد الذي لم يمكن مكتشفا في تلك الحقبة الزمنية، ويطلق على تصرفاتها بأنها طفلة، وفي لحظة ما تنجب 'حنان' طفلا وهي في البيت، الغريب في الأمر أنها أنجبته دون أن تظهر عليها أي علامات حمل، أقلها انتفاخ بطنها الذي حمل جنينا مكتملا حد بلوغ موعد ولادته، ليتفاجأ الجميع بأنها قد تعرضت لاحتيال من شخص، لتحمل منه طفلا دون أن يتزوجها، ولن تكون المصيبة كون الحيلة التي قام بعملها 'صالح' ليواري فعلة 'حنان' المثيرة للعار، إلا أن العتب غير المبالغ فيه، وتجاهل حدوث هذا العار، واستكمال الحياة الطبيعية لهذه الأسرة وكأن شيئا لم يكن هو ما يثير استغراب المشاهد واستفهامه الشديد.
وعلى الرغم من كون القصة لا تتجاوز فكرة قصة مجموعة من الشباب لكل منهم قصة الحب التي تحدث فيها تفاصيل مختلفة، عراك تصاعد معه الأحداث، وفتور يتخلله غزل وتبادل رسائل، ولا تصل معها لنهاية أو حبكة جاذبة، إلا أن مشاهد متفرقة في العمل تنتهج أسلوب المبالغة وإثارة الجدل، تضع المشاهد أمام عدة تساؤلات وكثير من السخرية.
مبالغة غير مبررة
تسبب العمل في موجة من التعليقات والانتقادات الساخرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي عقب مجموعة من المشاهد التي قدمها العمل، كان أولها المبالغة في أداء بعض الشخصيات لأدوارها في المسلسل، فهناك حوارات شديدة العمق على فتاة مثل 'حنان' التي تعاني من مشكلة عقلية، وهناك مبالغة في ردات الفعل على بعض الأحداث كمبالغة أداء هدى حسين في الصراخ والبكاء أحيانا –على غير عادتها-، وعلى مبالغة فاطمة الصفي وهي تؤدي دور شادية في الانفعال والصراخ على حبيبها 'طارق' الذي يؤدي دوره محمود بوشهري.
ولعلّ أول تلك التعليقات جاءت حول شخصية 'وداد' التي هي أمرأة كفيفة لا يمكن للمشاهد أن يكتشف ذلك إلا من منتصف الحلقة الأولى، فلم تكن هدى حسين موفقة في الأداء، حيث كانت تتحرك بكل سلاسة وتؤدي مهامها وأدوارها في البيت والمطبخ وحياكة الملابس، وكأن القصة أرادت أن تصور المرأة الكفيفة ليس بصورة القدرة الحسية لفاقدي البصر، وإنما بأسلوب المعجزة الدرامية التي هي مرفوضة حتما لدى المشاهد الواقعي.
لم يكشف المسلسل عن سبب فقدان البصر، ولا عن مصدر القدرات الفذة التي تتمتع بها وداد في أداء مهامها بكامل كفاءتها، حيث تتنقل في أرجاء المكان بسهولة ويسر، ولا تخرج من هذا الإطار إلا في لحظات صراخها المتكرر أثناء إعادة جملة مكررة: 'لا تسكتوا وتعموني.. أنا أشوفكم من خلال أصواتكم'.
أحداث مثيرة للسخرية
ومن بين الأحداث التي أثارت موجة من السخرية على شبكات التواصل الاجتماعي، مشهد دخول جمال إلى البحر لإنقاذ الطفل خاطر بعد أن جرفته الأمواج، وسط صراخ ونحيب مبالغ فيه من قبل والدته الكفيفة التي لا تستطيع رؤيته. ورغم محاولة المشهد إثارة العاطفة، إلا أن شعور المشاهد بالمبالغة طغى عليه، خاصة مع اللقطة المفصلية التي لم تصدق، حين عاد جمال من وسط البحر بملابس جافة وهيئة مرتبة تمامًا، وكأنه لم يغص في الأمواج، في ما اعتُبر سقطة درامية كبيرة لمخرج بحجم علي العلي، ما جعل الجمهور يحوّل هذه الهفوات والأخطاء إلى مادة فكاهية واسعة على منصات التواصل.
إثارة الجدل.. واختيار الراوي غير الموفق
تبدو هناك رغبة واضحة في أعمال هبة مشاري حمادة الأخيرة لإثارة الجدل وجذب المشاهد بأسلوب أكثر جرأة مقارنة بالأعمال الخليجية المعتادة. فقد تعرض طاقم مسلسلها 'من شارع الهرم إلى' للتوقيف مؤقتًا وإجراء تحقيق بعد عرض العمل، إضافة إلى الهجوم الجماهيري نتيجة الجرأة فيما يُقدَّم للجمهور الخليجي المحافظ. ومع ذلك، تستمر الكاتبة في إدخال هذه الأفكار الجريئة في أعمالها، ما قد يؤثر أحيانًا على الجمالية الفنية والتماسك الدرامي حين يصبح البحث عن الجدل أولوية على حساب العمق والمضمون.
في مسلسل 'الغميضة'، اختارت الكاتبة أن تكون راوية القصة نفسها، إلا أن هذا الخيار لم يكن موفقًا، خصوصًا أن صوت الراوي يمثل جزءًا أساسيًا من تفاعل العمل مع المشاهد؛ فصوت الكاتبة بدا ضعيفًا، وخاليا من القدرة على تصاعد الرتم أو التلون الصوتي، فيما يُفترض أن يتمتع صوت الراوي بالتحكم في طبقات الصوت، واختيار النبرة المناسبة لكل موقف، سواء أكان فرحًا أم حزنًا؛ فالصوت عنصر رئيسي في التشويق والجذب، وهو ما لم يتحقق في أداء هبة مشاري حمادة كراوية للقصة.
وعلى الرغم من أن مسلسل 'الغميضة' له متابعوه، وحظي بتصفيق الجمهور، لا سيما مع وجود عناصر عدة تتمتع بالقوة والإقناع في العمل، والتي قد تتفوق على أداء هبة مشاري حمادة في مسلسلها السابق 'أم 44'، وقد تظهر ملامح قوة أكبر في ما تبقى من حلقات لم تصل بعد إلى منتصف الموسم، إلا أن بعض التعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي أعربت عن استغرابها، قائلة: قالت: 'كيف يعقل أن يكون هناك عمل درامي شارة النهاية هي أجمل ما فيه؟'.