سؤال الذاكرين :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
الاثنين / 12 / رمضان / 1447 هـ - 19:51 - الاثنين 2 مارس 2026 19:51
كيف نوفق بين الدعاء والإيمان بالقدر في أعماق القلب، بحيث ندعو الله ونحن موقنون بالإجابة في أمور الدنيا؟
الحقيقة أنه سؤال غاية في الأهمية، والجواب يكمن في مفردة ذكرها في سؤاله، وهي مفردة أنه يدعو وهو موقن، فاليقين ينقسم إلى جهتين: جهة هذا الداعي أن يستشعر افتقاره إلى الله تبارك وتعالى واحتياجه إليه، وأنه في مسيس حاجة وضيق أمر وفي حالة لا يمكن أن يخرجه منها إلا من بيده الأمر كله وهو ربه تبارك وتعالى الذي يناجيه، هذا هو الطرف الأول.
الطرف الثاني هو المدعو، وهو رب العزة والجلال، فحينما يوقن هذا الداعي أن ربه تبارك وتعالى على كل شيء قدير، وأنه يسمع دعاءه، وأن بيده مفاتيح الأمور كلها، وأن الأمر كله يرجع إليه، فهذا المعنى، معنى اليقين في قدرة الله عز وجل وعلمه وسمعه واطلاعه وجلاله وجماله وكماله جل وعلا، هي من أخص شروط الدعاء، فإذا لم يكن في قلبه التفات إلى ما سوى الله تبارك وتعالى، فهذا مقام، إذا كان في دعائه يظن أن الأسباب التي بيده من مال أو قوة أو أقارب أو أصدقاء أو منزلة ووجاهة يمكن له أن تعينه، فهذا كما يقول الإمام الرازي في تفسيره، وهي كلمة في الحقيقة مع دقة معناها لكنها صعبة في التنفيذ والتطبيق، يقول مثلها: هذا إنما يدعو بلسانه لا بقلبه، سبحان الله، فما لا يبلغ حد أن يكون موقنًا في دعائه إلا إذا تجرد من هذه الأسباب، من الظن أن الذي بيده من مال أو قوة أو نسب أو قرابة أو جاه ذلك لا ينفع، وإنما ينفعه هذا الذي يتوجه إليه بدعائه وضراعته، فلا يكون في قلبه أدنى التفات، حتى إن تعبيره: إن كان في قلبه ذرة من أن ماله وصحته وقوته وجاهه وأقاربه وأصدقاءه يمكن أن ينفعه، فهو في الحقيقة داع بلسانه لا بقلبه، ولا يكون داعيًا موقنًا بقلبه، إلا إذا تجرد من هذه الأسباب ولم يلتفت إلى ما سوى الله تبارك وتعالى في دعائه.
وقد يفسر هذا ما يذكره كثير من الناس حينما يستشعرون أنهم يدعون ولا يستجاب لهم، وقد يكون هناك خلل في هذا التوجه، في اليقين وفي حقيقة التذلل والانكسار لله تبارك وتعالى، أو أن يخالط النفس شيء من التعلق بالأسباب التي بيد هذا العبد نفسه، فيكون داعيًا بلسانه لا بقلبه، وقد يكون هناك خلل في الشروط الأخرى المعروفة في الدعاء، ولكن هذا هو الدعاء المقصود وهذه هي حقيقة الدعاء: تضرع وتذلل وسؤال الحاجة من الله تبارك وتعالى دون التفات إلى أسباب أخرى، يجرد نفسه من الالتفات والتوجه إلى ما سوى الله جل وعلا ويوجه حاجته إليه، وإن كانت هذه الحاجة من البر والخير، فليوقن بأن هذا الدعاء يسمع من رب العزة والجلال، فإما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه سوء بقدر ما دعا، فلن يعدم شيئًا من هذه الجزاء من دعائه الذي توجه به وهو موقن مخلص لله تبارك وتعالى.
وهذا لا يتنافى مع القدر كما ذكر السائل، بل هو من القدر، نعم، فإن الله تبارك وتعالى قد علم كل شيء يصدر من العباد قبل أن يفعلوه وكتب ذلك، علم ما سيختارونه وما سيأتونه من أفعال باختيارهم وإرادتهم فكتب عليهم ذلك، وأجرى الأسباب وأجرى المسببات بناء على هذه الأسباب التي أخذوا بها، فعلمه جل وعلا علم كامل لا أمد له ولا حد، وهو مطلع سبحانه على كل ما يأتي به العباد قبل أن يأتوه، فكتب ذلك عليهم لا على جهة الإلزام، وإنما على جهة انكشاف هذا المعلوم له تبارك وتعالى، فإذا هو من اختيار العباد وكسبهم مما يثابون عليه ويؤجرون، ومما يكون في أقدارهم التي كتبها الله عز وجل لهم، بحيث إنهم لو لم يأخذوا بهذه الأسباب ومنها الدعاء فإن المسببات ستختلف بناء على ذلك، هذا والله تعالى أعلم.
في قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ»، وقال في آية أخرى: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ»، فكيف نفهم الجمع بين الخلق المتدرج في ستة أيام والقدرة الإلهية المطلقة على الخلق الفوري؟
معلوم أن الله تبارك وتعالى موصوف بكمال القدرة ومنتهاها وبغاية الحكمة سبحانه وتعالى، وهو إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، قال في كتابه العزيز: «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ»، وقال في موضع آخر وهي الآية التي ذكرها السائل: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ».
ففعله جل وعلا لا يخرج عن حدود الحكمة علمناها أو جهلناها، نعم، وهو تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، له القدرة المطلقة، له كمال القدرة وإطلاقها، وله منتهى الحكمة وغايتها سبحانه.
وإنما ذكر أهل العلم بعض الحكم التي استشفت، التي أخذت من خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ومن هذه الحكم تعليم العباد التريث والتثبت، وبعضهم قال في الأمور الجلل، فإن الله تبارك وتعالى أراد تعليم عباده أن يتثبتوا وأن يتريثوا في الأمور العظيمة، إذ هو جل وعلا لو شاء أن يخلق السماوات والأرض مرة واحدة لفعل، ولكنه أخبرهم، أطلعهم أنه خلقها في ستة أيام، أي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، تنبيهًا لهم على هذا المعنى وتعليمًا لهم معنى التثبت والتأني في الأمور العظيمة.
ومن الحكم أيضًا التي يمكن أن تؤخذ هو تعليم العباد مبدأ التدرج، إذ هذا التدرج هو الذي تؤخذ منه النواميس والقوانين، قانون المسببات والأسباب، فحينما يأتي العباد لاكتشاف حكمة الله عز وجل في هذا الكون الفسيح بسماواته وأرضه فإنهم يتعرفون على النواميس والقوانين التي أودعها الله عز وجل فيه، هذه القوانين تتكامل في هذا الكون ويتولد بعضها من بعض، وبعضها سبب للآخر، وبعضها مسبب عن آخر، فهذا التكامل في الصنعة الإلهية هو من المقاصد التي أراد الله عز وجل أن يعلمها عباده حينما خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
ومن المعاني أيضًا التي ذكرها أهل التفسير والعلماء في هذا الباب أنه جل وعلا لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فهو في بعض ما قضاه جل وعلا أوجده مرة واحدة، أوجده بكن فكان، نعم، دون بذل مجهود، فلا رادَّ لحكمه سبحانه وتعالى ولا معقب لقضائه، وهذه الكينونة المعبر بها بكن فيكون إنما يقصد بها مجرد توجه الإرادة الإلهية إلى ذلك المراد فيكون فيوجد، فتوجهت إرادة الله تبارك وتعالى في خلق السماوات والأرض أن يكون بهذه الكيفية، فهي لا تختلف عن قانون كن فيكون، وإنما من حيث كيفية الخلق أراد الله عز وجل أن تكون كذلك، أن تكون في ستة أيام وأن تكون متدرجة بهذا التدرج وسائرة على هذا الناموس الرباني الذي وضعه في الخلق.
فمن أجل ذلك يبين لهم أن بعض ما أوجده الله تبارك وتعالى وقضى به فإنه يمكن أن يوجد على قانون كن فيكون دفعة واحدة، أو أن يكون ذلك بحسب مقتضى حكمته ومشيئته جل وعلا على تدرج وفي أيام.
بعض أهل العلم نظر في هذه الأيام وقال: أي أيام هي؟ هل هي من أيامنا التي نعهدها ونحن والحديث والموضوع هو خلق السماوات والأرض، فمعلوم أن ذلك كان قبل خلق السماوات والأرض، لكن لا حاجة إلى الدخول في هذا الموضوع لأن الله تبارك وتعالى يخاطبنا بما نعقل، وأحسن ما يقال بأنها مدة زمنية تساوي ما نعرفه نحن من الأيام الستة.
ثم إن هنا حكمة أخرى ذكرها أيضًا بعض أهل العلم، وهي الحكمة المتعلقة بالرد على اليهود الذين زعموا أن الله تبارك وتعالى خلق الكون في ستة أيام فتعب سبحانه وتعالى وتنزه عما يقولون، في اليوم السابع ذهب ليرتاح، ولذلك رد الله عز وجل عليهم بأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يكون في ذلك مجهود أو معالجة أو تناول، ولذلك قال: وما مسنا من لغوب، اللغوب هو التعب، سبحانه.
فإذا مجموع هذه هي الحكم التي تؤخذ من كون خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وظهر أنه لا تعارض بينها وبين مبدأ كن فيكون، وأن لله تبارك وتعالى مطلق القدرة وكمالها ومنتهى الحكمة وغايتها، وأن الأمر بكن إنما هو مجرد توجه إرادة، فإذا بالشيء المراد يكون ويوجد لا بمعالجة ومجهود منه سبحانه وتعالى، وإنما بمقتضى أمره إياه، فهذه هي المعاني التي ذكرها أهل العلم، والله تعالى أعلم.