العرب والعالم

ما وراء إغلاق إسرائيل الشامل لمعابر غزة والضفة

 

غزة - بهاء طباسي:

في لحظة إقليمية مشتعلة تتقاطع فيها الجبهات وتتداخل الحسابات، أعلن الاحتلال الإسرائيلي إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، بما في ذلك معبر رفح، إلى جانب معابر الضفة الغربية، ومنع الوصول إلى المسجد الأقصى لمدة 48 ساعة، بدعوى «حالة الحرب المؤقتة» وبمناسبة عيد المساخر اليهودي. القرار، وإن بدا في ظاهره إجراءً احترازيًا مرتبطًا بمناسبة دينية، يأتي في سياق إقليمي أوسع يتسم بتصعيد عسكري غير مسبوق بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.

فالمنطقة تعيش على وقع مواجهة مفتوحة تجاوزت حدود الرسائل غير المباشرة إلى ضربات عسكرية معلنة، في ظل تبادل استهدافات وتصريحات تصعيدية رفعت مستوى التأهب في مختلف الساحات المرتبطة بالصراع. وفي مثل هذا المناخ، تصبح كل الجبهات المحتملة بما فيها الساحة الفلسطينية جزءًا من معادلة أمنية واحدة تخضع لإعادة تقييم مستمر.

القرار الإسرائيلي لا يمكن فصله عن هذا السياق. فعبارة «حالة الحرب المؤقتة» تحمل دلالة سياسية تتجاوز الإجراء الإداري. إنها تعكس تصورًا أمنيًا يعتبر أن حالة الاشتباك مع إيران، وما قد يستتبعه من تحركات لحلفائها في الإقليم، تفرض تشديد القبضة على المجال الفلسطيني خشية أي تفاعلات متزامنة.

كما أن شمول الإغلاق للضفة الغربية ومنع الوصول إلى المسجد الأقصى يضيف بُعدًا سياسيًا حساسًا، إذ يجري التعامل مع غزة والضفة والقدس باعتبارها ساحات مترابطة أمنيًا، لا ملفات منفصلة. ومن هنا، يبدو القرار أقرب إلى خطوة استباقية ضمن إدارة شاملة للمخاطر، لا مجرد إجراء موسمي عابر.

ما وراء القرار

إغلاق المعابر في الأعياد اليهودية ليس سابقة جديدة. اعتادت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على فرض قيود مشددة في مناسبات مماثلة، استنادًا إلى تقديرات تشير إلى ارتفاع احتمالات وقوع عمليات خلال الأعياد. غير أن الفارق هذه المرة يكمن في تزامن القرار مع تصعيد عسكري إقليمي مباشر، ومع حالة توتر ممتدة منذ شهور في الضفة الغربية والقدس.

البيان العسكري الذي أعلن الإغلاق أشار إلى أن القرار يشمل جميع المعابر، وأنه سيُعاد تقييمه وفق الحالة الأمنية. هذه الصياغة تترك الباب مفتوحًا أمام التمديد، ما يعكس طبيعة مرنة للإجراء ترتبط بتطورات الميدان لا بمدة زمنية ثابتة.

أما إدراج معبر رفح ضمن القرار، فرغم خصوصيته باعتباره المنفذ الحدودي المرتبط بالسيادة الفلسطينية-المصرية، فإنه ينسجم مع مقاربة إسرائيلية أوسع تسعى إلى إبقاء التأثير الأمني حاضرًا في كل مفاصل الحركة من وإلى غزة، خصوصًا في أوقات التوتر الإقليمي.

الحرب الإقليمية وانعكاساتها

في قراءة للقرار، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور أن ما يجري «ليس إجراءً معزولًا عن التطورات الإقليمية». ويقول، لـ«عُمان»، إن إسرائيل، في ظل المواجهة المفتوحة مع إيران، «تتعامل مع كل الساحات القريبة باعتبارها امتدادًا محتملًا لميدان الصراع، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا فيه».

ويضيف منصور أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعمل وفق مبدأ «تعدد الجبهات»، أي الاستعداد لاحتمال تزامن أحداث في أكثر من ساحة. وبحسب تقديره، فإن «إغلاق المعابر يندرج ضمن سياسة تقليص المخاطر، بحيث تُغلق المنافذ التي يمكن أن تتحول إلى نقاط احتكاك في لحظة إقليمية حساسة».

ويرى أن استخدام توصيف «حالة الحرب» يحمل رسالة للداخل الإسرائيلي مفادها أن الحكومة تتعامل بجدية مع التهديدات، كما يوجّه إشارة للفلسطينيين بأن المجال الأمني يخضع لرقابة مشددة في هذه المرحلة.

توحيد الساحات

من جانبه، يعتبر الكاتب والباحث السياسي أنطوان شلحت أن القرار يعكس «ذهنية أمنية ترى في الساحة الفلسطينية جزءًا من معادلة الردع الإقليمي». ويشير إلى أن ربط غزة والضفة والقدس في قرار واحد «يعكس قناعة إسرائيلية بأن أي تصعيد في واحدة من هذه الساحات يمكن أن يتفاعل سريعًا مع التطورات الإقليمية».

ويضيف شلحت، أن منع الوصول إلى المسجد الأقصى في هذا التوقيت «يحمل حساسية مضاعفة»، إذ إن القدس تظل عنصرًا قابلًا للاشتعال، خاصة إذا تزامنت القيود مع توتر إقليمي أوسع. وبرأيه، فإن «الإفراط في الإجراءات الوقائية قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنه يراكم أسباب الاحتقان على المدى الأبعد».

كما يشير شلحت، المشرف على تقارير مركز «مدار» للدراسات الإسرائيلية، إلى أن الحكومة الإسرائيلية، في ظل المواجهة مع إيران، تسعى إلى إظهار قدرتها على التحكم الكامل في المشهد الداخلي، وتجنب أي صورة توحي بفقدان السيطرة في ساحات أخرى.

معبر رفح في الحسابات

الباحث والمحلل السياسي الدكتور إياد جودة يركز على خصوصية معبر رفح، معتبرًا أن إدراجه في قرار الإغلاق «يتجاوز الاعتبارات الموسمية». ويقول إن إسرائيل «تحاول منذ سنوات إعادة تعريف موقع المعبر ضمن منظومة أمنها القومي، بحيث يصبح خاضعًا بشكل غير مباشر لتقديراتها الأمنية، حتى لو لم تكن هي الجهة الإدارية المباشرة».

ويضيف، أن تكرار إغلاق المعبر تحت ذرائع أمنية، سواء في الأعياد أو في أوقات التصعيد، «يساهم في تكريس واقع تصبح فيه حركة الأفراد والبضائع رهينة للقرار الأمني الإسرائيلي، لا فقط للتفاهمات الفلسطينية-المصرية».

ويربط يغي ذلك بالسياق الأوسع المرتبط بمحور فيلادلفيا، معتبرًا أن أي ترتيبات مستقبلية في غزة ستظل مرتبطة بسؤال السيطرة الأمنية على هذا الشريط الحدودي، وأن إدراج رفح في قرار شامل يعكس رغبة إسرائيلية في إبقاء هذا الملف ضمن دائرة التأثير المباشر.

اختبار التهدئة

في المحصلة، يكشف قرار الإغلاق عن معادلة دقيقة تحكم المرحلة الراهنة: وقف إطلاق نار هش في الساحة الفلسطينية، يقابله تصعيد مفتوح في الإقليم. وبين الاثنين، تتحرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بخطوات احترازية مشددة، تحاول من خلالها منع تداخل الجبهات أو انتقال شرارة من ساحة إلى أخرى.

ورغم إعلان أن الإغلاق مؤقت ولمدة يومين فقط، فإن طبيعة الصياغة الرسمية تتيح تمديده إذا ما رأت المؤسسة الأمنية أن الظروف تستدعي ذلك. وهنا يتجلى السؤال الأبرز: هل يبقى القرار في حدوده الزمنية المعلنة، أم يتحول إلى جزء من سياسة تشديد أوسع تفرضها تطورات الحرب الإقليمية؟

هكذا، يتجاوز الإغلاق كونه إجراءً إداريًا مرتبطًا بعيد، ليصبح مؤشرًا على حجم القلق الذي تعيشه إسرائيل في ظل مواجهة متعددة المستويات. فالمعابر، في مثل هذه اللحظات، لا تكون مجرد بوابات عبور، بل تعبيرًا عن توازنات دقيقة بين الأمن والسياسة، بين الاحتراز والتصعيد، وبين إدارة أزمة داخلية ومواجهة إقليمية مفتوحة.