رمضان وثقافة الصورة
الاحد / 11 / رمضان / 1447 هـ - 21:38 - الاحد 1 مارس 2026 21:38
تغيّرت ملامح الشهر الفضيل الذي اعتدناه بشكل واضح، واختفت معه البساطة، وأصبح مساحة للاستعراض: موائد منسّقة بعناية، ديكورات متقنة التفاصيل، أزياء مختارة خصيصًا للإفطار والسحور، وصور تُنشر يوميًّا توثّق اللحظة وتقدّمها في إطار جمالي مدروس.
لا نستطيع أن ننكر أن ما يحدث هو انعكاس لتحولات أوسع؛ ذلك أن مجتمعنا العُماني الذي نعرفه قد تغيّر، ومستوى المعيشة في بلادنا في ارتفاع، كما أن الذوق العام يتطوّر مع انفتاحنا على العالم الأوسع. وبناءً على ذلك، لم تعد مناسباتنا تُعاش داخل البيوت فقط، بل أصبحت تُشارك وتُعرض وتُوثّق ليراها العالم بأسره، ورمضان لم يكن معزولًا عن هذا التحوّل. فكما تغيّر شكل الأعراس والمناسبات الخاصة، وحتى تفاصيل الحياة اليومية، تغيّر شكل الاحتفاء بالشهر الفضيل أيضًا؛ فالفرح بقدوم رمضان ليس بدعة معاصرة، لكن هذا الفرح أصبح مرئيًّا على نطاق واسع، وخاضعًا للمقارنة.
المسألة لا تتعلق بموائد مبالغ فيها، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل المظهر إلى معيار للقيمة، وحين تشعر بعض الأسر بضغط لمجاراة صور لا تشبه واقعها، وحين يصبح التوثيق أهم من التجربة نفسها. فقد أعادت ثقافة الصورة تعريف الكثير من المناسبات؛ لم نعد نعيش اللحظة فقط، بل نفكّر في كيف ستبدو. ومع الوقت، يصبح «الشكل» جزءًا من الهوية المعروضة للآخرين.
كثيرون يقارنون بين رمضان اليوم ورمضان الأمس؛ حيث كانت البساطة سمة عامة، وكانت الخصوصية أكبر، وكانت التجربة تُعاش داخل البيوت دون جمهور. لكن علينا أن نعترف أن السياق تغيّر؛ لسنا أمام نسخة مشوّهة بقدر ما نحن أمام نسخة جديدة تعكس زمنها.
التحدي الحقيقي ليس في مقاومة التغيير، بل في إدارته بوعي. يمكن أن نزيّن موائدنا دون أن نربط قيمتنا بما نعرضه، ويمكن أن نشارك صورًا دون أن ننسى أن الأهم مما يُرى هو ما يُعاش. فالروح تضعف حين يُختزل الشهر في تفاصيله البصرية.
ربما المطلوب اليوم ليس العودة إلى بساطة الماضي، بل استعادة مركزية المعنى في حاضر أكثر صخبًا؛ أن نخدم الجوهر بالمظهر، لا أن نستبدله به.
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية