المجتمع أمام اختبار المناعة والمرونة الفكرية
الاحد / 11 / رمضان / 1447 هـ - 00:54 - الاحد 1 مارس 2026 00:54
في قضايا المعرفة يشار دائما إلى منحنى «باكمينستر فولر» الذي يراقب في جزء منه تطور حجم وبناء المعرفة البشرية بوصفها (بناء متراكما)، ويشار دائمًا إلى أنه في عام 1945 كانت تضاعف المعرفة يحدث كل 25 سنة، وقبل عقدين من الزمن أي في عام 2005 كانت التقديرات تشير إلى تضاعف المعرفة البشرية كل 12 شهرًا.
اليوم يقدر (معمار المعرفة) أن المعرفة أصبحت تراكم نفسها، وتتضاعف كل 12 ساعة تقريبًا. لا تتعلق المسألة بـ (الحجم) وحده؛ وإنما في مصادر تلك المعرفة، واتجاهاتها، وما أصبحت تحمل عليه من وسائط، ومكنة الوصول البشري إليها، وكيف يتم تقديمها، والآلية التي يتم بها استهلاكها أو توظيفها، وكيف تتموضع في طبيعة الإدراك البشري، وكيف يتم تقييمها.
حتى ما قبل مطلع الألفية كان معظم حجم المعرفة على سبيل المثال محمولًا في الكتب، والصحف، والتدوينات الأولية في بدايات انتشار شبكة المعلومات الدولية؛ وبالتالي فإن قيمة تلك المعرفة، والمساحة التي يمنحها الإدراك البشري لاستيعابها كانت أكبر. اليوم أغلب المعرفة المتضاعفة التي نتحدث عنها هي المعرفة المولدة آليًا (Synthetic Data)، والتي تتعرض لإدراك بشري متفاوت ومحدود غالبًا. لذا فإن مناقشة موضوع الإدراك البشري للمعرفة وتغيراته مهم جدًا، وفي علم اجتماع المعرفة يكاد يصبح ظاهرة مجتمعية يستوجب الباحث تتبعها، وفهمها، وتقديرها عبر الزمن.
تنطلق هذه الأهمية من ثلاثة أفكار أساسية: وهي أن كلما زاد الإدراك البشري لمعرفة ما (زادت قيمتها وأهميتها)، و(زادت قابلية المجتمع للفعل)، والثالثة أنه (قلت قابليته للتشتيت عن مقاصده الكبرى).
تحتاج المجتمعات إلى ثنائية (اليقين والأسئلة) بشكل متوازن، وهذا التوازن يحكمه مستوى الإدراك البشري للمعلومات والمعارف التي يتم تلقيها، والتي أصبحت اليوم مع تضاعفها تشكل مفاهيم جديدة طارئة مثل مفهوم (الإغراق المعرفي ــ التخمة المعرفية ــ إجهاد المعلومات ــ فجوات الوعي ــ التفريغ المعرفي ــ تعدد المهام الرقمي..) وهذه ظواهر مرضية في صلب الإدراك البشري نتجت أغلبها من عدم قدرة الإدراك البشري على التعامل السليم مع معرفة جامحة من حيث الحجم وتعددية المصادر وتعددية أشكال البناء، وفجوات القبول والأسئلة، وفجوات التلقي.
ولكي نحاول تقريب أثر ذلك سنعرض بعض الدراسات المهمة التي تناولت ذلك في سياق عالمي؛ فالدراسة الشهيرة وواسعة الاستشهاد بعنوان: «Neuroplasticity in the Reels Era: Cognitive Consequences of Ultra-Short Form Video Consumption» والتي ناقشت مفهوم (عصر الريلز Reels) تشير نتائجها إلى أن الأفراد الذين استهلكوا فيديوهات قصيرة (Reels) لمدة تزيد عن 30 دقيقة يوميًا (وفق مجموعة تجريبية)، سجلوا انخفاضًا بنسبة 27% في أداء مهام «الانتباه المستدام» مقارنة بـ(مجموعة ضابطة)، وهذا يحيلنا إلى أن الطريقة التي تقدم بها المعرفة تتحكم في الطريقة (عادات التلقي) بالنسبة للأفراد، وتخلق لديهم أنماطا قد تجعلهم على المدى البعيد غير قادرين على التعامل مع أي معرفة تفوق تلك الدقائق، أو تخرج خارج إطار الشكل الذي تعودوا عليه.
وفي دراسة أخرى تعرضت لأنماط الحضور في مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان: « Social Media Use and Critical Thinking Skills: A Quantitative Correlational Study» أثبتت وجود ارتباط طردي قوي بين المشاركة «النشطة» (نقاشات، تعليق نقدي) في الموضوعات الجادة المطروحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبين تنمية التفكير النقدي لدى الأشخاص المنخرطين فيها، وكشفت في المقابل أن الاستهلاك السلبي للفيديوهات القصيرة لم يحقق أي تأثير إحصائي إيجابي على مهارات التحليل لدى الأفراد من عينة الدراسة، وهذا يفسر اليوم إغراق هذه المواقع بالمحتوى المرئي، وتحولها إلى منصات بصرية على عكس بدايات الكثير منها، والتي كانت تتسم الطرح الفكري الجاد والقابل للنقاش والتداول والنقد وتبادل الأفكار.
وتشير بعض الدراسات كذلك إلى أن «استهلاك المحتوى الرقمي غير المنظم لأكثر من 4 ساعات يوميًا يرتبط بانخفاض قدره 22% في نتائج اختبار الانعكاس المعرفي (CRT)، وهو المقياس الذي يحدد مدى قدرة الشخص على مقاومة الإجابات البديهية الخاطئة».
تكمن خطورة مثل هذه الحقائق في أننا قد نتحول إلى مجتمعات هشة فكريًا، وقابلة للتعرض لأسلحة التزييف والوعي الزائف والادعاء المعرفي ونشر الشائعات وتضليل الحقائق، وتوظيف المعرفة براغماتيًا بطريقة زائفة، وأمام هذه المعطيات تبرز رهانات مهمة أمام المجتمع بمؤسساته المختلفة لبناء المناعة الفكرية التي هي في حقيقتها ليست ضدًا للمرونة الفكرية المطلوبة للتعامل مع سياقات معرفة مختلفة وأفكار متعددة.
ونعتقد أن أولى مقتضيات تلك المناعة هو التربية المعرفية على السؤال، والأهم هو سؤال المنطلقات، وهو استحقاق يجب أن تضطلع به كافة مؤسسات المجتمع، وليس المؤسسات التعليمية وحدها. ومن أهم ركائز بناء المناعة الفكرية كذلك بناء ثقافة (المصادر الموثوقة)، وتأمين تلك المصادر عبر المؤسسات الرسمية والإعلامية، وربط الأفراد بها بشكل مستمر ولحظي.
ومن المهم في هذا السياق كذلك التوافق الوطني والمجتمعي على فكرة (المعارف الأساسية)؛ فمن الذي يحدد المعارف الأساسية التي يجب أن يتلقاها الفرد في مرحلة التأسيس الأولى كـ(تأسيس معرفي)؟ البعض ينادي اليوم بتعلم لغات بعينها منذ المراحل الأولى، والآخر يدعو لتعلم البرمجة كونها لغة التنافس المستقبلي، وآخر يرى في الثقافة القانونية مقررًا أساسيًا يستوجب أن يرافق المعارف الأخرى منذ الصغر.
ولذا نرى هناك تفاوتًا في تقدير الأفراد والمؤسسات والتوجهات لتلك المعرفة، وهذا التفاوت تحدٍ في ذاته يجب أن يحسم، وأن يكون هناك نظرة توافقية مشتركة بين المجتمع والمؤسسات الفاعلة والمخططين التنمويين حول ماهية المعارف التي تشكل جيل المستقبل وتنافسيته، وتوجه إدراكه للمستقبل بوصفه أحد أهم أشكال الإدراك البشري.
ولبناء المناعة الفكرية وجب أن تقود المؤسسات الثقافية والفكرية المحتوى الجاد، وتشجع صناع المحتوى ورواد الإعلام الجديد على تقليل الاجتزاء، وتخفيف وتيرة المحتوى العرضي إلى بناء منظومة محتوى قائمة على تفنيد الأفكار، وشرحها، وتحليلها وتوجيه مساراتها بالشكل الذي ينمي ثفافة الفكر الناقد، ويغذي مساحات الإدراك الواعي، والتوقف عن حجة أنه (لن نجد جمهورًا)؛ فالوقائع تشير إلى أن (الجمهور المنشود) حاضر متى ما كانت المادة تستحق التبني والمتابعة وإلا لما كانت هناك متابعات مليونية لبرامج تلفزة وبودكاست تجاوز مدة الحلقة فيها 5 ساعات من الحوار الجاد والرصين.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان