المعتقدات الشعبية وذاكرة العُمانيين
السبت / 10 / رمضان / 1447 هـ - 20:24 - السبت 28 فبراير 2026 20:24
مثلما هناك تاريخ رسمي يروي الأحداث والوقائع من وجهة نظر الساسة والمؤرخين، فإن في الجانب المقابل تاريخًا شعبيًّا زاخرًا بالتفاصيل التي لم تجد طريقها إلى الوثائق، وظلّت محفوظة في الذاكرة الجمعية، وفي العادات اليومية، وفي تلك المعتقدات التي عاش الناس في ظلها، واستعانوا بها لفهم ما يحيط بهم من ظواهر وأحداث. هذا التاريخ يكشف صورة المجتمع من الداخل، ويقرّبنا من طريقة تفكير أفراده، ومن مخاوفهم وآمالهم، ومن الوسائل التي ابتكروها لمواجهة المجهول وتفسير ما استعصى عليهم فهمه من أحداث.
من هنا تأتي أهمية كتاب «المعتقدات الشعبية في عُمان خلال القرن العشرين: دراسة تحليلية في التاريخ الاجتماعي» الصادر مؤخرًا عن معهد الشارقة للتراث، للباحث الدكتور يونس بن جميل النعماني، الذي هو في الأصل رسالة دكتوراه نالها الباحث من جامعة عبدالمالك السعدي في المغرب. فهو يفتح نافذة واسعة على هذا الجانب المهم من الحياة الاجتماعية العُمانية، متتبعًا المعتقدات التي رافقت العُمانيين في مختلف مراحل حياتهم، وفي علاقتهم بالبيئة والطبيعة والعالم غير المرئي، واضعًا إياها في سياقها التاريخي، مع ربطها بالتحولات الكبيرة التي شهدها المجتمع العُماني خلال القرن العشرين.
يستهل النعماني كتابه بحديثٍ موسّع عن الثقافة الشعبية وأهمية دراستها، باعتبارها بابًا لفهم المجتمع في أعماقه، حيث تتكوّن الذهنيات وتترسّخ الصور التي يصوغ من خلالها الناس تصوّرهم للعالم من حولهم. ومن هذا المدخل النظري، ينطلق للإجابة عن عدد من الأسئلة التي ظلّت تؤرق دارسي التاريخ الاجتماعي، وفي مقدمتها: لماذا تبقى بعض المعتقدات القديمة حيّة في الذاكرة الجمعية، رغم التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع؟ وكيف تسهم البيئة في تشكيل هذه المعتقدات ومنحها خصوصيتها؟ وفي سبيل ذلك، يحدد الكاتب إطارًا زمنيًّا يمتد على طول القرن العشرين، وهو قرن شهد -كما نعلم- تغيرات جذرية في البنية الاجتماعية والاقتصادية في عُمان، محاولًا رصد أثر تلك التحولات في أنماط التفكير الشعبي.
أما على الصعيد المكاني -أو ما يسميه المؤلف «مجتمع الدراسة»- فقد اختار النعماني عددًا من المحافظات الساحلية، مثل مسندم، وشمال الباطنة وجنوب الباطنة، ومسقط، وجنوب الشرقية، وظفار، انطلاقًا من فرضية مفادها أن الساحل ظلّ عبر التاريخ أكثر انفتاحًا على المؤثرات الحضارية، وأكثر قابلية لاحتضان أنماط متنوعة من المعتقدات. ومن خلال هذا الامتداد الجغرافي، سعى الكتاب إلى تقديم صورة شاملة عن المعتقدات المرتبطة بدورة حياة الإنسان، وبالبيئة والطبيعة، وبالكائنات الماورائية التي احتلت مكانة بارزة في المخيال الشعبي، كاشفًا عن الدور الذي أدّته هذه المعتقدات في تشكيل الوعي الجمعي، ومبرزًا في الوقت نفسه كيف بدأت بعض هذه التصورات تتراجع أو تختفي تحت تأثير التحولات الدينية والاجتماعية والتنموية التي عرفها المجتمع العُماني في القرن العشرين.
يقسم المؤلف المعتقدات الشعبية في ثلاثة أبواب، يتناول أولها المعتقدات المرتبطة بدورة حياة الإنسان، منذ الحمل والولادة مرورًا بمراحل الطفولة والزواج وصولًا إلى الموت وما يحيط به من طقوس وتصورات. من هذه المعتقدات مثلا أن بعض النساء في عُمان يرمين سرة المولود الذكر على أثر أشخاص معروفين مثل شيخ القبيلة أو رجل كريم أو شجاع، اعتقادًا بأن ذلك يكسب الطفل صفات أولئك الأشخاص ويقرّبه من خصالهم. كما اعتادت بعض النساء إخفاء حملهن، خاصة في أشهره الأولى، خوفًا من العين والحسد، واعتقادًا بأن الإعلان المبكر قد يعرّض الجنين للخطر أو يعطل اكتمال الحمل.
ويبحث الباب الثاني في المعتقدات المتصلة بالبيئة والطبيعة، حيث تحضر النخلة باعتبارها كائنًا حيًّا له مكانة خاصة؛ إذ كان بعض الناس يزفّون الرجل الذي تأخر في الإنجاب إلى نخلة، بعد أن يرتدي ملابسه بالمقلوب، في طقس رمزي يهدف إلى قلب حاله وتغيير مصيره. كما ارتبطت الأفلاج بحكايات ذات طابع أسطوري، من أشهرها الاعتقاد بأن النبي سليمان أمر الجن بحفرها، وأن بعض الأفلاج، مثل فلج معول، تتناوب عليها أيام للإنس وأيام للجن، في تفسير شعبي لظاهرة اضطراب تدفق المياه.
أما الباب الثالث، فيتجه إلى عالم الكائنات الماورائية والمعتقدات البحرية. فمن أمثلة الكائنات الماورائية الاعتقاد بالمغيَّب، كما في حكاية الفتاة المسحورة في نزوى التي وثقها الإمام نور الدين السالمي في أحد كتبه، ثم نقلها محمود الرحبي في روايته «درب المسحورة»، وكذلك الاعتقاد بالسحر والسَحَرة، حيث تحرص بعض الأمهات على عدم ترك الرضيع وحده خوفًا من اختطافه من قبل هؤلاء السحرة، ودفن الشعر المتساقط اتقاءً لاستخدامه في أعمال السحر. وفيما يتعلق بمعتقدات البحر، يبرز احتفال النيروز في قريات، حيث ترمي النساء الغصون في عرض البحر، وخلفهن ترمي البنات الأوعية التي تحوي زراعة النيروز، إلى جانب عادة الحمبكر، التي تُلقى فيها دمية محشوة بالطعام في البحر، في طقس رمزي يعكس علاقة الإنسان الساحلي بالبحر باعتباره قوة غامضة مانحة وآخذة في الوقت نفسه.
ما ميز هذه الدراسة أن يونس النعماني لم يكتفِ فيها بالاعتماد على الكثير من المراجع والمصادر المكتوبة، وأهمها الموسوعة العُمانية، وإنما عمد أيضا إلى إجراء مقابلات مع عدد من الرواة وكبار السن من مناطق مختلفة في عُمان، موثقًا شهاداتهم الشفوية التي حفظت تفاصيل هذه المعتقدات عبر الأجيال. وقد ختمها بتوصيات أَعُدُّها شخصيًّا توصيات مهمة، منها إدراج تخصص الثقافة الشعبية في مراحل التعليم الجامعي في عُمان، وتشجيع الدراسات والبحوث في مجال الدراسات الثقافية عامة، والثقافة الشعبية خاصة في سلطنة عُمان، كما دعا لإصدار مجلة علمية محكمة تُعنى بالدراسات الشعبية العربية في سلطنة عُمان، وهي توصيات تعكس وعيًا بأهمية صون هذا الموروث، وتحفيز دراسته علميًّا، وضمان استمرارية الاهتمام به أكاديميًّا وثقافيًّا.
وإذن؛ فإن هذا كتاب مهم لأنه يسهم في توثيق المعتقدات الشعبية، ويعيد الاعتبار لذاكرة ظلّت طويلًا خارج اهتمام الكتابة التاريخية الرسمية. وهو كتاب مهم لأنه يذكّرنا بأن فهم المجتمع يقتضي تتبّع أحداثه الكبرى، والإصغاء إلى تلك الحكايات الصغيرة التي عاشها الناس، وفسّروا من خلالها العالم، وتركوا فيها أثرًا من أرواحهم.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني