ثقافة

صرح يوثّق ذاكرة الوطن ويفتح آفاقًا جديدة للمعرفة

 

كتبت – بشاير السليمي 

تمثل مكتبة عُمان الوطنية مشروعا ثقافيا ومعرفيا مهما استحق الانتظار، متجاوزا كونه فضاء لحفظ الكتب إلى بنية بحثية متكاملة تحفظ الذاكرة الوطنية، وتفتح آفاقا جديدة للبحث العلمي، وتدعم صناعة المعرفة في الحقول الأكاديمية والثقافية والرقمية.
وبصدور المرسوم السلطاني رقم (36 /2026) بإنشاء مكتبة عُمان الوطنية وإصدار نظامها، نستطلع في هذه السطور آراء أكاديميين، ومختصين، وكتاب، وناشرين، وطلبة دراسات عليا، حول الأدوار المنتظرة للمكتبة، من صون الموروث الفكري، وتنشيط الحراك الثقافي، وبناء بنية تحتية رقمية، إلى دعم صناعة الكتاب، وإتاحة المعرفة على نحو شامل يراعي مختلف فئات المجتمع.
***************
حراك إيجابي


تتصل المكتبة بالذاكرة الوطنية وصون الإرث الفكري. يقول الدكتور حميد النوفلي -مدير إدارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)- مستشرفا بأن إنشاء مكتبة عُمان الوطنية سوف يحدث فارقا كبيرا في المشهد الثقافي. وقال: 'سيكون هناك حراك إيجابي ستشهده الساحة الثقافية العُمانية بشكل عام، سواء كان على صعيد دراسة المخطوطات وتحقيقها، أو على صعيد أرشفة كل الإصدارات التي صدرت من كافة المؤسسات الوطنية في سلطنة عُمان وتوثيقها، ومن المتوقع أن تقدم لنا مكتبة عُمان الوطنية تغييرًا إيجابيًا سوف ينعكس على الدراسات الحضارية ومراكز البحوث التاريخيّة، حيث ستفتح آفاقًا جديدة للدارسين والمهتمين والباحثين في شؤون الثقافة والتراث الثقافي بشكل خاص. كذلك نتوقع أن تكون مكتبة عُمان الوطنية أيضا محل أنظار الجامعات الكبرى ومراكز دراسات في كبريات جامعات العالم، بحيث ستستقي منها المصادر الأصلية المعارف لاسيما فيما يتعلق بالشأن العُماني'.
وأضاف: 'تتسابق الدول الآن إلى توظيف مكتباتها الوطنية في خدمة الاقتصاد وفي خدمة التنمية المستدامة من خلال التأكيد على ترسيخ الهُوية الوطنية لكل دولة وجعلها في صلب التخطيط الاستراتيجي للخطط التنموية، ومن خلال تثمين المنجز الحضاري لها وتقدير الثقافة الخاصة بها، كذلك تسعى هذه الدول إلى إبراز هذا النوع من المكونات الثقافية وتسويقه من المحلية إلى العالمية، وبالتالي فإن كل ما سبق يعتبر من صميم الأدوار المناطة بمكتبة عُمان الوطنية التي صدر المرسوم السلطان مؤخرا بإنشائها'.
وقال: 'نحن في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ننتظر بلهفة إلى مثل هذا النتاج الفكري والثقافي، ففي العام الماضي 2025 أطلقنا في إدارة الثقافة الملتقى الأول للمكتبات الوطنية في الوطن العربي. وفي هذه السنة 2026 سنواصل إن شاء الله العمل في تثمين دور المكتبات الوطنية في الملتقى الثاني لهذه المكتبات ونتوقع حضورا كبيرا لسلطنة عُمان في هذا المجال'.


آفاق بحثية


وصفت مكتبة عُمان الوطنية بأنها ستكون 'المرجع الأول' وبيئة بحث رفيعة المستوى، وهذا ما اتفق معه الدكتور خلفان الحجي -أستاذ مشارك بقسم دراسات المعلومات بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس- في الأثر الكبير الذي ستحدثه المكتبة على البحث العلمي خاصة فيما يتعلق بالموروث الفكري العُماني والحضارة العُمانية، وكافة الموضوعات ذات الصلة بعُمان، وذلك لما ستوفره من مصادر علمية قد تفتح آفاقا لطرق أبواب للبحث العلمي لا تزال مغلقة بسبب ندرة المصادر كما سيسهل على الباحثين تتبع مسارات أبحاثهم وتطويرها بتطور أنشطة المكتبة الوطنية وتجدد مجموعاتها، حسب تعبيره.


وقال: 'ستشجع المكتبة الوطنية الكثير من مالكي مصادر التراث وأدواته على تسليمها للمكتبة حفاظا عليها، وسعيا منهم لامتداد آثارها للأجيال القادمة وهذا من شأنه سد ثغرات أخرى للبحث العلمي خاصة فيما يتعلق بالتاريخ والحضارة والآداب، كما أنه ستكون هناك فرصة لتصحيح مسارات علمية أو لإضافة مسالك ثقافية من خلال ما سيكشف عنه لاحقا من مصادر قد تكون مجهولة في الوقت الراهن'.


وأضاف: 'المسؤولية الأهم للمكتبة الوطنية بجانب جمع الإرث الفكري الوطني والحفاظ عليه، هي إيجاد الأدوات اللازمة لتوثيقه وفهرسته وتصنيفه، وإيجاد أدوات مرجعية موحدة لتسجيله ونشر معارفه، ومن ذلك إنشاء الببليوغرافيات الوطنية والفهارس الموحدة ورؤوس الموضوعات ذات الصلة بالموروث الوطني. وهو ما يمهد الطريق نحو الرابط المتكامل لجميع المكتبات بالسلطنة مع نظيراتها بالعالم. كما أن الندوات والمؤتمرات والأنشطة التي ستنظمها المكتبة ستسهم بدرجة كبيرة في التفاعل الدولي مع الموروث الفكري العُماني وأثره على الحياة العامة، وإسهامه في النهضة العلمية العالمية'.


هاجس البقاء
واصفا مكتبة عُمان الوطنية بهاجس البقاء وامتداد الكيان العُماني لأجيال قادمة، قال الكاتب والشاعر إبراهيم السالمي عما يعنيه له ككاتب وشاعر وجود مرجع وطني جامع: 'بالنسبة لي كشاعر وكاتب، فإن وجود مرجع وطني جامع لكل ما كتب ويكتب وسيكتب في سلطنة عُمان وعنها من مخطوطات قديمة ودراسات حديثة ورقية ورقمية وإصدارات حكومية وفردية ومؤسسات خاصة وعامة هي طمأنينة عميقة لحفظ الهُوية المعرفية العُمانية. هي هاجس البقاء وامتداد الكيان العُماني لأجيال قادمة'.


وقال: 'سوف تتكفل مكتبة عُمان الوطنية إضافة إلى دورها بجمع الإنتاج الإبداعي العُماني بترتيب المشهد الثقافي بصورة عامة. ستكون المكتبة أبعد من مفهوم المحلية لأن الثقافة أصبحت جزءا معتبرا من اقتصاديات الدول وقوة ناعمة مؤثرة في صورتها العالمية، فلذلك هي تمثل استثمارا استراتيجيا في رأس المال المعرفي والثقافي للبلاد'.


وأضاف: 'أما ما أرجوه من هذه المكتبة، فهو أن تتجاوز دور الحفظ الصامت إلى دور الفاعل الثقافي الحي، أن تكون منصة تحقيق ونشر، وجسرا بين ضفتي الأنا والآخر. كلي أمل وتفاؤل بمكتبة تستثمر في الرقمنة الشاملة، وتدعم الدراسات العُمانية، وتفتح أبوابها للباحثين الشباب، وتبني شراكات عربية ودولية تليق بمكانة سلطنة عُمان. وأن تستخدم آخر ما توصل إليه العلم في إدارة الثقافة وإنتاج المعرفة ولا تقتصر على الطرق التقليدية المكرورة'.

بنية تحتية رقمية


ولأن المكتبة ستضم الأرشيف الرقمي والحكومي، يرى المتخصص في مجال التحول الرقمي وصاحب إحدى شركات الأرشفة أكبر الخابوري، أن مشروع مكتبة عُمان الوطنية يشكل خطوة استراتيجية نحو بناء بنية معرفية رقمية متكاملة، قادرة على تنظيم الإنتاج الفكري الوطني وإتاحته بصورة مؤسسية حديثة. وقال: 'إن تكامل الإصدارات الرسمية والرسائل الجامعية وأعمال المؤتمرات في منصة وطنية موحّدة يمثل ركيزة معرفية ورقمية استراتيجية. فمن منظور معرفي، يتيح هذا التكامل تجميع الإنتاج الفكري في مكان واحد، لعدم تشتت المعرفة وضياعها، ولتعزيز التكامل بين البحث الأكاديمي والواقع العملي. كما يسهم في رفع جودة الدراسات عبر إتاحة الوصول إلى مصادر متنوعة وموثوقة، ويشجع على التراكم المعرفي بدل تكرار الجهود. رقميًا، توفر المنصة بنية تحتية منظمة للفهرسة، والحفظ طويل المدى، وإتاحة الوصول المفتوح، بما يتماشى مع توجهات التحول الرقمي في سلطنة عُمان'.


وأضاف: 'أما على مستوى العلاقة بين الباحث وصانع القرار، فإن هذا التكامل يختصر المسافة بينهما عبر توفير بيانات ودراسات قابلة للوصول السريع، مدعومة بإحصاءات ومؤشرات حديثة. ووجود منصة موحّدة يسهل على الجهات الحكومية الاطلاع على نتائج الأبحاث ذات الصلة بالسياسات العامة، مما يعزز اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة. كما يسهم في إبراز الإنتاج العلمي العُماني في محركات البحث العالمية وقواعد البيانات، مما يعزز الحضور الرقمي للمعرفة الوطنية ويرفع من تنافسيتها إقليميًا ودوليًا، ويجعلها أكثر تأثيرًا في النقاشات العلمية وصنع السياسات'.


استدامة صناعة الكتاب


أما في قطاع النشر، فيتطلع علي المجيني -الرئيس التنفيذي لدار النشر العُمانية/ دار عرب- إلى أن تسهم مكتبة عُمان الوطنية في تعزيز القيمة المعنوية والمهنية للكتاب المحلي، والتأسيس لذاكرة وطنية دقيقة لا تضيع فيها الجهود الفردية من خلال نظام إيداع قانوني وفعّال يضمن توثيق وحفظ الإنتاج العُماني بصورة منظمة.
وأضاف أن اعتماد سياسات شراء دورية ومدروسة من دور النشر العُمانية من شأنه أن يوفر دعمًا اقتصاديا مباشرا للقطاع، مشيرا إلى أهمية اقتران هذا الدعم بمعايير جودة واضحة، انسجاما مع مكانة المكتبة بوصفها ذاكرة الوطن الثقافية. وأكد أن الحفاظ على مستوى عالٍ من الانتقاء يسهم في تحفيز الاستثمار في مشاريع نوعية من حيث التحرير والمحتوى والإخراج، ويعزز المعايير المهنية في قطاع النشر.
وأشار المجيني إلى أهمية إنشاء قاعدة بيانات ببليوغرافية حديثة ومفتوحة، تسهّل وصول الباحثين والقراء إلى الإصدارات المحلية، وتعزز حضورها في الفضاءين الأكاديمي والثقافي. كما لفت إلى إمكانية احتضان المكتبة برامج تدريب وورش عمل في مجالات حقوق النشر، والفهرسة، والتحول الرقمي، بما يرفع من احترافية القطاع ويؤسس لبيئة نشر أكثر نضجًا واستدامة.
وحول طموح التعاون بين المكتبة الوطنية ودور النشر العُمانية، قال: 'نطمح إلى شراكة استراتيجية تتجاوز التزويد إلى التعاون في إطلاق الكتب، وتنظيم معارض موضوعية، وبرامج قراءة تسلط الضوء على الإصدارات المتميزة. كما أرى أهمية العمل المشترك على مشاريع توثيق تاريخ النشر العُماني ورقمنة الأعمال المهمة. وجود قناة حوار مؤسسية ومنتظمة بين المكتبة ودور النشر سيُسهم في رفع المعايير وتعزيز استدامة صناعة الكتاب في عُمان'.


إتاحة المعرفة


دائما ما كانت ريان المخيني -طالبة دراسات عليا ومترجمة - تحلم بمكتبة وطنية كبيرة تجمع عددا من المصادر والمراجع في مكان واحد، تقام فيها الفعاليات الثقافية الكبرى، وتوفر عددا كبيرا من الوظائف للباحثين عن عمل عموما والمتخصصين في العلوم الإنسانية خصوصا. وقالت: 'كنت أقول في نفسي إن وجود مكتبة وطنية أمر بات ضروريا لمواكبة الحركة الثقافية المحلية والإقليمية والدولية، فهذه المكتبة يمكن أن توفر كثيرا من الجهد والوقت للباحثين على مستوى إتاحة المصادر في مكانٍ واحدٍ، على اعتبار أن كثيرا من الكتب المهمة يصعب الحصول عليها في عُمان لشح المكتبات الكبرى الموجودة، والأجمل من هذا كله أنها مكتبة حكومية وهذا الأمر سيضمن للمكتبة وجود ميزانية مخصصة لها ويضمن استمراريتها وإنجازاتها، وأرجو أن تسهم هذه المكتبة في إتاحة الكثير من المخطوطات التي لم تحقق بعد في التراثين العُماني والعربي، وأن تساهم في رفد القطاع الثقافي بكثير من الفعاليات المشتركة مع جهات عربية وإقليمية وعالمية، وآمل أن يكون للمكتبة دور في تحريك قطاع الترجمة، فنحن نواجه نقصا في ترجمة كثير من الكتب المهمة في العلوم الإنسانية بالشكل الذي يخدم التطورات التقنية المتسارعة، فعلى القارئ أو الباحث أن ينتظر وقتا طويلا للاطلاع على ترجمة كتاب إلى العربية، لهذا السبب وجود مؤسسة وطنية يعني استمرار دعم الحركة الثقافية بقطاعاتها المختلفة في السلطنة'.
وبصفتها فاقدة للبصر عبرت عن أملها بأن تضمن المكتبة الوصول الشامل للأشخاص ذوي الإعاقة، بقولها: 'بالنسبة لي فإن المكتبة الحقيقية أو المؤسسة الثقافية المثالية هي التي تتيح المعرفة لفئات المجتمع كافةً، أحيانا أشعر أن القائمين على المؤسسات الثقافية لا يعون أهمية المعرفة للفئات كلها، وأتحدث هنا عن نفسي بصفتي فاقدة للبصر، فإن عدم الملاءمة يبدأ من المحتوى التي تنتجه المكتبات في تصميم مواقعها الإلكترونية التي تكون مليئة بالصور التي لا تحتوي على وصف للمكفوفين ولا تلائم معايير الوصول الشامل لذوي الإعاقة، وصولا إلى نوعية الكتب المنشورة نفسها وطبيعة الأجهزة التي تكون متاحة للاستعمال داخل المكتبة للبحث عن الكتب والمصادر'.


وأضافت: 'عند إعداد المحتوى الرقمي الذي يخص المكتبة يمكن الاستعانة بمتخصصين في الوصول الشامل للأشخاص ذوي الإعاقة ليسهل عليهم تصفح تلك المواقع والتعامل مع المصادر المتاحة، ليضمن الوصول الشامل لأكبر عدد من فئات المجتمع. أذكر بعض الوسائل المساعدة: على سبيل المثال توفير أجهزة مساعدة في مرافق المكتبة تمكن الشخص صاحب الإعاقة البصرية من الولوج إلى المعرفة والحصول على المعلومة، بعض الأجهزة يخص ضعيف البصر مثل أجهزة التكبير، وأجهزة المكفوفين مثل جهاز برايل سنس مثلا أو أن تُزَوَّد الأجهزة الحاسوبية ببرامج قارئة للشاشة. قد نستفيد من تجارب بعض المكتبات الأخرى في تخصيص قسم يخص المكفوفين وأقسام أخرى لكل فئة بما يتناسب مع احتياجاتها المعرفية ورؤيتها
وبما يساهم في دمجها مع أفراد
المجتمع'.