روضة الصائم

محبرة صحار العبدي

 

د. سالم بن سعيد البوسعيدي -

(1)
كان لعمان دورٌ بارزٌ مؤثرٌ في الأدب العربي، بل هي في الريادة غير أننا نكاد نجهل تراثنا الأدبي الضخم، ليس فقط لتقصيرنا في الاهتمام والمطالعة، بل أيضا؛ لأن هذا التراثَ الأدبي لم يحظ بالتسجيل والدراسة، كما أن معظمه ضاع لأسباب سياسية أو عسكرية أو اجتماعية، ليس أقلَّها الحروبُ المتتالية وحرقُ المكتبات العمانية خاصة والعربية عامة، ولعل صحارَ العبدي أيضا خير شاهد على ذلك. بل دعوني أقول إننا نقع في حَيرَة أحيانا نتيجة تشابه الأسماء التي قامت بأدوار مختلفة في فترات زمنية متباعدة، مما ولّد استفهامات كبيرة بحجم دهشتنا، خذ مثلا: منير بن النير والبشير بن المنذر، وأيضا صحار العبدي موضوعنا اليوم، ولعل الأيامَ تكشف لثام بعض تلك الأمور، بل لعل ظهورَ بعض المخطوطات المتناثرة هنا وهناك يجلّي لنا أمورا كهذه وغيرها.
(2)
أبو عبد الرحمن، صُحار بن عياش بن شُراحيل العَبْديّ، من بني مُرّة بن ظفَر.. بن عبد القيس العبدي، اختُلف في اسم أبيه، ما بين: عياش، وعباس، وعابس، وصخر. والأول أشهرها. تقول كتب التراجم: هو أحد الصحابة الذين وفدوا على النبي، ولم تطل صحبته لرسول الله كثيرًا، لذلك كانت روايته عنه قليلة، اقتصرت على حديثين أو ثلاثة. وروى عن صحار ابناه: عبد الرحمن، وجعفر، كما روى عنه: منصور بن أبي منصور.
وكان ممن شهدوا فتح مصر بقيادة عمرو بن العاص، في خلافة الفاروق عمر، وقد سكن صُحار العبدي البصرة وعُدّ في أهلها، وفيها كانت وفاته. وذكر ابن النديم في «الفهرست» أن له من الكتب «كتاب الأمثال». كذا تعرفه كتب التراجم...لكنها لا تمنحك عن حياته شيئا أكثر من هذا سوى شذرات سنأتي عليها.
(3)
صحار العبدي -على هذا السياق- هو أول من دوّن الأمثال العربية، وقيل هو أولُ من كتب كتابا كاملا في ظل الدولة الإسلامية، ورغم ذلك لا نكاد نقع إلا على أخبار متفرقة حول الرجل وإسهاماته،خاصة مع فقدان كتابه الأمثال.
ويدل ذلك الإسهام الواعي على حفظٍ واسع، ومعرفةٍ بأخبار العرب، واطلاعٍ على أمثالهم ومناسباتها، وهو أمر ليس بهيّن مطلقا، وهنا تبرز أسئلة على شاكلة: كيف كان ذلك الكتاب؟ وما منهجية تأليفه؟ وكيف رتب أمثاله؟ وكيف كان حجمه؟ ولماذا كان اهتمامه بالأمثال دون غيرها.
ولكن لماذا اهتم بالأمثال: المثل العربي عظيم في مضمونه وأسلوبه، ففي مضمونه يتضمّن خلاصة حكمة العرب، والحكمة تنتج عن التجربة. ولذلك نجد مجموعة الأمثال عند العرب، هي حصيلة تجاربهم في الحياة، التي كانوا يخوّضون فيها بكل قوة. إنها بالمناسبة شبيهة بإضافة حيوات هؤلاء الناس إلى حياتك.
فتلك خاصية المثل في مضمونه أما أسلوب كتابته فيتميز بثلاث خلال: أولها إيجاز اللفظ، وثانيها: إصابة المعنى بذلك اللفظ الموجز وهو ما يجعله مع إيجازه عميق المعنى. وثالث تلك الخلال: حسن التشبيه بين قصة تروى وواقع معيش. ولذا ففيه لطافة التعبير غير المباشّر للابتعاد عن السردية المتصلة عادة بالتقرير المباشر.
لذا كان صحار عظيما في عمق التفاته إلى هذا الفن دون غيره. أما عن منهجه، فلا نتصور أنه يختلف عن منهج أول كتاب وصل إلينا في الأمثال وهو كتاب أمثال العرب المُفَضَّل الضَّبِيّ لا نتصوّر أنه يختلف كثيرا في ترتيبه ومضمونه وحجمه فهو يفيض بالقصص التعليليّة للأمثال. وتتجلّى لنا فيه صورة الأديبِ والمربي، الذي يهتمّ بالقصص المسليّة الهادفة المربية.
فنجد أجمل الأقاصيص والخرافات والأساطير. التي تنتهي بعبارة مأثورة لأحد أبطالها، وهم عادة ما يكونون من زعماء القبائل والعشائر والشيوخ، أو من جماعة الشعراء والحكماء، أو من الحمقى والمغفلين. كذلك نجد قصصا من أخبار أيام العرب، ترتبط بشخصيّات تاريخيّة فاعلة ولكنها ذات طابع قصصي محض. فالمكان والزمان غير واضحين. أمّا الجوّ العام للقصّة فهو غامض أيضا، ولا يتّضح وضوحا تاما.
ولذا قال إحسان عباس في مقدمة تحقيقه لكتاب الضبي 'وقد سبق المفضل إلى التأليف في الأمثال عدد من الرواة والعلماء منهم عبيد بن شرية الجرهمي، وعلاقة بن كرشم الكلابي، وصحار بن عياش العبدي ونقل البكري عن هؤلاء الثلاثة في كتابه 'فصل المقال'.
(4)
برز في عمان خطباءُ بلغاء فصحاء ذكرتْ كتب الأدب بعضا منهم، حتى قال الجاحظ في البيان والتبيين: 'لربما سمعت من لا علم له يقول: ومن أين لأهل عمان البيان؟ وهل يعدون لبلدة واحدة من الخطباء البلغاء ما يعدون لأهل عمان'. ومن أشهر خطبائهم صحار بن العباس العبدي.
كان خطيبًا مفوَّهًا، بليغًا لَسِنًا، شهدت كتب الأدب ببلاغته. وروت بعض مواقفه ومن ذلك: قال له معاوية يوما: ما أقرب الاختصار؟ قال: لمحة دالة. وقال له أيضا: ما هذه البلاغة التي فيكم؟ فقال: شيء تجيش به صدورنا فنقذفه على ألسنتنا. فقال رجل من عامة القوم: يا أمير المؤمنين، هؤلاء بالبسر والرطب أبصر منهم بالخطب. فقال له صحار: أجل والله إنا لنعلم أن الريح لتلحقه، وأن البرد ليعقده، وأن القمر ليصبغه، وأن الحر لينضحه.
من ذلك، أن معاوية سأله: «ما البلاغة؟» فقال صحار: «الإيجاز». قال معاوية: «وما الإيجاز؟» قال: «أن تقول فلا تخطئ، وتسرع فلا تبطئ». ثم استطال صحار كلامه، فقال: «أقِلْني يا أمير المؤمنين، هو ألاّ تخطئ ولا تبطئ». فتكلم بأوجز مما قال أولًا، وحقق صفة البلاغة.
وكان صحار أزرق العينين، وكذلك ابنه عبد الرحمن، والعرب يتشاءمون بزُّرقِ العيون. فقال له معاوية مرة: «يا أزرق». فحوّل كلامه إلى وجهةٍ أخرى عن طريق ما سمي «أسلوب الحكيم» قائلًا: «البازي أزرق». فقال له: «يا أحمر». قال صحار: «الذهب أحمر».
وقيل يومًا لصحار: إن الرجل يقول لصاحبه عند تذكيره إياه يدًا سلفت، وإحسانًا تقدم: «أما نحن فإنا نرجو أن نكون قد بلغنا من أداء ما يجب لك عندنا مبلغًا مرضيًا»، وهذا الرجل يعلم أنه قد وفّى صاحبَه حقّه الواجب، وتفضّل عليه بما لا يجب. فقال صحار: « كانوا يستحبّون أن يَدَعوا للقول متنفّسًا، وأن يتركوا فيه فضلًا، وأن يتجافَوْا عن حقٍ، إن أرادوه لم يُمنعوا منه ». وكان يشير بذلك إلى قضية اختيار الألفاظ وصوغ الكلام، وأن ذلك الرجل قال في كلامه: «نرجو أن نكون..» لا لأنه يعلم فيه خللًا، ولكنه أخذ بآداب العرب ووجوه كلامهم.
ومع إجماع المصادر على أن صحارًا كان خطيبًا مفوَّهًا، فإنها لم تُورد شيئًا من خطبه، واقتصرت على إيراد شيء من محاوراته وأجوبته. كما تصف كتب التراجم صحار بصفة أخرى وهي أنه كان نسابةً، وكان واحدا من العلماء المشهورين بمعرفة الأنساب. وله مع معاصره دَغـْفـَل بن حنظلة (ت.65هـ) نسّابة العرب محاورات ومطارحات عالما بأخبار العرب.
(5)
ويبقى تساؤل أخير: تقول كتب التراجم أن صحار كان عثماني الرأي والهوى أيام الفتنة الكبرى، فلما قُتل الخليفة عثمان بن عفان قام صحار يطالب بدمه، مع من طالب، بل خرج على الإمام علي معارضًا له، وشهد موقعة صِفِّين مع معاوية، لتي دارت رحاها بين أمير المؤمنين علي وجيشه من جهة، وبين معاوية وجيشه، وذلك في سنة 37 للهجرة في منطقة صفين قرب مدينة الرقة السورية، ووصفت أنها من أعنف وأشرس المعارك في التاريخ الإسلامي، وانتهت بعملية التحكيم في شهر رمضان سنة 38 للهجرة. وكان بذلك مخالفًا قومه الذين كانوا إلى جانب علي، من أمثال: صعصعة، وزيد وسَيْحان أولاد صُوحان ابن حُجر بن الحارث، وكلهم خطباء مشهورون في عبد القيس.
وصار صُحار بعد ذلك أثيرًا لدى معاوية، وعاصر صدرًا من خلافته، ولازمه مدة، وبينهما محاورات تدل على ما كان يتمتع به، في أجوبته لمعاوية وغيره، من ذكاء وسرعة بديهة وقوةٍ في الإقناع والتأثير.
بينما تخبر الكتب الإباضية أنه كان ملازما لجابر بن زيد، فهل هما اثنان: الأول صحابي وهو صحار بن عياش، والثاني تابعي هو صُحار بن العبَّاس العبدي (50-100هـ / 670-718م) من أوائل أعلام الإباضية، أصله من عُمان من بني عبد القيس. وأخذ العلم عن جابر بن زيد، حتَّى برع في مختلف الفنون، فكان من فقهاء المسلمين وعلمائهم، وله باع في علوم اللغة. وهو أستاذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. وجمع صُحار إلى رسوخه في العلم فضائل الزهد والورع، فكان قدوة للمسلمين في علمه وعمله. وإن كان كذلك فمن هو مؤلف كتاب الأمثال منهما؟.