ثقافة

"سليمان فياض": أصوات ووجوه

 

إيهاب الملاح -

(1)
يذكرني 'فيسبوك' قبل أيام قليلة بذكرى رحيل الكاتب والروائي والقاص سليمان فياض (1929-2015)، الذي رحل عن عالمنا قبل أحد عشر عامًا. لم يكن كاتبًا كبيرًا ومهمًا ومؤثرًا فقط خلال مشواره الأدبي والإبداعي، بل كان وبدون أدنى مبالغة أحد آباء جيل الستينيات في الأدب العربي.
لا يمكن إغفال اسم سليمان فياض عند الحديث عن أي خريطة أو ملامح أو سمات لهذا الأدب طوال ما يزيد على نصف القرن (1960-2015).
منذ صدور روايته الأشهر «أصوات» مطالع السبعينيات من القرن الماضي، وحتى صدرت روايته الأخيرة «أيام مجاور» في 2009، كان سليمان فياض ملء السمع والبصر بحضوره الإبداعي، ومساهماته الثقافية والفكرية، واحتل مساحة عريضة من المشهد الثقافي المعاصر.
انبنت شهرته في الأساس ككاتب قصة قصيرة من طراز رفيع، كان صدور مجموعته القصصية الأولى «عطشان يا صبايا» في عام 1961 إيذانًا بإعلان مولد 'قاص' من عيار ثقيل، وترسخت مكانته القصصية بصدور مجموعاته التالية: «وبعدنا الطوفان» 1968، و«أحزان حزيران» 1969، و«العيون» 1972، و«زمن الصمت والضباب» 1974، و«الصورة والظل» 1976، و«القرين ولا أحد» 1982، وصدرت آخر مجموعاته القصصية بعنوان «الشرنقة» عام 1997.
(2)
في عام 1972 فاجأ سليمان فياض جمهور الأدب في مصر والعالم العربي، وخرج عليهم برائعته «أصوات» التي صارت واحدة من أهم الروايات العربية التي صدرت في تاريخها كله، موضوعًا وشكلًا. فقد كانت «أصوات» واحدة من الروايات الباكرة التي اعتمدت تقنية «الأصوات المتعددة»، ولهذا يذهب الناقد الراحل الدكتور جابر عصفور إلى أنه لم يكن من قبيل المصادفة إطلاق كلمة «أصوات» عنوانًا على رواية سليمان فياض، فالرواية تنبني على تقنية الأصوات المتعددة للشخصيات، وذلك على نحو نسمع معه من كل شخصية من شخصيات القص الفاعلة ما يجسّد وجهة نظرها أو موقفها المتعين من الحدث الرئيسي الذي تدور حوله الرواية. وصيغة جمع الأصوات – من هذا المنظور – إشارة إلى تعدد الرواة داخل السرد، وتولّى كل راوٍ حكاية الحدث، كله أو بعضه، من زاوية بعينها، وعلى سبيل التزامن أو التعاقب، وذلك بصوته الخاص الذي يتجاوب مع وغيره من الأصوات في النسق البنائي العام.
صحيح أن رواية «أصوات» لم تكن الرواية الأولى في تاريخ الرواية العربية التي اعتمدت تلك التقنية، فقد سبقتها رواية فتحي غانم «الرجل الذي فقد ظله»، ورواية نجيب محفوظ «ميرامار»، وكلتاهما صدرت قبل «أصوات سليمان فياض» بما لا يقل عن عشر سنوات، لكن انفردت «أصوات» عنهما بكثافتها اللافتة، وتقشفها اللغوي والأسلوبي الظاهر، وتوظيفها المتقن المحكم للأصوات المتعددة في معالجة إشكالية 'الأنا والآخر' أو 'الشرق والغرب'، ضمن مجموعة الروايات العربية المتميزة التي تصدت لهذه الإشكالية؛ منذ رواية توفيق الحكيم «عصفور من الشرق»، ورواية «قنديل أم هاشم» (1943) ليحيى حقي، ومرورًا برواية الحي اللاتيني لسهيل إدريس، ووصولًا لرواية الطيب صالح المدوية «موسم الهجرة إلى الشمال» (1967).
(3)
حققت الرواية نجاحًا مذهلًا، وترجمت إلى العديد من اللغات الأخرى، وصارت واحدة من أهم الروايات العربية بإطلاق، ووضعت اسم سليمان فياض ضمن الفئة الأولى من كتاب الرواية العربية العظام، بالإضافة إلى كونه 'قصاصًا' متميزًا صارت قصصه مادة ثرية للدارسين والباحثين والنقاد.
لكن فياض كان 'فائض' العطاء والجهد والطاقة، ففضلاً عن إسهامه الروائي والقصصي، مارس فياض الكتابة للإذاعة والتلفزيون: عمل طوال حياته، بالإضافة إلى عمله مدرسًا بالتربية والتعليم، معدًا للأحاديث والحوارات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، وكان له برنامج يومي يذاع على موجات إذاعة البرنامج العام (القاهرة) اسمه «قاموس المعرفة».
وأولى سليمان فياض البحث اللغوي والمعجمي اهتمامًا خاصًا، فأخرج في هذا المجال عدة كتب ومؤلفات هامة، احتلت مكانها في المكتبة اللغوية المعاصرة، منها: «معجم الأفعال الثلاثية»، و«أنظمة تصريف الأفعال العربية»، و«معجم المأثورات اللغوية والتعبيرات الأدبية»، و«النحو العصري»، و«معجم السمع والمسموعات».
من أشهر ما تركه سليمان فياض من كتب أثارت، وما زالت، الكثير من الجدل وأصداء واسعة، ما أسماه البعض بأدب النميمة، نسبة إلى كتابه الشهير «كتاب النميمة» الذي اشتمل على 30 لوحة قلمية لعدد من الكتاب والمثقفين الذين عاصرهم فياض والتقاهم واحتك بهم، وقرر أن يسجل وجهة نظره وانطباعاته عن هذه الشخصيات في فصول كتابه.
يقول فياض عن كتابته هذه: 'مع كل ما كتبته من أدب النميمة فلم أخسر أحدًا، بل إن أصدقاء من المغرب وتونس قالوا لي إنك فتحت لنا بابًا جديدًا للكتابة، والكتابة عن أي شخص تكون أفضل بعد موته، والفنان يمكنه التحدث عن أي شيء مهما كان محل تحفظ بكلمات مهذبة غير جارحة، وبطرق غير مكشوفة، لأنه يشير ويوحي ويومئ، وأنا تعلمت هذه اللعبة من نجيب محفوظ، فلا تستطيع المصنفات الفنية، ولا الأزهر أن يمسكا عليّ شيئًا فليست هناك تهمة. بل هناك ظاهرة اجتماعية ثقافية'.
(4)
يفتتح سليمان فياض كتابه «كتاب النميمة» بإهداء قد يظهر منه الغرض من الكتاب: 'إلى الأجيال الجديدة، تذكرة بأن الإنسان تاريخ وموقف، فلا سر يخفى، ولا شهادة تموت'، ويقول فياض: 'لست مسؤولًا عن أية إسقاطات أو تصورات شخصية لقارئ ما على أحد النماذج، لمجرد أنها معماة، ولا تحمل اسمًا من الأسماء'، ويقول أيضًا: 'لست مسؤولًا عن أية وقائع أو مشابهات في هذه البورتوريهات إلا عمن سميتهم بأسمائهم'.
لماذا كتب إذن هذا الكتاب؟ يجيب: 'غايتي أن أقبض على اللحظات الهاربة والظواهر المستمرة أو الآفلة التي يغفل عنها دائمًا التاريخ العام والخاص أيضًا، لأنه يتجاوز في الشرق ما يعتبر أسرارًا شخصية في حياة الناس'.
لم يكن «كتاب النميمة» لسليمان فياض، بجزئيه «كتاب النميمة» و«نبلاء وأوباش»، يحتوي لغة أدبية راقية، ويمكننا اعتباره نصوصًا أدبية، إذا قرأه شخص من خارج الوسط الثقافي، بعيدًا عن السعي لحل لغز القصة، والوصول إلى اسم الشخصية الأدبية، الذي حلل فيه أيضًا شخصيات العديد من المثقفين المصريين، عبر أسماء رمزية مثل: الفأر، والقط، والتمرجي، ومالك الحزين، والواعظ، وعازف الفلوت، وعجل جسد له خوار. هو الكتاب الوحيد الذي خصصه في هذا المضمار، فله كتاب آخر أصدره عام 1992 عن دار سعاد الصباح بعنوان «المثقفون ـ وجوه من الذاكرة»، ينهج فيه ذات النهج الذي اتبعه في «كتاب النميمة».
(5)
قبل رحيله بقليل، وفي حوار أجراه معه أحد الصحفيين الثقافيين، سأله عن مطالبه في هذه السن (كانت سنه 82 عامًا)، أجاب قائلًا: 'مطالبي في الدنيا متواضعة، كانت زمان منحصرة في أن أكون كاتبًا من الدرجة الثالثة، وكتبت 14 قصة، وطبعت منها ثماني قصص في مجموعة «عطشان يا صبايا»، وسافرت إلى السعودية، وحين عدت وجدت 15 مقالة نقدية مكتوبة عنها، جمعها لي الصديق وحيد النقاش، لذا كلما رأيت كاتبًا جديدًا أنصحه بالاعتناء بالكتاب الأول، لأنه يربط المبدع بالقارئ، أو يضيعه، وكما قال تشيكوف: 'لو بقيت مني ستة أعمال فأنا عبقري'.
بهذا المعنى، فإن سليمان فياض لم يكن عبقريًا واحدًا فقط، بل أكثر من عبقري في الأدب والإبداع والفكر والتاريخ واللغة، بقيت منه «أصوات» التي صارت ضمن أهم الروايات العربية التي صدرت في القرن العشرين، وبقيت منه مجموعات قصصية تنير الطريق لرواد هذا الفن من كتاب وقراء على السواء، وبقيت منه 'وجوه وملامح' أسست لفن كتابي كامل، شهر به وصار علمًا عليه.