السمت العُماني حضور فعلي في سلوك الفرد والأجيال والناشئة
منظومة قيمية شكّلت هُوية المجتمع وصورته الحضارية
السبت / 10 / رمضان / 1447 هـ - 14:55 - السبت 28 فبراير 2026 14:55
العُمانية : يُعدّ السمت العُماني منظومةً قيمية شكّلت هُوية المجتمع وصورته الحضارية، ومع تسارع التحولات الاجتماعية والرقمية تتزايد الحاجة إلى قراءة واقعه وتعزيز حضوره الفعلي في سلوك الأفراد والأجيال الناشئة.
وأكّد عددٌ من المختصين لوكالة الأنباء العُمانية أهمية الوقوف بوعي أمام واقع السمت العُماني، وتعزيز تجسيده في الممارسة اليومية والفضاء الرقمي، مشددين على أنّ ترسيخ هذه القيم يتطلب نماذج عملية تُسهم في صونها لدى الأجيال الجديدة وحماية الهُوية الوطنية في عالم متغيّر.
وقال يونس بن محمد الصابري مدرب في السمت والمواطنة: إنّ السمت العُماني منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة تشكّلت عبر تاريخ طويل من القيم المستمدة من الأصالة الإسلامية والعروبية، وأسهمت في بناء شخصية الإنسان العُماني وتنظيم سلوكه، فصاغت صورة حضارية للوطن في الداخل ورسّخت مكانته في الخارج.
وأشار إلى أنّ الواقع المعاصر يكشف عن تراجع ملحوظ في بعض قواعد السمت، خاصة المرتبطة بالبناء الأسري والاجتماعي، وفق قراءات اجتماعية، ما انعكس في ظواهر مقلقة، لافتًا إلى تحوّل بعض مظاهره إلى أشكال خارجية مجردة من مضامينها، فبقي الرمز وغابت الروح.
وبيّن أنّ السمت والسَّنَع متى ما قدّما تعريفًا صحيحًا يوضح مصادرهما وأثرهما، ونالا العناية اللازمة، سيغدوان ركيزة يحرص الشباب على التمسك بها، أما إذا انتُهكت قواعدهما عمليًا، فإن محاولات إقناع الأجيال بأهميتهما تفقد مصداقيتها مهما حُسِّن الخطاب.
وأكد أنّ الالتزام الحقيقي بهما يسهم في بناء حياة اجتماعية مستقرة تنعكس على الاستقرار الاقتصادي والثراء الثقافي وتعزيز مناعة الوطن، كما يعكس في الخارج عمق التاريخ العُماني وأصالته.
وأضاف أنّ ما يُلاحظ من سلوكيات سلبية متنامية، ظاهرها أقل من خفيّها، يشير إلى تحولات أخلاقية وسلوكية عميقة لها توصيفاتها في علم الاجتماع، وتستدعي معالجة واعية ومسؤولة.
وأشار إلى أنّ الحل يكمن في العودة الصادقة إلى القيم العُمانية الأصيلة، بوصفها امتدادًا طبيعيًا للأخلاق الإسلامية والعربية، مع ضبط الفضاء الرقمي ومراجعة المحتوى المقدم في الإعلانات والفعاليات، والتصدي لكل ما من شأنه إضعاف القيم أو تمييع هُوية الشباب.
من جانبه، أوضح الدكتور يونس بن جميل النعماني، مدير دائرة قطاع الثقافة باللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، أنّ من أبرز التحدّيات في ظل العولمة والانفتاح الثقافي ضعف الوعي بأهمية السمت، في وقت أفرزت فيه التقنيات الحديثة تأثيرات فكرية متسارعة انعكست على بعض أفكار وسلوكيات الشباب.
وأضاف أنّ من التحدّيات أيضًا تراجع دور بعض الأسر في ترسيخ العادات العُمانية الأصيلة، سواء في المجالس أو اللباس أو السلوك، داعيًا إلى تعزيز التكامل المجتمعي في حماية هذه القيم التي يحظى بها العُماني بتقدير واسع.
ولفت إلى أنّ الدراسات تشير إلى تأثر منظومة القيم بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية، إذ قد تدفع المتغيرات الاقتصادية بعض المجتمعات نحو النزعة الاستهلاكية والتحرر الفردي، فيما تؤثر الهجرات وتحول الأسر الممتدة إلى صغيرة في إعادة تشكيل البنية القيمية.
وأكد أنّ المؤسسات التعليمية والثقافية تؤدي دورًا محوريًا في تجذير الهُوية، من خلال المناهج والأنشطة اللاصفية والمبادرات المجتمعية، إلى جانب دور المراكز الثقافية والأندية وجمعيات المرأة العُمانية، شريطة التخطيط المنهجي الفاعل.
وأشار إلى أنّ الدراسات السوسيولوجية تؤكّد ارتباط المجتمع العُماني بتاريخه وثقافته، وانعكاس ذلك في سلوكياته اليومية، حيث تتسم الشخصية العُمانية بالتسامح والكرم واحترام الآخر، وهي قيم متجذّرة في النسيج الاجتماعي، مستشهدًا بما ورد في السيرة النبوية ما يشير إلى حُسن تعامل أهل عُمان، وهو ما يعكس السمعة الطيبة التي يحظى بها المجتمع العُماني تاريخيًا.
من جانبها، أكّدت غنيمة بنت سليمان الشكيلي مشرفة إرشاد اجتماعي، أنّ الأسرة تمثل المدرسة الأولى للقيم، وأنّ انسجام الرسائل بين البيت والمدرسة عنصر حاسم في ترسيخ السلوك القيمي، إلى جانب دور القدوة في المدرسة والجامعة.
وقالت: إنّ ترسيخ السمت لدى الأجيال لم يعد يتحقق عبر الوعظ المباشر، بل من خلال التجربة اليومية، مشيرةً إلى أهمية ربط القيم بسلوكيات الحياة المدرسية، وتوظيف أدوات تعليمية معاصرة كالمحتوى الرقمي والمواقف التفاعلية.
وأوضحت أنّ الانتقال من لغة الأوامر إلى أسلوب يُعزّز القناعة الذاتية يسهم في بناء دافعية داخلية لدى الطلبة، مؤكدةً ضرورة تحويل القيم من شعارات إلى ممارسات مدعومة بأنظمة سلوكية واضحة وحوافز إيجابية.
وقالت الدكتورة رقية بنت حميد الوهايبي رئيسة قسم اللغة الإنجليزية في الكلية المهنية بصحم: إنّ العالم الرقمي جعل منشورًا واحدًا قادرًا على نقل نقاش عابر إلى حالة اصطفاف حاد، غير أنّ المجتمع الذي يستند إلى ثقافة احترام راسخة قادر على إدارة الخلاف بوعي واتزان.
وبيّنت أنّ تعزيز الحوار الراقي لا يتحقق بالمواعظ، بل بالممارسة العملية، مستشهدةً بتجربة طُبّقت في نقاش طلابي تقضي بعدم الرد قبل تلخيص رأي الطرف الآخر بإنصاف، وهو ما أسهم في تهدئة النقاش وإعادته إلى مساره العقلاني.
وأكدت أنّ ترسيخ هذه القيم يتطلب تدريبًا مستمرًا حتى تتحول إلى عادات راسخة، مشيرةً إلى أهمية إشراك الشباب في مبادرات تعيد تعريف السمت من خلال تجاربهم الواقعية.
وأضافت أنّ منصات التواصل يمكن أن تتحول إلى فضاء إيجابي لنشر قصص تجسد القيم في تفاصيل الحياة اليومية، مؤكدةً أنّ توثيق السلوكيات العفوية الصادقة يمنح القيم حضورًا أعمق من الحملات الشعاراتية.
وأشارت إلى أنّ بناء حضور رقمي متزن يتطلب تعليم مهارات الحوار العادل، وتمكين الشباب من سرد تجاربهم، وتحويل القصص اليومية إلى ذاكرة رقمية تعكس حقيقة المجتمع.
وأكدت أنّ السمت العُماني في الفضاء الرقمي امتداد لهُوية الإنسان وإرث يُخلّد، داعيةً إلى جعله شاهدًا على وعي ومسؤولية، فالكلمات قد تُكتب في لحظة، لكنها تبقى طويلًا شاهدةً على صاحبها.